حمل هذا الأسبوع معه عجائب جديدة من الشرق الأوسط الجديد والغير متوقع أبدًا.

فقط قبل بضعة أشهر، حكم مصر نظام إسلامي معاد لإسرائيل. وفي غمضة عين، استولت مجموعة من الضباط على السلطة – مع الدعم الشعبي – وتمكنت من تمرير الدستور الجديد من خلال استفتاء، وأصبحت أقرب حلفاء إسرائيل في المنطقة.

في الصيف الماضي، كانت الحرب الأهلية السورية على وشك الانتهاء مع عملية أميركية واللتي لم تكن لتترك الكثير من نظام الأسد وراءها. اما الآن يقف الجيش السوري ثابتًا، وكذلك الرئيس، إلا انه يفقد أسلحته الكيميائية اما المعارضة فتنهار ببطء، تاركةُ وراءها فراغا ضخمًا للجماعات الجهادية العالمية المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي تسارع لملء الفراغ. في الأسبوع الماضي وحده، توفي 700 شخص في الاقتتال بين مختلف فصائل المعارضة، مما جعل الكثير من السوريين أن يشتاقوا للأيام الهادئة قبل الحرب الأهلية.

في الوقت نفسه، بينما لا يزال حزب الله في لبنان عدوا لدودا لإسرائيل، يجد الاثنان نفسهما في مواجهة عدو المشترك ألا وهو الإسلام السني المتطرف. قتل ثلاثة لبنانيين يوم الخميس في انفجار سيارة مفخخة بالقرب من مبنى حكومي في مدينة الهرمل على الحدود السورية اللبنانية. في نفس الاسبوع، أعلنت كتائب عبد الله عزام الناشطة في لبنان، والمرتبطة بتنظيم القاعدة، مسؤوليتها عن الهجومين الانتحاريين الأخيرين في بيروت – في الضاحية وفي السفارة الإيرانية. وتعهدت المجموعة، التي توفي زعيمها ماجد المجيد قبل أسبوعين في ظروف غامضة خلال احتجازه في مستشفى في لبنان، على الاستمرار في طريق قائدها: “سنضرب إيران وحزبها [ حزب الله ] واليهود العدوانيين لحماية أهل السنة”.

هذه ليست مجرد شعارات فارغة. فقد حصلت قوات الأمن الإسرائيلية على أدلة صريحة تشير إلى محاولات من جانب أعضاء الجماعات الجهادية العالمية في لبنان لمهاجمة أهداف لحزب الله وإسرائيل، ومحاولة لخلق توترات جديدة بين البلدين. على سبيل المثال، تلقى نشطاء من السنيين المتطرفة، في المجموعة التي تطلق على نفسها اسم زياد الجراح، الأسلحة من أعضاء تنظيم القاعدة في سوريا والتي كانت معدة للاستخدام ضد حزب الله. كما وأطلقت بعض الصواريخ بالفعل على الضاحية الجنوبية، معقل حزب الله، اما في شهر أغسطس أطلقت بقية الصواريخ على نهاريا في شمال إسرائيل.

يرتكز الجزء الأكبر لأنشطة الجهات الجهادية العالمية في الوقت الراهن، على الأقل، على حزب الله. ولكن ليس من المستبعد أن يحاول أعضاء من هذه الجماعات في المستقبل من تصعيد قتالهم ضد إسرائيل، من أجل مواصلة رفع حدة التوتر بين إسرائيل وحزب الله، وحتى القيام بسحب الجانبين الى صراع عسكري لا يريده أي طرف منهما.

تحديات متعددة امام حزب الله

التحديات التي تواجه حزب الله وزعيمه الشيخ حسن نصر الله في هذه الأيام كثيرة ومعقدة. فالحزب متورط في حرب في سوريا، ويقاتل إلى جانب قوات الرئيس بشار الأسد. بالإضافة إلى ذلك، فهو يسعى باستمرار لتعزيز قدراته العسكرية لصراع آخر مع إسرائيل، كما وعليه مواجهة خطر إرهابي متزايد يواجهه داخل لبنان.

وكأن كل هذه المشاكل لا تكفي، فقد افتتحت الخميس محاكمة المتهمين بقتل رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق، في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وجميع المشتبه بهم ناشطون في حزب الله.

نظريًا، لدى حزب الله القوة العسكرية الكافية للسيطرة على لبنان بالقوة. ولكن كما يبدو في الواقع الجديد في العراق، المكان الذي يقوم فيه الإرهابيون السنسيين بمهاجمة الشيعة كل يوم تقريبًا، فمن الواضح أن الاستيلاء على السلطة قد لا يكون خطوة ذكية حاليًا.

