لا أحد يعلم ما إذا كانت هذه الموجة الغير مسبوقة من حوادث “الطعن الإنتحارية” الفلسطينية المرفقة بتصعيد مألوف في المواجهات في الضفة الغربية وإطلاق صواريخ من غزة وغارات إسرائيلية وإحتجاجات للعرب في إسرائيل، وعنف اليمين المتطرف اليهودي والمزيد من هذه الأشياء المروعة قد تشكل بداية جولة أخرى وطويلة من الصراع.

لكن الدلائل لا تبشر خيرا. هذه حرب سكاكين وُلدت من رحم تعصب شديد وهستيري. وعدم الجدوى من سفك المزيد من الدماء- وهو أكثر ما يبعث على الإكتئاب والإشتمئزاز – من الواضح أنه لا يشكل رادعا.

هذا الإنفجار الحالي للوضع ينبع من الإدعاء الكاذب بأن إسرائيل ستسمح لليهود بالصلاة في الحرم القدسي ، و/أو تغيير السياسات التي حافظت عليها إسرائيل في أكثر المواقع المقدسة إضطرابا في العالم. تم نشر هذه الكذبة بدأت من قبل أعداء مثل حماس وفتح والجناج الشمالي المتطرف للحركة الإسلامية في إسرائيل، في المساجد ومواقع التواصل الإجتماعي، وتعزيزها على يد سياسيين عرب لا يتحلون بالمسؤولية في إسرائيل، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (الذي استغل منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة لإتهام إسرائيل بإرسال “المتطرفين” إلى المسجد الأقصى) والقادة الإسرائيليين اليهود من اليمين الذين يؤكدون بشكل مضلل يساهم في تأجيج الأوضاع بأن حكومة نتنياهو تدرس سياسات جديدة.

بالنسبة لنتنياهو، كان عليه العمل بشكل أسرع لمنع أعضاء الكنيست من القيام بزيارات إستفزازية للحرم القدسي، والنأي بنفسه وبحكومته بصورة حازمة أكثر عن حديث اليمين عن تغيير محتمل لـ”وضع راهن” مستمر منذ 5 عقود. عندما يقوم وزير إسرائيلي بإختراق الحظر على صلاة اليهود خلال زيارة مصورة إلى الموقع – تقدم خطوة إلى الأمام يا أوري أريئيل (البيت اليهودي) – فإن العالم الإسلامي بكامله يراقب ذلك.

كما نشهد في الوقت الراهن – كل بضعة ساعات في الأيام الأخيرة – يقتنع شاب فلسطيني سريع التأثر بأن إلهه يأمره بالقتل، وإذا كانت هناك حاجة بالموت، لـ”حماية الأقصى”. الكلمات تأجج أعمال القتل في آخر تكرار للصراع؛ هناك حاجة ماسة الآن لكلمات أخرى – كلمات صادقة وحكيمة وحساسة، من قادة أصحاب مسؤولية – للمساعد في البدء في عملية محاولة لتخفيف التوتر.

لا يحدث كثيرا أن أشعر بضرورة الإشادة بتصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ولكنه وضع أصبعه على الجرح في نهاية هذا الأسبوع مع تشديده على أهمية الحفاظ على الوضع الراهن في الحرم الشريف”قولا وفعلا”.

خوف متواصل

لم يصل الوضع بعد إلى نقطة اللاعودة، ولكننا بكل تأكيد على منحدر زلق. الفسيفساء الهشة لحياتنا اليومية في هذه الأجزاء بدأت بالتصدع. نحن اليهود والمسلمون نعيش في اتصال دائم. واتصال عادي، في هذه الأيام، يشكل مصدرا للخوف.

