تحكي الصور التي ينشرها من حين إلى آخر حزب الله من ميدان القتال في سوريا، الكثير عما يحدث هناك في الأشهر الأخيرة. فعلى سبيل المثال، في بعض الصور، يظهر مقاتلو حزب الله مرتكين على دبابات الجيش الروسي. وفعلا، منذ انطلاق العمليات العسكرية الروسية علنا في انحاء سوريا، يتضح أن مقاتلي التنظيم الشيعي اللبناني لا يتصورون مع الدبابات الروسية فقط، بل أيضا ينكشفون إلى أساليب القتال الروسية، اسلحة متطورة جدا، تكنولوجيات حديثة. وحتى في بعض الأماكن، يقومون بالقتال الى جانب القوات الخاصة التي تعمل في الأراضي اللبنانية.

وحزب الله ليس وحيدا. قوات الحرس الثوري الإيراني الذين يعملون في الأراضي السورية وجزء من المليشات الشيعية الآتية من الخارج أيضا قاتلوا الى جانب الجنود الروس في أكثر من معركة واحدة. وبما يتعلق بحزب الله، لا شك أن على هذا التطور إثارة العديد من المخاوف في الطرف الإسرائيلي. وبينما تواجه المنظمة المزيد من الضربات العسكرية كل يوم، الا أنها بالمقابل تحصل على قدرات عسكرية من الأكثر تقدما في منطقتنا.

الجملة التالية قد تلخص ما حصل لحزب الله في العقد الأخير منذ انتهاء حرب لبنان: من تنظيم يعمل بصورة ساكنة نسبيا ضد اسرائيل، تحول حزب الله تقريبا الى جيش عادي. يمكنه توفير الخدمات اللوجستية في مناطق واسعة، ومن ضمن ذلك لجان رعاية لجنوده في انحاء سوريا تتنقل بين الوحدات المقاتلة المختلفة وتضمن سلامة مقاتلي حزب الله وسكان القرى الشيعية في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة المنظمة. المنظمة تقوم أيضا بتشغيل مدفعية وصواريخ خلال القتال ومجموعة كاملة من الطائرات بدون طيار وقتال ضد دبابات وبالطبع عمليات غزو واحتلال برية.

لكن تركيزها أيضا تغير في السنوات الأخيرة حيث تركز المنظمة على هدف مركزي في هذه الأيام: الحرب الأهلية في سوريا. هذا هو الموضوع المركزي بالنسبة لها ومهام الذراع العسكري يتم تحديدها أولا وقبل كل شيء بحسب الإحتياجات من سوريا: بناء قوة وتعزيز الأسلحة والتخطيط العسكري. وفي إطار تحديد المهام، سوريا في المقام الأول وبعد ذلك فقط مواجهة مستقبلية مع إسرائيل.

بالنسبة لحزب الله يدور الحديث عن حرب دامية، وكذلك الأمر لبقية الأطراف الفاعلة في هذه الحرب، بما في ذلك إيران. وهنا يُطرح سؤال التكلفة والجدوى. الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، أقر بنفسه خلال كلمة ألقاها يوم الثلاثاء بأنه في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، فقد حزب الله 26 من مقاتليه في المعارك في منطقة حلب، المتمردون أسروا مقاتلا آخر ينتمي للمنظمة بالإضافة إلى مقاتل مفقود. تجدر الإشارة إلى أن حصيلة الخسائر ليست مفاجئة (الإعتراف بها فقط). في كل أسبوع تقريبا تفقد المنظمة الشيعية المزيد والمزيد من المقاتلين على الأراضي السورية وفي تقدير متحفظ يقف عدد الخسائر حتى الآن على ما بين 1500-1600 قتيل و5000-6000 جريح، ويعني ذلك ثلث العدد الكلي لمقاتلي حزب الله. من هذه الناحية يشبه نصر الله مقامر يدخل إلى كازينو في لا فيغاس ويبدأ بالخسارة. ولكن بدلا من أن يتوقف عن المقامرة والإنسحاب من “الكازينو” السوري بينما لا تزال ثروته بين يديه، يقرر في كل مرة مضاعفة قيمة المراهنات وفي مرات كثيرة يخسر.

وحقق حزب الله بعض النجاحات أيضا. المعارك التي خاضها حزب الله في العام الماضي على الحدود السورية-اللبنانية، في سلسلة جبال القلمون، أتت بثمارها. نجحت المنظمة بالسيطرة على جبهة معقدة وخطيرة استخدمها مقاتلو داعش لتهريب إنتحاريين ومتفجرات إلى لبنان. ومنذ هذه العملية في القلمون، انخفض عدد الهجمات الإنتحارية ضد أهداف لحزب الله في لبنان بشكل كبير.

لكن في المقابل سُجلت أيضا إخفاقات عسكرية وبالأخص عدم وجود حسم للمعارك. في منطقة دمشق وفي حمص وحلب طبعا، وحتى في هضبة الجولان السورية لم يتمكن حزب الله من حسم القتال بصورة يمنع من خلالها مقاتلي “داعش” و”جبهة النصرة” و”جيش الفتح” وغيرهم من العودة لمهاجمة قواته مجددا. حلب هي مثال واضح على قيود حزب الله العسكرية، حيث حقق “جيش الفتح” (الذي يضم عددا من منظمات المعارضة) في الأيام الأخيرة إنجازات كبيرة في القتال ضد مقاتلي المنظمة اللبنانية.

الخسائر والإصابات ليست بالمشكلة الوحيدة التي يواجهها نصر الله. التكلفلة الإقتصادية للقتال في سوريا كبيرة، وحتى كبيرة جدا وليس فقط بسبب تكلفة تشغيل جيش في سوريا مع المنظومة اللوجستية اللازمة للقيام بذلك. على سبيل المثال، كل عائلة قُتل أحد أبنائها أو أصيب، تحصل على مساعدة من حزب الله وفاتورة إنفاقات المنظمة آخذة بالإزدياد. وهذا في الوقت الذي يرفض فيه جزء من المصارف في لبنان في الأسابيع الأخيرة ربط أسمائهم بأي نشاط مالي مرتبط بالمنظمة، في أعقاب قانون العقوبات الأمريكي.

في خطابه الأخير حاول نصر الله الإدعاء بأن العقوبات الأمريكية لا تضر بالمنظمة. ولكن هذه المرة لم يكن الأمين العام لحزب الله دقيقا. جزء من المنظومة الإقتصادية لحزب الله تُدار بالفعل مباشرة مع إيران، ولكن أجزاء كبيرة منها تُدار بواسطة مصارف لبنانية.