كفار عازا – عندما لحن فولفغانغ اماديوس موتسارت مقطوعة “قداس الموتى” الشهيرة عام 1791، لم يتخيل أنها ستُعزف في يوم من الأيام خلال إحياء ذكرى ضحايا فلسطينيين وإسرائيليين لحرب صغيرة في الشرق الأوسط.

لكن مئات الإسرائيليون حضروا الحفل الموسيقي تحت عنوان “من الحداد إلى الأمل”، حيث تم عزف جناز كاثوليكي في ملعب كرة قدم كيبوتس كفار عازا، بلدة علمانية فيها 650 نسمة، أسسها مهاجرون من مصر والمغرب عام 1951، تبعد حوالي 5 كم عن الأحياء الشرقية في غزة.

بعد غروب الشمس، إقترب الجمهور، المتقدم بالجيل بغالبيته، وهم يحتسون النبيذ في كؤوس من البلاستيك ويتناولون المعجنات، نحو المنصة السوداء الكبيرة المطلة على حي الشجاعية. وبينما كانوا يطوون أوراق مع تعليمات للتصرف في حال انطلاق صفارات الإنذار من الصواريخ، جلس الجمهور لسماع المايسترو افنير إيتاي يقود جوقتي “الكيبوتس الوطنية” و”إيهود” برفقة عازفين من فرقة عازفي تل أبيب. القسم الثاني من العرض تضمن عروض لفنانين عرب ويهود بكلا اللغتين، من ضمنهم يئير دلال ولبنى سلامة وركيفيت امسالم ويافا أبو شميس.

وتم وقف “القداس” مرتين للسماح بإلقاء مداخلات مؤثرة جدا: أغنية يهودية مبنية على سفر مراثي إرميا وتلحين للأذان الإسلامي، برفقة الناي. أحد المشاهدين، الذي كان يرتدي زيا مدنيا، هو رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي السابق بيني غانتس، الذي قاد القوات الإسرائيلية في غزة الصيف الماضي.

بادرت إلى هذا العرض اسنات بارتور، محاضرة للدراسات التوراتية في جامعة تل أبيب، خلال عملية الجرف الصامد في الصيف الماضي، ونجحت بإقناع المجلس الإقليمي شعاري هانيغيف – بالإضافة إلى موسيقيين متطوعين عرب ويهود – بالمشاركة. وتمت دعوة 21 ضيفا من غزة، ولكن حصل ثلاثة منهم فقط على تصريح دخول.

وقالت بارتور لتايمز أوف إسرائيل، “لقد تجاوزنا الشكوك، التشاؤم والخلاف”، مضيفة، “لا يتقبل الجميع أجندة الحداد المشترك على الإسرائيليين والفلسطينيين”.

عازف ناي بدوي يعزف خلال العرض (courtesy/Noam Ekhaus)

عازف ناي بدوي يعزف خلال العرض (courtesy/Noam Ekhaus)

وبالفعل، أثار هذا العرض غضب بعض الإسرائيليين سكان البلدات الجنوبية المجاورة لقطاع غزة.

الصحفي البيرت غاباي من سكان سديروت قال لموقع “واللا” الإسرائيلي، “من الوهم الإعتقاد أن هذا الحدث سيؤثر على مقاتلي حماس”.

بينما غضب آخرون، مثل الناقد الموسيقي في صحيفة هآرتس، نوعام بن زئيف، بسبب انعدام رسالة سياسية واضحة. “لا شيء سواء الحداد والأمل… الغناء من أجل السلام… إلى متى يمكن تكرير هذه الكليشيهات دون قول أي شيء؟ على الأرجح إلى ما لا نهاية”.

ولكن في الملعب في كفار عازا، لم يكن التشاؤم منتشرا.

“ألا يستحقون القداس؟” تساءلت شوفيت ميلامد، عاملة إجتماعية من هرتسليا. “خلال الحرب، نشرت صورا للأطفال الذين قتلوا في غزة كل يوم… أردت أن أظهر أنهم أيضا يعانون”.

وأصرت ميلامد أن الإعتراف بمعاناة الفلسطينيين لا ينقص من تعاطفها مع الإسرائيليين الذين خسروا أقربائهم، وقالت، “أنا أذكر أسماء جميع الجنود”.

وتناقشت ميلامد مع صديقتها رايا روزين من تل أبيب حول ما إذا كان باستطاعة سكان غزة سماع الموسيقى الصادرة من المراجعة الأخيرة على المنصة. وتفتخر الإثنتان بحضور حافلتين مليئتين من تل أبيب، بالرغم من التكاليف الباهظة.

رايا روزين (يسار) وشوفيت ميلامد يحضرن عرض موسيقي عنوانه ’من الحداد الى الأمل’ في مفار عازا، 4 يونيو 2015 (Elhanan Miller/Times of Israel)

رايا روزين (يسار) وشوفيت ميلامد يحضرن عرض موسيقي عنوانه ’من الحداد الى الأمل’ في مفار عازا، 4 يونيو 2015 (Elhanan Miller/Times of Israel)

وقالت روزين، “لا أعلم إن كان هذا سيساعد، ولكنني أدعم فكرة تحسن العلاقات”،وأضافت قائلة، “لدي الموسيقى في تل أبيب، ولكن الدمج بين الموسيقى وهذا المكان يحمل معنى”.

وكان أبو إبراهيم، من سكان مخيم جباليا، أحد الغزيين الثلاثة الذين حصلوا على تصريح دخول لحضور العرض.

وقال: “إكتفينا من الحروب والقتل؛ نريد العيش بسلام (…) لو كانت الأمور أسهل، كنت سترى آلاف الأشخاص [من غزة] الذين يطلبون الحضور”.

ايهاب بلحة من يافا (Elhanan Miller/Times of Israel)

ايهاب بلحة من يافا (Elhanan Miller/Times of Israel)

كعامل بناء في إسرائيل في سنوات التسعين، تعلم أبو إبراهيم اللغة العبرية، لغة تمكن من الحديث بها بالرغم من عدم استخدامها لسنوات. وتأمل أن يعبر الإسرائيليون عن رسالة عدم العنف تجاه غزة. “نحن نحب الحياة تماما مثلكم في إسرائيل”، كما قال.

مرتديا ملابس بيضاء فضفاضة، قال إيهاب بلحة، المتصوف من يافا ومدير جمعية تثقيف التعايش “بستان أبناء إبراهيم”، أن الحدث يمثل الوحدة بين أبناء الديانات المختلفة.

وقال أن “الله يريد أن نتقرب من بعضنا البعض، بغض النظر عن المكان الذي أتينا منه. لا يوجد لدي شك أن سكان غزة سيسمعون الموسيقى في قلوبهم، حتى لو لم يسمعوها بآذانهم”.