في غضون ذلك، فإن الأشخاص الذين يعانون من سياسات حزب الله في سوريا هم في المقام الأول أنصار الحزب، الشيعة اللبنانييون، الذين استيقظوا في صباح يوم مشمس إلى واقع جديد، ليجدون أنفسهم أهدافا للهجمات الانتحارية وإطلاق الصواريخ.

كما وانتشرت في الآونة الأخيرة إشاعة كاذبة بأن سبعة سيارات مفخخة كانت متجهة الى الشارع الرئيسي في الضاحية – على اسم هادي نصر الله، نجل حسن نصر الله – وإلى المسجد الرئيسي في حي الحدث. وانتشرت شائعات في اليوم الذي سبقه عن انفجار سيارة مفخخة في حي المريجة، وهو حي في الضاحية. بالاضافة الى الاشاعات على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، مع تفصيل لأنواع السيارات وحتى لأرقام لوحة ترخيص. وقد تبين ان جميع هذه الاشاعات كاذبة، ولكن كان ذلك كافيًا لإفزاع السكان المذعورين الذين اغلقوا متاجرهم وتركوا الشوارع خاليه.

Hezbollah flag flies in Lebanon (photo credit: CC Upyernoz/Wikipedia)

علم حزب الله يتطاير في لبنان (ويكيبيديا)

حفريات على طول الحدود الإسرائيلية

اما في الجانب الإسرائيلي من الحدود، حتى من دون وجود العيون المختصة، كان بالإمكان رؤية امرأة تمشي بالقرب من القرية شيعية مارون الراس. كانت المرأة في طريقها من القرية إلى قبر لشيخ على المنحدرات التي تلامس الحدود الإسرائيلية تقريبا. ويقال ان قبر الشيخ لديه قوى خارقة تساعد النساء العاقرات.

اندلعت في هذه القرية أول معركة برية رئيسية في حرب لبنان الثانية 2006. قتل خلال هذه المعركة خمسة جنود من وحدة ’إيجوز’ في الجيش الإسرائيلي. منذ ذلك الحين، تم منع حزب الله من التواجد المنطقة بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. ولكن يتواجد مقاتلوه في مارون الراس على الرغم من ذلك، وكذلك في قرى أخرى في أنحاء جنوب لبنان.

من الجانب الإسرائيلي، أيضا، من الصعب أن تفوت رؤية القبة الذهبية في القرية – نموذج لقبة الصخرة، التي بنيت بالمال الإيراني كجزء من “متحف المقاومة” لإحياء ذكرى الحرب – من وجهة نظر حزب الله ، بطبيعة الحال. حتى منذ وقت ليس ببعيد، حلق علم إيراني كبير هناك. ولكن تسببت اتهامات متزايد من قبل بعض أجزاء من الجمهور اللبناني بأن حزب الله أصبح عميلا إيرانيا بإنزال العلم.

بالإمكان رؤية ن ثلاثة أبراج كذلك، مع الجسور التي تربط بينها، ونفق طويل حيث يمكن للزوار رؤية بقايا المعدات التي خلفها الجيش الإسرائيلي وراءه. يعرض المتحف، من بين الأشياء التي يعرضها، دبابة ’ميركافا’ التي أستهدفت وتُركت في لبنان.

لا يتجول نشطاء حزب الله بالزي الرسمي وبشكل منظم، ولكن وجودهم واضح لقوات الجيش الإسرائيلي على الحدود. يعرف الإسرائيليون المركبات التي تنقلهم، وعندما يصل “طاقم تلفزيون” إلى المنطقة ولا يتصرف كطاقم التلفزيوني، فمن الواضح من هم. في أكثر من مناسبة واحدة، ارتدى نشطاء حزب الله ملابس رعاة. ولكن عندما قام “الرعاة” الثلاثة بالتحرك حول 15-20 غنمة فقط ، ودون الكثير من النجاح في السيطرة عليهم، فقد قاموا بكشف أنفسهم تقريبًا.

عند السياج الحدودي علق أعضاء حزب الله لافتة معدنية تضم صورا لستة لبنانيين قتلوا في يوم النكبة – عندما قام فلسطينيون وأنصارهم بإحياء مناسبة كارثة إنشاء إسرائيل – قبل عام ونصف العام. تظهر على اللفتة هذه العبارة: “عائدون بالتأكيد،” وهي مكتوبة بلغة عبرية ضعيفة. في يوم النكبة في السنة الماضية، نجحت قوات الجيش اللبناني المنتشرة في المنطقة المحتجين من الوصول إلى الحدود، وبإحباط مظاهرة مشتركة خُطط لها مع مجموعة من العرب الإسرائيليين.

