توصح مبادة وقف إطلاق النار القطرية، التي كشفتها التايمز أوف إسرائيل للمرة الأولى، كيفية أن التصعيد المستمر للصراع في غزة لا علاقة له في الواقع بإسرائيل نفسها. للأسف، وجدت إسرائيل نفسها عالقة في معركة ذات أبعاد أوسع بكثير – حرب بين محاور متنازعة في العالم الإسلامي السني.

من جهة واحدة مصر والسلطة الفلسطينية، اللتان من المرجح أن تنضم إليهما الأردن والسعودبة في الأيام القادمة. من الجهة الأخرى، قطر وتركيا وحماس، وكذلك داعمون دوليون آخرون للإخوان المسلمين.

إنها حرب بالوكالة لكل النوايا والأهداف. هذا لا يعني أن حماس لم تعد ملتزمة بتدمير إسرائيل، ولكن حماس تطلق الصواريخ على تل أبيب وتقوم بإرسال الإرهابيين عبرالأنفاق إلى جنوب إسرائيل بينما تهدف، في الجوهر، إلى القاهرة.

ما ينشأ عن هذا الوضع، ومن مطالب حماس التي لا أساس لها كما تظهر في مقترح وقف إطلاق النار القطري، هو أن هذه الأزمة بعيدة عن نهايتها.

إن حماس واثقة من نفسها، وحتى أنها منتشية. في الأيام الأخيرة، يقول أشخاص كانوا على إتصال بقادة المنظمة الفلسطينية أن الشعار الذي تبثه هو أن حماس تحاصر تل أبيب، وبأنها ستبدا إجتياحها لإسرائيل قريبا، وليس أن الجيش الإسرائيلي يضرب غزة بقوة، وأن قواته البرية تضرب حماس في القطاع، وأنه يعيد البنى التحتية الإرهابية التابعة لحماس سنين إلى الوراء، كما قال رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي بيني غانتز.

في لقاء له مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في القاهرة يوم الأربعاء، رفض موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، مناشدات عباس بشأن وقف لإطلاق النار، قائلا “ماذا يعني 200 شهيد مقارنة برفح الحصار [عن قطاع غزة؟]” وغرد أبو مرزوق في وقت لاحق على التويتر أنه لن تكون هناك هدنة لا تعترف بمطالب “المقاومة”، وأن “احتلال إسرائيل لقطاع غزة أفضل من استمرار الحصار”. لا حاجة للقول أن أبو مرزوق، المقيم في القاهرة، بعيد عن تهديد الغارات الجوية الإسرائيلية.

كل ذلك يتطلب من إسرائيل إعادة النظر في مفاهيمها المسبقة وخطط العمل فيما يتعلق بحماس. إن المفهوم الأساسي الذي وجه إسرائيل في السنوات الأخيرة أنه يمكن التعامل مع سيطرة حماس على قطاع غزة، حتى أنها “جيدة لليهود”، وتشكل، في نهاية اليوم تهديدا أمنيا أقل من كل سيناريو آخر. ولكن لا يمكن لإسرائيل أن تسمح لنفسها بعد الآن أن تبعث برسالة “الهدوء سيٌقابل بهدوء”.

تعمل حماس بموجب الافتراض الأساسي أن إسرائيل ستعمل في نهاية المطاف للحفاظ على سيطرتها على القطاع. من هنا تأتي ثقة حماس، أو حتى نشوتها. تعتقد حماس أن إسرائيل لا تريد إسقاطها أو اغتيال قيادتها.

لذلك ومن أجل إجبار قادة حماس على إعادة النظر بموقفهم، من الأفضل لإسرائيل أن تغير نغمتها، وبسرعة. على حماس أن تدرك أن قواعد اللعبة تغيرت الآن، وأن إسرائيل على إستعداد لتدميرها وتدمير نظامها، بما في ذلك الإستيلاء على قطاع غزة بالكامل، إذا كان ذلك ضروريا. أخذت تسيبي ليفني الخطوة الأولى في هذا الإتجاه، وأثارت استغراب محاوريها، عندما قالت للقناة الثانية مساء يوم الجمعة أنها لا تستبعد احتمال إسقاط حماس إذا كان هذا ما يلزم لإستعادة الهدوء المستدام.

هذه ليست بتوصية للجيش الإسرائيلي لإعادة احتلال غزة. ولكن لوضح حد لهذا الصراع، يجب جعل حماس تعتقد أن نهايتها قد تكون قريبة إذا لم تتخلى عن أسلحتها. وهي بالتأكيد لا تعتقد ذلك في الوقت الحالي.

يحدد المقترح القطري لوقف إطلاق النار نفس الشروط تقريبا التي تتطالب بها حماس منذ بدء العملية، مع بعض المطالب الإضافية، بما في ذلك إطلاق سرح الأسرى الذين أفرج عنهم في صفقة غلعاد شاليط واعتقلوا مجددا في حملة الجيش الإسرائيلي الأخيرة في الضفة الغربية؛ افتتاح معبر رفح؛ بناء ميناء بحري في غزة، وأكثر من ذلك. ومن المفترض أن تتم تلبية هذه المطالب بالتوازي مع وقف لإطلاق النار.

تم نقل هذه الشروط للحكومة الأمريكية، التي طلبت مها قطر التواسط بينها وبين إسرائيل. أحد الأهداف ،وإن لم يكن الوحيد، هو إبعاد مصر عن جهود وقف إطلاق النار.

مع ذلك فإن التعامل الأمريكي مع هذه المسألة كان مترددا وغير واضح كالعادة. تعاملت واشنطن مع كل من الدوحة والقاهرة. وفقط بعد أن طلبت إسرائيل إبعاد قطر عن الصورة أعلنت الولايات المتحدة دعمها للمبادرة المصرية، التي تجاهلت بنودها مطالب حماس بشكل كبير، والتي دعمها بسرعة كل من إسرائيل والجامعة العربية والولايات المتحدة وآخرون.

يفسر دعم قطر الحازم والمستمر لحماس رفضها للمقترح المصري. أدرك وزير الخارجية المصري سامح شكري ذلك واتهم الدوحة وأنقرة بشكل مباشر بمحاولة متعمدة لتقويض جهودها بوقف إطلاق النار. ردت تركيا بشدة، حيث وصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأنه دكتاتور.

وهكذا تحتدم الحرب الدينية وإمكانية وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس تصبح أكثر بعدا. لا يزال عباس يحاول سد الفجوة بين الأطراف- أي بين قطر وتركيا ومصر، وليس بين حماس وإسرائيل. ولكن هناك شك بأن يكون هو الرجل الذي سيوحد العالم السني المنقسم.