نجحت السياسة اللبنانية سيئة السمعة هذا الأسبوع بترك العديد من الخبراء والمحللين والصحافيين اللبنانيين والأجانب في حالة ذهول على ضوء التطورات الأخيرة في السباق الرئاسي. حيث أن أعداء مريرين في الماضي تحالفوا معا، بينما تفككت مجموعات حلفاء بين ليلة وضحاها، وحتى الآن ليس مؤكدا من أن هذالمسلسل السياسي الطويل سينجح في وضح حد لأزمة الرئاسة وإدارة البلاد.

من أين نبدأ إذا؟

ربما من إستقالة الرئيس السابق ميشيل سليمان في مايو 2014. سنة وثمانية أشهر مضت منذ ذلك الوقت ولم يتم إنتخاب أي شخص خلفا له. هذا الفراغ السياسي أعاق وما زال يعيق عمل النظام السياسي في البلاد حيث أن للرئيس اللبناني صلاحيات تنفيذية أيضا وليس رمزية فقط كما هو الحال في إسرائيل. أظهرت الحكومة بنفسها مشاكل وظيفية حادة (أزمة النفايات عل سبيل المثال) والبرلمان اللبناني بالكاد يجتمع.

ولكن يجب التوقف للحظة لفهم ما الذي حدث هنا ونجح بمفاجأة الكثيرين.

بحسب الدستور ووفقا للإتفاق الوطني الذي أُبرم في عام 1943، يجب أن يكون الرئيس اللبناني مارونيا. هذا على الرغم من أن المسيحيين اليوم يشكلون أقلية صغيرة نسبيا مقارنة بمجموعات دينية أخرى مثل الشيعة والسنة. لذلك وفور إنهاء سليمان لولايته، تم عرض مرشحين مسيحيين إثنين، كل واحد منهما من معسكر سياسي مختلف.

الأول، سمير جعجع، رئيس حزب “القوات اللبنانية”، والذي كان في الماضي أحد قادة الميليشات المسلحة المسيحية، والذي حصل على دعم معكسر “14 آذار”، برئاسة سعد الدين الحريري. يُعرف عن هذا المعسكر معارضته لمؤيدي سوريا وحزب الله. الحريري الإبن، سني، شغل في السابق منصب رئيس الوزراء، تماما مثل والده.

المرشح الثاني، ميشيل عون، رئيس حركة “التيار الوطني الحر”، الذي يسير يدا بيد مع حزب الله ومؤيديه منذ عام 2006 (على الرغم من أنه حاربهم في الماضي) رفض في السابق أيضا الإنضمام لفريق “14 آذار”. تجدر الإشارة إلى أن معظم المسيحيين المارونيين يؤيدون عون وليس جعجع.

هذا الطريق المسدود الذي وصلت إليه الأمور فيما يتعلق بتعيين الرئيس، دفع بالحريري إلى القيام بخطوة فاجأت الكثيرين قبل بضعة أشهر. أعلن الحريري عن دعمه لمرشح ثالث، وهو سليمان فرنجية، رئيس تيار “المردة”.

سليمان هو أيضا من عائلة مسيحية عريقة ومعروفة، والذي كان حتى هذه المرحلة في معسكر “8 آذار”، ويُعتبر مؤيدا للنظام السوري.

سليمان، هو نجل طوني فرنجية، الذي قُتل في منزله في بلدة “إهدن” في عام 1978، على يد عناصر من الكتائب المسيحية تحت قيادة إيلي حبيقة وسمير جعجع بنفسه (الذي كان يُعتبر في ذلك الوقت من رجال بشير الجميل، الذي عمل مع إسرائيل). مع طوني قُتلت زوجته فيرا وطفلتهم إبنة الثالثة جيهان. الإبن سليمان، الذي كان في الـ -14 من عمره في ذلك الوقت، كان في بيروت عند وقوع الهجوم ونجى منه. بكلمات أخرى، لا توجد هناك علاقة حب كبيرة بين فرنجية الأبن وسمير جعجع، على أقل تقدير.

بين جعجع وعون سجل من الخصومة الدامية. القوات اللبنانية بقيادة جعجع دخلت في معارك مع الجيش اللبناني بقيادة الجنرال ميشيل عون في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية في بداية عام 1990. ولكن قبل أكثر من عام بدأت هناك تحركات للمصالحة بين جعجع وعون. عون بنفسه، بعد عودته من المنفى في فرنسا، كان واحدا من أبرز الداعين إلى إطلاق سراح جعجع من السجن (لدوره في اغتيال شخصيات لبنانية). في يوليو 2005 وافق البرلمان اللبناني على منح عفو لجعج، والنواب الوحيدون الذي عارضوا الخطوة وامتنعوا عن التصويت كانوا نواب حزب الله.

إعلان الحريري عن دعمه لفرنجية اعتبره جعجع خيانه له. آخرون في “14 آذار” رأوا بذلك أيضا خضوعا لضغوطات حزب الله. وبشكل مفاجئ لم يسارع حزب الله ومؤيدو النظام السوري إلى تبني مبادرة الحريري وأعلنت المنظمة الشيعية بعد مرور بضعة أيام عن التمسك بترشيح ميشيل عون للرئاسة. وبالتالي استمر المأزق حتى وصل هذا الأسبوع الإعلان الذي فاجأ الكثيرين: عقد جعجع مؤتمر صحفيا مشتركا مع عون وأعلن عن دعمه لترشيح “الجنرال” عون للرئاسة.

اختطلت عليكم الأمور؟ يبدو أنكم لستم الوحيدين.

معظم الأحزاب ومراكز القوة السياسية في لبنان اليوم في إنتظار ما يخبئه المستقبل ولا تسارع للإعلان عن دعمها لهذا المرشح أو ذاك. من غير المؤكد أن لعون الأغلبية المطلوبة في البرلمان لإنتخابه رئيسا ولكن لا شك بأن حظوظه تحسنت بشكل ملحوظ. وإذا نجح “الجنرال” في دخول القصر الجمهوري في بعبدا، فهناك شيء واحد مؤكد: حزب الله وحلفائه مستمرون في عملية الإستيلاء على لبنان.