رحلتي إلى العمل تبدأ من مكان لا يبعد عن قريتين فلسطينيتين تقعان داخل حدود بلدية القدس حيث أصبحت هجمات إلقاء الزجاجات الحارقة والحجارة أمرا متكررا في الآونة الأخيرة. اضطر للمرور من أبو طور، وهو حي مختلط ينتشر فيه التوتر في الوقت الحالي، حيث قُتل شاب فلسطيني في الأسبوع الماضي بينما كان يقوم بإلقاء زجاجاة حارقة على قوات إسرائيلية خلال تظاهرة. على مقربة منه “بركة السلطان”، حيث حقيقة أن حفلة في الهواء الطلق لمغني الراب الحاريدي سابقا، متيسياهو، مرت من دون حوادث إرهابية يوم السبت كانت سببا للإحتفال. على بعد عشر دقائق سيرا على الأقدام من مكتبي تقع البلده القديمة، حيث وصل التهديد بالطعن إلى مستويات جديدة اضطرت الشرطة إلى وضع أجهزة كشف معادن في عدد من المداخل لتوفير راحة نفسية؛ عمليا بالطبع لا توجد قيمة كبيرة لهذه الأجهزه: تتم مهاجمة اليهود في الوقت الحالي بالسكاكين ومفكات للبراغي ومقصات، المتواجدة كلها وبكثرة في المحال التجارية والمنازل في البلدة القديمة – على ما يُفترض بأنه الجانب “الآمن” من أجهزة كشف المعادن – كما هو الحال في كل حي آخر. وبالمثل، حراس الأمن في مراكز التسوق يقومون بفحص حقيبة وملابس كل شخص بحذر أكثر الآن – وهو أمر جدير بالثناء نظريا، إلا أن إنتظار الإسرائيليين في الصف للخضوع لتفتيشات أمنية يجعل منهم هدفا حساسا أكثر.

في أكتوبر 2015 في إسرائيل التي تخشى هجمات الطعن، يجتاز اليهود إلى الطرف الآخر من الشارع لتجنب العرب، وكذلك العرب يجتازون إلى الطرف الآخر من الشارع لتجنب اليهود. وإليكم هذه المفارقة: أكثر مزيج مشاة آمن في هذه الأيام قد يكون حيث يسير اليهود والعرب جنبا إلى جنب.

فرصة عباس الأخيرة

في جذور هذا الإنزلاق الجديد والمرير ،والذي قد تكون له عواقب وخيمة، نحو سفك الدماء يقف صدام الروايات – وعلى القادة أصحاب المسؤولية دخول ميدان المعركة هذا على وجه السرعة.

أكثر الشخصيات المخيبة للآمال، في هذا السياق، وأكثر رجل يمكنه أن يساعد في التخفيف من ألهبة النار هو عباس. في حين أنه لم يقم بالتشجيع على الإرهاب بشكل مباشر، يبدو أن عباس يتحول بشكل سريع إلى سلفه غير المأسوف عليه. في حين أن ياسر عرفات أكد لشعبه أنه لم يكن هناك هيكلين يهودييين في القدس وبالتالي لا توجد هناك شرعية تاريخية للدولة اليهودية الحديثة، فإن عباس يقوم الآن بفك وجود الإرتباط اليهودي بجبل الهيكل ويتعهد بأن العلم الفلسطيني سيرفرف “فوق جميع جدران القدس”. حتى مع تأكيده على معارضته للعنف، فقد ساهم في إستثمار الكذبة حول التهديدات على الأقصى؛ لأشهر، سمح لمناصريه من حركة فتح بالتشجيع على عمليات الدهس وهجمات أخرى للدفاع المزعوم عن المسجد؛ يواصل وبإستمرار جس نبض تسويات مصالحة مع القتلة الإسلاميين من حماس؛ يغض الطرف متعمدا عن تدنيس الأقصى على يد مثيري شغب فلسطينيين الذين يدخلون الأسلحة إلى داخله ويستخدمونه كقاعدة عسكرية لمواجهات عنيفة مع القوات الإسرائيلية.

