أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية الإثنين بيانا صيغ بحذر حول انخراط إسرائيل مع الإئتلاف النمساوي الحاكم، الذي من بين الشركاء الكبار فيه حزب “الحرية” اليميني المتطرف.

وجاء في بيان وزارة الخارجية الإثنين أن الحكومة في القدس ستبقى على “اتصال مباشر” مع المستشار سيباستيان كورز لكنها ستقوم ب”مراجعة مهنية فيما يتعلق بالطريقة التي ستتعامل فيها إسرائيل مع الحكومة الجديدة”.

وأضاف البيان “في الوقت الحاضر ستبقى إسرائيل عل اتصال مع المستوى المهني للوزرات الحكومية التي يخدم فيها وزراء حزب الحرية. إن دولة إسرائيل تؤكد على التزامها بمحاربة السامية والحفاظ على ذكرى الهولوكوست”.

لكن الطبيعة المحددة لسياسة القدس في تعاملها مع الحزب، الذي يُعرف بالأحرف الأولى لاسمه باللغة الألمانية FPOe، لا تزال غامضة.

حزب “الحرية” اشتهر بكونه بيتا سياسيا للنازيين الجدد والمعادين للأجانب ولكن في السنوات الأخيرة بذل جهودا لإبعاد نفسه عن هذه المواقف، وتبنى أيضا مواقف مؤيدة لإسرائيل بشدة.

في نظر الدبلوماسيين الإسرائيليين، فإن مسألة ما إذا كانت إسرائيل ستقاطع أو تتعاون مع الحزب اليميني المتطرف تدخل في صميم ما يعنيه أن تكون دولة يهودية في عصر يشهد صعودا لليمين الشعبوي.

من جهة، تريد إسرائيل الوقوف بقوة ضد معاداة السامية ودعم اليهود المحليين، الذين يعارضون أي علاقة مع حزب “الحرية” – ليس فقط لماضيه المشكوك فيه ولكن أيضا بسب مزاعم بالعنصرية ومعاداة السامية خلال حملته الإنتخابية هذا العام.

من جهة أخرى، تُعتبر النمسا بلدا هاما في أوروبا وإسرائيل ترغب في الحفاظ على العلاقة الجيدة التي طورتها مع وزير خارجيتها السابق ومستشارها الجديد، سيباستيان كورز.

حزب “الحرية” هو أول حزب يميني متطرف يدخل حكومة أوروبية، لكن الأحزاب الشعبوية تواصل اكتساب القوة في جميع أنحاء القارة، وعلى القدس أن تقرر ما إذا كانت تريد مقاطعتها على أسس أيديولوجية أو تبني نهج السياسة الواقعية الذي يسعى إلى الدخول في شراكة مع كل من يعد بدعم إسرائيل.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يلتقي بوزير الخارجية النمساوي حينذاك سيباستيان كورز في القدس، 16 مايو، 2016. (Kobi Gideon/GPO)

تغيير حقيقي في المواقف؟

مسؤولون في وزارة الخارجية قالوا لتايمز أوف إسرائيل إن المقاطعة تشمل، في الوقت الحالي على الأقل، وزيرة الخارجية النمساوية الجديدة، كارين كنيسل، التي تم تعيينها من قبل حزب “الحرية” لكنها ليست عضوا فيه بشكل رسمي.

كنيسل، التي قضت سنوات عديدة في الشرق الأوسط وتتحدث العبرية والعربية بطلاقة، تصدرت عناوين الأخبار في إسرائيل بعد وصفها للصهيونية في بداياتها في أحد كتبها بأنها “أيديولوجية دم وأرض قائمة على القومية الألمانية”.

كارين كنيسل (Thomas Raggam / Wikipedia)

كنيسل، التي كتبت رسالتها الدكتوراه حول فكرة الحدود في الشرق الأوسط، اعتمدت في السنوات الأخيرة من خلال عملها كمحاضرة وكمتحدثة عامة موقفا متشددا تجاه الإسلام ومحتضنا كما يبدو للرواية الإسرائيلية بأنها جزيرة من الاستقرار في منطقة متوحشة ومضطربة.