بالإمكان أيضًا سماع نداء المؤذن إسرائيل أيضا وهو يدعو المؤمنين إلى حصة خاصة عن النبي محمد بعد صلاة العشاء.

لا يزال حزب الله يتمتع بدعم كبير للأنشطة التي يقوم بها لسكان المحليين، لكنه لم يعد شعبيًا كما كان الحال بعد حرب عام 2006. هناك ثمن للحرب التي يشنها في سوريا ، وذلك لا يقتصر على الجثث فقط. فقد أصبح حزب الله غير مرغوب فيه في بعض القرى غير الشيعية. وطُرد أعضائه من القرية السنية مرواحين.

لا تشكل المرارة التي سببها مشاركته في الحرب الأهلية السورية خطرا على المنظمة، ولكنها أيضا لا تقتصر على القرى السنية فقط. مؤخرًا سُمعت صرخات تنديد ضد الحزب في جنازة لأحد مقاتلي الحزب الذي قُتل في سوريا في مدينة بنت جبيل الشيعية.

قُتل حتى الآن نحو 300 من مقاتلي حزب الله في سوريا، ما يقارب نصف المقاتلين السبعمئة الذين لقوا حتفهم في حرب لبنان الثانية.

في هذه الأثناء، يقوم حزب بالاستعداد. فعلى الرغم من عدد الضحايا في سوريا، وعلى الرغم من الموارد الذي يتطلبها صراعه إسرائيل تتطلب، وعلى الرغم من تدهور مكانته في العالم العربي بشكل عام وفي لبنان على وجه الخصوص، فإن الحزب لا يظهر أية علامات للتراجع .

فقد قام الحزب بإرسال ثلث قواته للمقاتلة لسوريا، في حين يستمر أكثر من الثلث للتحضير لجولة أخرى من القتال ضد الجيش الإسرائيلي.

لا يحاول الحزب محاولة إخفاء الحفريات الضخمة الجارية في البلدات و القرى الشيعية في الجنوب، حيث يقوم بتخزين آلاف الصواريخ – تحدثت التقديرات الإسرائيلية الأخيرة الحديث عن 100000 صاروخ في أيدي حزب الله – وهو ربما يحاول حفر نفق لاستخدامه لهجوم داخل إسرائيل . تقوم الجرافات و المعدات الهندسية الثقيلة بالعمل لساعات إضافية في القرى الشيعية ، ويعرض الحزب إمكانية بناء ملاجئ داخل منازل السكان ، وذلك ، من بين أسباب أخرى، لإقناعهم بالبقاء بدلا من الفرار عند اندلاع النزاع المقبل. هذه الجهود الهندسية واضحة لمؤسسة الدفاع الإسرائيلية التي تراقب الوضع، و التقدير الحالي هو أن جزءا رئيسيا من القتال في الحرب القادمة سوف يكون في المناطق المبنية ، وليس في “محميات طبيعية “، كما كان الحال في عام 2006.

اما بالنسبة لإسرائيل، فلا يقتصر تهديد حزب الله على مجرد “الحرب القادمة”. وعد قام به أحد الناطقين باسم الحزب، إبراهيم الأمين، مؤخرًا بالانتقام من دم قائده حسن اللقيس، والذي قُتل في بيروت الشهر الماضي – ويتهم حزب الله إسرائيل بقتله – لا يعتبر تهديدا فارغا. “ننتظر ونرى”، كما كتب الأمين، “أتوقع الدم على الحدود الجنوبية”.

مما لا شك فيه أن هناك شخصيات بارزة تقوم بالضغط على الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله للرد على عملية الاغتيال لردع إسرائيل من القيام بأعمال مماثلة.

وقال نصر الله في إحدى خطبه الأخيرة أن حزب الله “لديه درجة القديمة والجديدة، والمتجددة للتعامل” مع إسرائيل. من الممكن أنه لا يسعى لمواجهة واسعة مع الجيش الإسرائيلي في الوقت الحاضر، ولكن هذا لا يعني ان الحزب لن يحاول القيام بهجمات محدودة – من النوع الذي يمكن أن يضر بشدة إسرائيل دون أن يؤدي إلى الحرب.