لم يشارك أي فلسطيني في المراسم التذكارية لضحايا الصراع  الإسرائيليي-الفلسطيني التي أقيمت في تل أبيب مساء الأحد، لتكون هذه أول مرة منذ البدء بتنظيم هذا الحدث منذ 12 عاما يتم فيها منع الفلسطينيين من الحضور، بما في ذلك خلال ذروة الإنتفاضة الثانية.

وكان من المفترض  أن يشارك 225 فلسطينيا في المراسم التي أقيمت في “قاعة مجموعة شلومو الرياضية”، والتي يتم تنظيمها كطقوس بديلة لأحداث “يوم الذكرى” التقليدية في إسرائيل، وتنظمها مجموعتي “مقاتلون من أجل السلام” و”منتدى العائلات الثكلى”، ولكن يوم الخميس رفض منسق أنشطة الحكومة في الأراضي التابع لوزارة الدفاع منح الفلسطينيين تصريحات دخول ليوم واحد.

في وقت سابق من هذا الشهر، قام فتى فلسطيني دخل إسرائيل بتصريح دخول ليوم واحد للمشاركة في “جولة السلام الطبيعي”، بمهاجمة أربعة أشخاص في فندق في تل أبيب بواسطة قاطع أسلاك، ما أدى إلى إصابتهم بجروح طفيفة.

بعد الهجوم، أعلن منسق أنشطة الحكومة في الأراضي عن إعادة النظر في إجراءات منح تصاريح الدخول ليوم واحد.

وجاء في بيان لمنسق أنشطة الحكومة في الأراضي شرح فيه قراره “على ضوء التغيرات في الظروف الأمنية وسوء إستخدام تصريحات الدخول الجماعية [قبل نحو أسبوعين]، قرر منسق أنشطة الحكومة في الأراضي أن هذه المرة لن يكون من الممكن إصدار التصاريح المطلوبة”.

القرار لاقى تنديدا من المنظمتين ومن عدد من أعضاء الكنيست في أحزاب اليسار. وجاء في بيان لـ”منتدى العائلات” إن “شركاءنا الفلسطينيين يحاولون غرس رسالة الأمل في مجتمع مليء باليأس. الدولة تزعم دائما أنه لا يوجد هناك من تتحدث معه، ولكن عندما تكون هناك فرصة لسماع الطرف الآخر، تقوم بسد أذنيها”.

دوف حنين، العضو في حزب “الجبهة” الشيوعي، وصف القرار بـ”المشين والسياسي”. أعضاء الكنيست عن حزب “ميرتس” زهافا غلئون وميخال روزين وعيساوي فريج نددوا هم أيضا بالقرار واعتبروا أن دوافع سياسية تقف وراءه.

رئيسة حزب "ميرتس" زهافا غلئون والنائبة في الكنيست ميخال روزين تشاركان في المراسم التذكارية لضحايا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في تل أبيب، 30 أبريل، 20017، في اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل يوم ذكرى القتلى من جنودها والمدنيين ضحايا الهجمات. (Tomer Neuberg/Flash90)

رئيسة حزب “ميرتس” زهافا غلئون والنائبة في الكنيست ميخال روزين تشاركان في المراسم التذكارية لضحايا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في تل أبيب، 30 أبريل، 20017، في اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل يوم ذكرى القتلى من جنودها والمدنيين ضحايا الهجمات. (Tomer Neuberg/Flash90)

ليلة الأحد ويوم الإثنين، تحيي إسرائيل “يوم الذكرى”، الذي يُعرف بالعبرية ب”يوم هازيخرون”، حيث تتذكر 23,544 من الجنود القتلى وآلاف ضحايا الإعتداءات. وتُسمع الصفارات مرتين خلال هذين اليومين، الأولى في الساعة الثامنة من مساء الأحد والثانية في الساعة 11:00 من صباح الإثنين. ليلة الإثنين، تتحول الإجواء في البلاد إلى أجواء فرح مع انطلاق الاحتفالات ب”يوم الإستقلال”.

آلاف المشاركين، عشرات المحتجين

شارك في المراسم التي أجريت في تل أبيب حوالي 4 آلاف شخص، الذين ملؤوا القاعة إلى حدها الأقصى، ما أجبر المنظمين على عدم السماح بدخول المزيد من الأشخاص.

بعد عدم تمكنهم من دخول إسرائيل، احتشد الفلسطينيون من الضفة الغربية، الذين خططوا للمشاركة في المراسم في تل أبيب، في بيت جالا، القريبة من مدينة بيت لحم، لمشاهدة المراسم على شاشة تلفزيون. الفلسطينيان اللذان كان من المقرر أن يتحدثا خلال الحدث نقلا كلمتيهما من خلال رسائل فيديو سُلجت مسبقا.