المدافعون عنه سيقولون أننا سنشتاق إليه عندما يذهب، وأن خليفته سيكون بشكل شبه مؤكد أكثر تطرفا. ولكن كما هي الأمور عليه حاليا، فإن عباس لن يترك وراءه سوى الفشل – لشعبه ولشعبنا: إسرائيل، بغض النظر على أنه يجب عليها الإنفصال عن الفلسطينيين للحفاظ على طابعها اليهودي وديمقراطيتها وروحها، لا يمكنها أن تسمح لنفسها بوضع السيادة الشرعية بين يدي أمة فلسطينية لا تظهر إستعدادا حقيقا للعيش جنبا إلى جنب ما تعترف بأنها دولة يهودية متجددة وشرعية وذات جذور. وعباس، في سعيه لإقامة دولة، إختار وبروح إنهزامية تجاهل هذه الحقيقة الحرجة. حتى يستوعب الفلسطيينون حق إسرائيل بالوجود هنا – هنا، من بين كل الأماكن – فإن سعيهم من أجل الإستقلال محكوم عليه بالفناء.

هناك جانب شبه سريالي لإندلاع موجة العنف الحالية بالتحديد: أُقحمت إسرائيل في حرب مع الإرهاب بسبب زعم كاذب بأنها تنوي السماح لليهود بالصلاة في أكثر المواقع قدسية لليهود. وهذا يطرح السؤال لماذا لا ينغي على إسرائيل السماح بصلاة اليهود في أكثر المواقع قدسية لليهود، والتي تم السيطرة عليه وتحريره وسط تدفق كبير للعاطفة اليهودية في حرب عام 1967.

الإجابة؟ بالإستفادة من إجماع حاخامي ديني يهودي يحرم على اليهود أن تطأ أقدامهم الحرم القدسي خوفا من تدنيس موقع قدس الأقداس، قام وزير الدفاع الإسرائيلي قبل 48 عاما، موشيه ديان، بإتخاذ قرار برغماتي بعدم بسط السيادة اليهودية المتجددة على جيل الهيكل بالكامل، وبالتالي عدم المخاطرة بمواجهة دينية مع العالم الإسلامي. بدلا من ذلك، إختارت إسرائيل منع الصلاة اليهودية هناك والسماح لسلطة الوقف التي تديرها الأردن بإدراة المواقع المقدسة الإسلامية. من الواضح أنه تم إساءة فهم وتفسير هذا الإمتناع الإسرائيلي من قبل الكثير من الفلسطينيين الذين رأوا بذلك دليلا على أنه لا يوجد للدولة اليهودية رابط حقيقي مع جبل الهيكل. وأن هذا الإمتناع الإسرائيلي يُكافأ الآن بالعنف.

تماما كما ينبغي على إسرائيل الإعتراف بالرابط الإسلامي بالحرم الشريف وإحترامه – كما أثبتت سياساتها منذ عام 1967 – كذلك على الفلسطينيين أيضا الإعتراف بالرابط اليهودي بجبل الهيكل وإحترامه. فشل عرفات بفعل ذلك بكل تأكيد. ولدى عباس الآن ما قد تكون الفرصة الأخيرة للقيام بذلك.

لن يصغي إليه الجميع، ولكنه يبقى شخصية ذات مصداقية وإعتدال نسبيا. والتخفيف من التوتر لهذه الجولة من الصراع يهم المصالح الفلسطينية تماما كما يهم الإسرائيليين.

لن تكون هناك دولة فلسطينية ما لم /أو حتى يبدأ الإسرائيليون بتصديق أن الفلسطينيين يسعون حقا للعيش المشترك. طبيعة هذه المرحلة من العنف بالتحديد، السبب المحدد المزعوم، يدل وبصورة دامية على العكس تماما بالنسبة للإسرائيليين: فهو يوحي بأن هناك تعصب فلسطيني “حامل للسكين” وحتى إنتحاري ضد الرابط اليهودي للموقع المقدس، وأن قرار موشيه ديان التاريخي في عام 1967 زاد من تصلب التعنت بدلا من التشجيع على تفاهم وتوافق متبادل وضروري.