ويبذل الإئتلاف الحكومي التي هي عضو رفيع فيه بكل تأكيد كل ما في وسعه للتحبب على المراقبين الإسرائيليين واليهود.

“برنامج الحكومة” الذي نشره حزب كورز وحزب “الحرية” بعد وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات الإئتلافية يشمل بوضوح “التزاما لإسرائيل كدولة يهودية مع هدف التوصل إلى حل الدولتين الذي سيسمح بوجود دولة إسرائيل في حدود آمنة دائمة ودولة فلسطينية قابلة للاستمرار”.

لم تعترف أي حكومة نمساوية من قبل بإسرائيل كدولة يهودية.

الوثيقة (باللغة الألمانية) تدعو أيضا إلى “حل سلمي في الشرق الأوسط، مع ايلاء اهتمام خاص لمصالح إسرائيل الأمنية”.

النص يعبر عن رفضه ل”الإسلام السياسي”، بدعوى أنه قد “يؤدي إلى التطرف ومعاداة السامية والعنف والإرهاب”. ويشير أيضا إلى النازية باعتبارها “إحدى أكبر المآسي في تاريخ العالم” ويعلن أن النمسا تعترف “بالتواطؤ والمسؤولية” عن هذه المأساة. ويتعهد الإئتلاف الجديد أيضا بإحياء ذكرى هؤلاء الذين مروا ب”معاناة وبؤس رهيبين” نتيجة عملية “أنشلوس”، التي تم ضم النمسا بموجبها بشكل سلمي لألمانيا النازية، وتبني موقف واضح ضد معاداة السامية.

في شهر يونيو، أعلن رئيس حزب الحرية، نائب المستشار الجديد هينز كريستيان ستراخيه، عن اعتزامه نقل السفارة النمساوية إلى القدس (لكنه أشار في وقت لاحق إلى أن فيينا لن تخرج عن الإجماع الأوروبي في هذا الشأن) وألمح إلى أن لإسرائيل الحق في توسيع مستوطناتها في الضفة الغربية كما ترتئي.

رسالة من زعيم اليمين المتطرف النمساوي هينز كريستيان ستراخيه إلى رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو في يونيو 2017.

بسبب مواقف كهذه يدعو البعض في اليمين الإسرائيلي الحكومة إلى إنهاء مقاطعتها للحزب. عضو الكنيست يهودا غليك، الذي التقى مع ستراخيه في وقت سابق من العام، قال الثلاثاء إن الإثنين ناقشا في الأيام الأخيرة كيفية التوصل إلى تطبيع محتمل بين إسرائيل وحزب النازيين الجدد سابقا.

ستراخية طلب من الحكومة الإسرائيلية تقديم قائمة مطالب، كما قال غليك للإذاعة الإسرائيلية، مشيرا إلى أن زعيم اليمين المتطرف سيكون سعيدا في تحقيق كل ما تتمناه القدس لإنشاء علاقة عمل بين الجانبين.

وقال غليك إن “مقاطعتهم بسبب ماضيهم هو مثل مقاطعة المسيحيين بسبب محاكم التفتيش”.

لكن هذا التغيير في مواقف حزب “الحرية” لا يثير انطباع الجالية اليهودية – في النمسا وأوروبا وحتى في الولايات المتحدة – والتي حذرت إسرائيل من إضفاء الشرعية على حزب ما زالوا يعتبرونه إشكاليا للغاية.

زعيم الجالية اليهودية في النمسا، أوسكار دويتش، كتب هذا الأسبوع في رسالة لوزارة الخارجية إن “السبب هو أن العديد من ممثلي حزب ’الحرية’، من ضمنهم السيد ستراخية، استخدموا مرارا وتكرارا، خلال إنتخابات 2017 أيضا، رموزا معادية للسامية، وخرجوا بتصريحات يمينية متطرفة وروجوا للكراهية والعنصرية”.

