إن لوح الحجر الجيري المتواضع الذي لا يشبه الكثير غيره. المتصدع بصورة فجة ومقروط من الجانبين، مملوء بالثقوب مع تقدم السنين، ولا يظهر بشكل بارز جدا على الرف في متحف إسرائيل. ولكن واجهته المحفوره بشكل سلس والحروف اليونانية الهشة لا تزال تحمل آثار باهتة من طلاء أحمر تدل على مغزى بالغ الأهمية.

“إن تحدثنا عن أقرب شيء نملكه ليكون معبد، على جبل الهيكل، فهذا أقربهم”.”، كما يقول ديفيد مفوراخ، كبير أمناء الأثار الهلنستية والرومانية، والأثار البيزنطية.

منذ ألفي سنة، خدم الحجر كواحدة من عدة علامات “ممنوع الدخول” في الهيكل الثاني في القدس، مشيرا إلى حدود جزء من مجمع مساحته 37 فدان والذي كان محظورا لغير الطاهرين – اليهود وغير اليهود على حد سواء. مكتوبا باللغة اليونانية (لم تبق أي نسخ لاتينية حية)، محذرا: “ممنوع دخول الغرباء عبر الحدود حول الحرم والمجمع المغلق. أي شخص يمسك به داخلها يكون قد ألقى على نفسه مسؤولية موته كعقاب على ذلك”.

هناك في الواقع نسختين باقيتين من إشعارات الإنذار – واحدة جزئية هنا في القدس في متحف إسرائيل، والثانية، كاملة، في متحف الأثار في إسطنبول – وهما اثنتان من بين حفنة صغيرة من القطع الأثرية التي تنتمي بشكل قاطع إلى الضريح المبني من قبل هيرودس في نهاية القرن الأول الميلادي. ذكرت وثائق معاصرة وجودهما، و1800 سنة بعد تدمير المعبد، وجد عالم آثار الفرنسي نسخة كاملة تم دمجها في جدار مدرسة إسلامية في مدينة القدس القديمة.

وكتب تشارلز سيمون كليرمون-غانو حول اكتشافه من عام عام 1871، “من الجدير بالملاحظة أن هذا الحجر الذي … يأتي من المعبد اليهودي القديم لم يؤخذ بعيدا عن من موقعه الأصلي”، وأضاف، “في الواقع، يبعد المكان الذي وجد به 50 مترا فقط من الحرم الشريف، الذي يعتبر مقدسا لدى اليهود”.

بعد فترة وجيزة من العثور عليه، اختفى هذا الحجر، إلا أنه ظهر مرة أخرى – “بشكل غامض” في إسطنبول بعد 13 عاما. وقد بقي هناك منذ ذلك الحين. وبعد عدة عقود، النسخة الثانية، المحتوية على النقش الجزئي الموجودة في متحف إسرائيل اليوم، حيث تم العثور عليها خلال عام 1935 في عمليات الحفر في الموقع الذي خدم كمعبد خارج بوابة الأسد.

عند استخدامه، كان المعبد مركز عبادة دينية؛ لا يزال المكان الذي وجد فيه أقدس موقع لليهود. لكن تشير نقوش التحذير للمعبد إلى شمولية عالمية – وليس استثناءاً – لغير اليهود على جبل الهيكل. (السؤال ما إن تمكنت السلطات اليهودية من إعدام المخالفين، أو ما إذا كان التحذير مجازا مفترضا، كلعنة لأولئك الذين يخترقون الحدود، لا يزال موضع جدل أكاديمي حاد.)

الوثائق الأدبية الوحيدة المقدمة وصفا مفصلا لتخطيط الهيكل الثاني -حرب جوزيفوس اليهودية والآثار اليهودية و”تراكتات ميداه للميشناه” – الذي يذكر فناءا داخليا داخل مجمع الحرم القدسي الشريف الذي شمل المذبح وقدس الأقداس. قال حاخامات “الميشناه”، الذين قاموا بإعداده وتنقيحه في القرن التاسع عشر بعد تدمير الهيكل الثاني عام 70 ميلاديا، ان الجدار الحدودي (في العبرية “سوريج”) وقف على علو نحو ثلاثة أقدام. أعطى جوزيفوس وصفا مفصلا لهذه التحذيرات التي وضعت على طول الحدود.