في حين أن غياب المشاركين الفلسطينيين فاجأ المنظمين، لكن الإعتراض على الحدث من قبل نشطاء اليمين الإسرائيلي لم يكن مفاجئا.

في الأيام التي سبقت الحدث، تعرضت صفحات المجموعتين على الفيسبوك لوابل من التهديدات، ما دفع المنظمين إلى تقديم شكوى لدى الشرطة.

ليلة الأحد، تظاهر العشرات من نشطاء اليمين خارج القاعة، واصفين المشاركين في الحدث بـ”النازيين” و”الخونة” و”عمليق”، العدو التقليدي للشعب اليهودي.

إسرائيليون يتظاهرون ضد المراسم التذكارية لضحايا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في تل أبيب، 30 أبريل، 20017، في اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل يوم ذكرى القتلى من جنودها والمدنيين ضحايا الهجمات. (Tomer Neuberg/Flash90)

إسرائيليون يتظاهرون ضد المراسم التذكارية لضحايا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في تل أبيب، 30 أبريل، 20017، في اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل يوم ذكرى القتلى من جنودها والمدنيين ضحايا الهجمات. (Tomer Neuberg/Flash90)

خلال فترات الهدوء في المراسم، كان بالإمكان سماع صوت المتظاهرين بسهولة في الجزء الخلفي من القاعة.

الشرطة اعتقلت متظاهرا واحدا على الأقل، في حين تم إبعاد البعض الآخر عن المنطقة.

ميطال عوفر، كانت أول من تحدث في الحدث. “وُلدت (عوفر) في عائلة ثكلى”، بعد أن قُتل عمها يتسحاق في حرب “يوم الغفران”، في 11 أكتوبر، 1973.

بعد 40 عاما بالضبط، في 11 أكتوبر، 2013، استيقظت عوفر لتجد أن والدتها اتصلت بها عدة مرات. “اتصلت بالبيت، وعبر الهاتف قالت أمي أسوأ أربع كلمات: لقد قتلوا والدك فجرا”.

نشطاء من اليمين الإسرائيلي يتظاهرون خارج المراسم التذكارية لضحايا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في تل أبيب، 30 أبريل، 20017، في اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل يوم ذكرى القتلى من جنودها والمدنيين ضحايا الهجمات. (Tomer Neuberg/Flash90)

نشطاء من اليمين الإسرائيلي يتظاهرون خارج المراسم التذكارية لضحايا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في تل أبيب، 30 أبريل، 20017، في اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل يوم ذكرى القتلى من جنودها والمدنيين ضحايا الهجمات. (Tomer Neuberg/Flash90)

والد عوفر سيرايا، عقيد سابق في الجيش الإسرائيلي، ضُرب بالهراوى حتى الموت من قبل مهاجمين فلسطينيين خارج منزله في غور الأردن.

خلال التحقيق معهما، قال القاتلين إن الجريمة كانت “مكافأة لأسرى حماس بمناسبة عيد الأضحى”، الذي بدأ في الليلة نفسها، كما روت عوفر.

وقالت، وعيناها تغمرها بالدموع في أضواء المسرح: “لقد قتلوه لأنه كان عقيد احتياط. قتلاه من دون أن يعرفاه على الإطلاق، من دون أن يعرفا أي شخص نادر هو، من دون أن يعرفا كم أحبه الناس، لقد كان فريدا في هذا العالم”.

بصوتها الآسر، قالت عوفر إنها تريد أن “تعد أطفالها بمستقبل في هذا المكان، مستقبل لحياة جيدة، مستقبل عيش مشترك. أرغب بإعطائهم الأمل، وليش كشعار، بل كشيء حقيقي”.

بعد عوفر، تحدث صيام نوارة عن ابنه نديم، الذي قُتل بعد إطلاق النار عليه خلال احتجاجات عنيفة بالقرب من رام الله في 2014. عنصر حرس الحدود الذي أطلق عليه النار استخدم ذخيرة حية بدلا من الرصاصات الأقل فتكا التي كان يجب أن يستخدمها بحسب التعليمات. شريط فيديو تم نشره بعد الحادث يظهر أنه تم إطلاق النار على الفتى بينما كان يقف على مسافة من الاحتجاجات ولم يشكل كما يبدو أي تهديد وشيك على وحدة حرس الحدود.

دمج لصورتين تظهران الشابان الفلسطينيان محمد أبو ضاهر (أعلى الصورة) ونديم نوارة (كلاهما 17 عاما)، ملقيان على الأض بعد تعرضهما لنيران أطلقها جنود إسرائيليين، 15 مايو، 2014. (AFP/Abbas Momani)

دمج لصورتين تظهران الشابان الفلسطينيان محمد أبو ضاهر (أعلى الصورة) ونديم نوارة (كلاهما 17 عاما)، ملقيان على الأض بعد تعرضهما لنيران أطلقها جنود إسرائيليين، 15 مايو، 2014. (AFP/Abbas Momani)

في شهر يناير، وافق شرطي حرس الحدود، بن ديري، على صفقة مع الإدعاء يعترف بموجبها بإستخدامه للذخيرة الحية، ولكن عن طريق الخطأ.