وأصدر كل من “المؤتمر اليهودي الأوروبي” و”مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية” و”المؤتمر اليهودي العالمي” بيانات مماثلة.

’ختم كوشير’ للنازيين الجدد؟

قرار إسرائيل الإنخراط مع الوزرات التي يترأسها ساسة من حزب “الحرية” على المستوى المهني فقط – وهو ما يرتقي إلى مقاطعة الحزب – هي محاولة لطمأنة مخاوف الجالية اليهودية.

ومع ذلك، سيقوم فريق العمل التابع لوزارة الخارجية، والذي يرأسه المدير العام للوزارة يوفال روتيم، بمراجعة هذه السياسة وقد يقوم بتعديلها في المستقبل. في تحديد مستوى انخراط القدس مع فيينا في المستقبل، سيكون على الدبلوماسيين النظر في عوامل كثيرة.

أحدها، هو رد الجالية اليهودية الذي سيكون بمثابة مؤشر. في حال سحب اليهود المحليون معارضتهم للتعاون مع وزراء حزب “الحرية” أو خففوا منها، فمن المرجح أن تحذو إسرائيل حذوهم.

وستراقب القدس عن كثب أيضا طريقة تعامل عواصم أخرى مع الحكومة النمساوية. عندما دخل حزب “الحرية” الحكومة في عام 1999، بادرت عدة دول أوروبية إلى خفض مستوى علاقاتها مع فيينا.

وبالنظر إلى أن أوروبا قد تغيرت، مع اكتساب الأحزاب الشعبوية لمزيد من القوة في كل مكان، يناقش الدبلوماسيون الإسرائيليون منذ أسابيع كيفية التعامل مع الحكومة النمساوية. البعض جادل بشدة أن على الدولة اليهودية وضع الاعتبارات الأخلاقية فوق أي اعتبار آخر ولا يجب أن يُنظر إليها على أنها تقوم بإضفاء الشرعية على حزب يُتهم بانتماءات معادية للسامية وعنصرية.

هذه المدرسة الفكرية ترى أن العالم يرى بإسرائيل مقياسا لمعاداة السامية، وأن حزب “الحرية” يغازل القدس لأنه يدرك أن “ختم كوشير” من الدولة اليهودية سيساعده على قطع شوط طويل في التخلص من سمعته الإشكالية. وبالتالي على إسرائيل مقاومة الإغراء المتمثل في مواقف الحزب المؤيدة لإسرائيل والاستمرار في مقاطعته، كما يصر هؤلاء.

متظاهرون مناهضون للفاشية يتظاهرون من أمام مبنى البرلمان النمساوي ضد حزب اليمين المتطرف ’الحرية’ في 9 نوفمبر، 2017، في فيينا. (AFP Photo/Joe Klamar)

آخرون يرون أن الحكومة تدين لمواطنيها بالقيام بكل ما هو ضروري لخدمة المصالح الإسرائيلية، حتى لو تتطلب ذلك مضافرة القوى مع أحزاب تتبنى مواقف لا تعجب الجالية اليهودية. علاقة جيدة مع فيينا يمكنها أن تساعد إسرائيل في الإتحاد الأوروبي، حيث يمكن لكل صوت هناك أن يحدث فارقا، كما يعتقد مؤيدو تشكيل علاقات مع حزب “الحرية”.

في النهاية، يتوقف الأمر على رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو – الذي يشغل أيضا منصب وزير الخارجية – لتحديد مدى علاقة إسرائيل بالحكومة النمساوية الجديدة.

مع زيارته المثيرة للجدل إلى بودابست في شهر يوليو، التي احتضن فيها رئيس الوزراء فيكتور أوربان، والذي يتهمه اليهود المحليون باستخدام آراء نمطية معادية للسامية، أظهر نتنياهو أنه لا يمانع في وضع العلاقات القوية مع القادة السياسيين قبل رغبات الجالية اليهودية. ولكن حتى الآن، لم تقع إسرائيل في الفخ.