حجر ’التحذير’ من الهيكل اليهودي معروض في متحف إسرائيل (Ilan Ben Zion/Times of Israel staff)

حجر ’التحذير’ من الهيكل اليهودي معروض في متحف إسرائيل (Ilan Ben Zion/Times of Israel staff)

يقول جوناثان برايس، بروفيسور للكلاسيكيات في جامعة تل أبيب متخص في الحياة اليهودية في الإمبراطورية الرومانية، “كان جوزيفوس وتواجد على جبل الهيكل كثيرا، ومن المرجح أنه مر بجانبه بشكل أسبوعي”، ويضيف، “عندما يذكر ذلك، يستخدم كلمة يونانية مختلفة في كل مرة، لكن معناها جميعا غريب، غير يهودي”.

إنهم يوفرون معا اثريات مع سياق أثري دقيق و”دليل مادي على أقوال [جوزيفوس]”، وفقا لبرايس.

العلماء غير متيقنين من أين تمتد بالضبط هذه الحروف (أو أين كانت بالضبط حدود الضريح الداخلي والمعبد على جبل الهيكل، كما ذكرت صحيفة النيويورك تايمز في مقال نشر مؤخرا)، ماذا تشبه، أو من ماذا مصنوعة بالضبط. يضم نموذج حجر الهيكل الثاني في متحف إسرائيل جدار منخفض يمتد حول مركزه، ولكن هذا ليس إلا تفسير النحات، كما يقول مفوراخ. “المهم هو أنه يقسم جبل الهيكل إلى جزء علماني وجزء مقدس، إلى يهودي ودولي”.

كان الهيكل الهيرودي مشروع ضخم استغرق استكماله عقودا ومن تمويل كلا من الخزائن الملكية والمنح الدولية. مثل أي مؤسسة عامة في إسرائيل في الوقت الحاضر، من المرجح أن المجمع كان مغطى بنقوش لأسياده الذين تبرعوا بالأموال لسيطرة هيرودس. تتواجد واحدة من هذه النقوش الآن في متحف هيخت في حيفا، والتي عثر عليها في كومة من الحطام إلى الجنوب من جبل الهيكل. وهي تكريم باريس، نجل اكيسون ملك رودوس لمساعدته في تمويل تعبيد مجمع المعبد عام 18 أو 17 قبل الميلاد.

ويوقل برايس، “كان مستوى الدمار في الحرم القدسي كبير لدرجة أننا محظوظون لعثورنا حتى على تلك الشظايا”.

زين هيرودس الحرم اليهودي الذي كان قائما منذ خمسة قرون مع روائع كلاسيكية عن طريق هندسة منصة ضخمة على قمة التل، وتغميد الحرم المحدث مع فناء ضخم مغطى بأسلوب يوناني روماني. لقد هدف لذاك المجمع، الذي يشار إليه اليوم بإسم الحرم القدسي الشريف وضم سدس البلدة القديمة، والذي كان سيعرض للجميع.

أنطيوخس الثالث (Auguste Giraudon, Public domain via Wikimedia Commons)

أنطيوخس الثالث (Auguste Giraudon, Public domain via Wikimedia Commons)

ويقول مفوراخ، الذي أقام معرض هيرودس العظيم في متحف إسرائيل، “يظهر لنا جبل الهيكل بشكل واضح جدا كيف قام هيرودس بالتراقص بين روما ويهودا، بين الدولية واليهودية, بين اسياده ومحكوميه”، ويضيف، “إنه أعظم إنجاز له، هو يعلم ذلك. يريد من الجميع القدوم ويريد إستضافتهم والإستعراض أمامهم”.

خلافا لتقرير صحيفة نيويورك تايمز المنشور مؤخرا، والذي جاء فيه أن معبد هيرودس كان “محاطا بأسوار جزئية والتي كانت من المفترض أن تفصل اليهود عن الغرباء”، كان من المفترض ان يقوم التحذير بحماية “ليس جبل الهيكل كله، ولكن الحرم والفناء الداخلي فقط”، كما يقول برايس. الفكرة الحديثة القائلة “أن المنطقة بأكملها مقدسة تتعارض مع الغرض الأصلي ومكانة هذه الساحة الضخمة في جبل الهيكل”.

نموذج للهيكل الثاني في متحف إسرائيل. ال”سوريغ”، وهو جدار يجزء المجمع يظهر إلى يمين قدس الأقداس، بجانب الدرجات. (Ilan Ben Zion/Times of Israel staff)

ليس فقط انه كان مرحبا بصعود الغرباء إلى جبل الهيكل، ولكن سُمح لهم أيضا، إن لم يتم تشجيعهم، على التبرع بالحيوانات للتضحية. يروي جوزيفوس كيف قام ماركوس أغريبا، اليد اليمنى للإمبراطور أوغسطس، بزيارة القدس بعد فترة وجيزة من بناء الهيكل وتقديم 100 ثور كأضحيات على المذبح. كما تم تقديم أضحيات كتلك يوميا من قبل الدولة الرومانية المقدمة لرعاية الأباطرة. دون فيلو في سفارته لغايوس ما لا يقل عن ثلاث مرات “قمنا بالتضحية، كما قدمنا الذبائح​​ بأكملها، الدم الذي سكبناه مع الخمر المراق على المذبح، واللحم الذي لم نحمله إلى بيوتنا لمد وليمة ومأدبة منه، كما هو العرف لدى البعض من الناس، ولكننا قدمنا الأضحيات بأكملها إلى الشعلة المقدسة كما تتطلب الشعلة”.