خلال التحقيق في الحادث، اضطرت العائلة، كما قال صيام، إلى إخراج رفات نديم.

وقال نوارة متحدثا بالعربية عبر رسالة فيديو: “صدقوني أن أصعب الأمور التي يقوم بها أب هي دفن ابنه. والأصعب من ذلك هو الحفر لإخراج ابنه بعد شهر من دفنه”.

وأضاف: “كان علي اختيار الإنتقام أو الغضب أو الكراهية، ولكن بعد تفكير عميق قررت اختيار طريق السلام، القانون، اللاعنف والتسامح”.

بعد عرض موسيقي للمغنية الإسرائيلية اليهودية أحينوعام نيني والمغنية العربية الإسرائيلية ميرا عوض، تحدثت الفلسطينية ماريان سعادة، من خلال رسالة فيديو أيضا، عن شقيقتها كريستين التي قُتلت بنيران الجيش الإسرائيلي في عام 2003 بسبب خطأ في تحديد هوية مركبتهما.

المغنيتين أحينوعام نيني (من اليسار) وميرا عوض خلال مراسم إحياء ذكرى ضحايا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في تل أبيب، 30 أبريل، 2017، في اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل يوم الذكرى للجنود القتلى، ( Tomer Neuberg/Flash9)

المغنيتين أحينوعام نيني (من اليسار) وميرا عوض خلال مراسم إحياء ذكرى ضحايا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في تل أبيب، 30 أبريل، 2017، في اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل يوم الذكرى للجنود القتلى، ( Tomer Neuberg/Flash9)

الجيش اعتقد أن مركبة عائلتها تابعة لمسؤول في حماس وقام بفتح النار، ما أسفر عن مقتل كريستين (12 عاما) وإصابة بقية أفراد العائلة، بمن فيهم ماريان.

وقال سعادة بالعربية ” على الرغم من إخفاق السياسيين، أنا آمل وأؤمن بقوة أن بإمكان الشعبين توجيه أنفسهما نحو نصر كامل، من خلال العيش المشترك والمساواة والعدل، حتى نتمكن من العيش بأمل وسلام”.

روني هيرشنسون، الذي ساعد في تأسيس “منتدى العائلات الثكلى” في عام 1995، تذكر مقتل ابنيه أمير وإلعاد.

في عام 1995، كان أمير جنديا لقي مصرعه هو وعشرون جنديا آخر ومدني واحد في هجوم انتحاري في بيت ليد.

بعد خمسة أعوام، انتحر ابنه إلعاد بعد مقتل صديقه الرقيب دافيد بيري في ما يعتبره البعض أول هجوم في الإنتفاضة الثانية.

وقال هيرشنسون: “القتل استمر لسبب بسيط واحد: لا يوجد هناك سلام”.

وأضاف: “في اليوم الذي سيكون بإمكاننا أن نثق ببعضنا البعض بشكل كامل، سيحل السلام علينا وعلى جيراننا”.

https://www.facebook.com/crackinthewall/videos/1712815478732014/

وختاما، الحدث لم يتضمن عزف النشيد الوطني الإسرائيلي – وهي الطريقة التقليدية التي يتم فيها اختتام أحداث كهذه – وبدلا من ذلك أنشدت جوقة يهودية-عربية مختلطة الأغنية اليهودية “حاد غاديا”، أو “ماعز واحد صغير”، وتنقلت بالتناوب بين بيوت باللغتين العبرية والعربية.

مثل أغنية الفولكلور الأمريكي “هناك حفرة في قاع البحر”، يتم بناء القصة في “حاد غاديا” مع كل بيت. هناك ماعز صغير، كما تقول الأغنية، اشتراه والدي بدينارين، أكله قط، الذي أكله كلب، الذي تم ضربه بعصا، التي احترقت بالنار، التي أطفأتها الماء، التي شربها الثور، الذي ذبحه الجزار، الذي قتله ملاك الموت، الذي قتله الله.
في بيت تمت إضافته للأغنية، تغني الجوقة النسائية: “مطارِد ومطارَد، ضارب ومضروب، متى سينتهي هذا الجنون؟ وما اللذي تغير هذا العام؟ أنا تغيرت هذا العام. لقد كنت مرة حملا وكنت طفلا هادئا، والآن أنا نمر وذئب مفترس. كنت مرة حمامة وكنت غزالا، والآن أنا لا أعرف ما أنا” .

“والدي اشترى بدينارين ماعز صغير، والآن سيبدأ كل شيء من جديد”.