استطاع ماركوس أغريبا ووثنيون آخرون دخول ساحة المعبد، ولكن ليس المنطقة حيث اقيمت الطقوس المقدسة.

ويقول برايس، “لم يكن ذلك ديني أو عرقي بقدر طهارة التقاليد”، ويتابع قائلا، “لم يستطع اليهود الذين لم يكونوا طاهرين أو نجسين عقائديا حتى من عبور الجدار”. وخلافا لغير اليهود من جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كان من المتوقع أن يعلم اليهود بشكل أفضل حول عدم دخولهم غير طاهرين إلى الحرم المقدس.

يلزم القانون اليهودي كل من يدخل المعبد ان يكون نقيا عقائديا، وينهي عن دخول اليهود الذين لم يستحموا في الميكفة أو يتم رشهم مع رماد تطهير العجله الحمراء منذ لمسهم الموتى أو المدنسين أو غيرهم.

كان مجمع المعبد عبارة عن سلسلة من دوائر نقاء متحدة المركز، حيث تقتصر كل منطقة على مجموعة مختارة من الناس. المنطقة الأعمق، قدس الأقداس، لم يصلها إلا رئيس الكهنة، فقط في أقدس أيام السنة، يوم الغفران.

لقد عرف عهد الهيكل اليهودي الثاني غير اليهودي بال “نجس جوهريا” على أساس تفسير الانتقالية من الأرقام 7:18، ماتان اوريان، طالب دكتوراه في جامعة تل أبيب الذي انتهى للتو من أطروحته حول منقوشة المعبد المحذرة، قال للتايمز أوف إسرائيل عبر الهاتف. نتيجة لذلك، كانوا محظورين نظريا من دخول الهيكل بشكل تام. يروي جوزيفوس أن الملك السلوقي أنطيوخس الثالث، والد الشرير من قصة عيد الأنوار، أصدر مرسوما يحظر “أي غريب يدخل مجمع الهيكل المحظور على اليهود أيضا، إلا أولئك الذين يدخلون بعد تـطهير أنفسهم وفقا لقانون الدولة”.

غير هيرودس ذلك. أراد أن يعرض عظمة مقره، أكبر معبد في العالم القديم، ولكن لم يرغب بإغضاب رعاياه اليهود.

“استبعاد غير اليهود، وفقا للنقش، هو نوع من التسوية بين السماح لهم بدخول المعبد ولكن استبعادهم من الهيكل الداخلي، حيث يمثل الأرض المقدسة تماما”، كما يقول اوريان.

لافتة تحذيرية موضوعة في الوقت الحالي عند مدخل الحرم القدسي تحذر اليهود من الدخول إلى الموقع. (CC BY-SA Bantosh via Wikimedia Commons)

لافتة تحذيرية موضوعة في الوقت الحالي عند مدخل الحرم القدسي تحذر اليهود من الدخول إلى الموقع. (CC BY-SA Bantosh via Wikimedia Commons)

ويضيف، “يتطلب الواقع حل وسط في مختلف جوانب الشريعة اليهودية”، لكن “حتى لو لم ينظر إليهم كغير طاهرين، إنهم لا يزالوا مستبعدين من [الحرم الداخلي] من الهيكل”.

على الرغم من الوضع الراهن في العصر الهيرودي، حيث اختلط الوثنيون واليهود على قمة جبل الهيكل، يقول معظم الحاخامات اليوم أن التقاليد تقول أن المجمع بأكمله هو أرض مقدسة ويمنع دخول اليهود اليه. ينبع هذا الحظر من عدم اليقين حول الحدود الدقيقة لقدس الأقداس.

مرددة تحذيرات نقوش المعبد القديمة، نشرت الحاخامية الكبرى في إسرائيل لافتات التحذير، بما في ذلك في باب المغاربة المؤدي إلى الحرم القدسي الشريف، بعد تولي إسرائيل السيطرة على الموقع في عام 1967. “وفقا للتوراة”، أعلنت هذه اللافتات، “يحظر على أي شخص دخول منطقة جبل الهيكل بسبب قدسيته”.