مدينة غزة (أ ف ب) – تعيش عائلة فاطمة معاناة مؤلمة منذ أشهر طويلة، بعد تعرض ابنهم البالغ من العمر (11 عاما) لإعتداء جنسي تسبب له ولأفراد عائلته بصدمة بالغة دفعتهم إلى نقل مكان سكنهم.

وتقول فاطمة، وهي والدة لسبعة أطفال مقيمة في قطاع غزة وقد قدمت نفسها بإسم مستعار، “عاد ابني الأكبر قبل أشهر من البقالة متأخرا، وكان يبدو عليه الإضطراب. وأبلغني أن أحد أقاربي وأحد الجيران قد أخذاه إلى منزل مهجور ونزعا ملابسه. ثم بدءا بمشاهدة مقاطع إباحية عبر جهاز حاسوب. وقال انه حاول الهرب، لكنهما قاما بتقييده والإعتداء عليه”.

وعلى عكس كثيرين غيرها، أبلغت العائلة الشرطة التي اعتقلت الشابين وهما في العشرينات من العمر.

وقالت المرأة: “نتيجة ثغرات في القانون، خرج أحدهم لأنه لم يثبت عليه شيء، وبقي الآخر الذي اعتدى على ابني جنسيا في السجن. وطالبت القضاء بإعدامه كي يكون عبرة، رغم أنه من أقاربي”.

وسرعان ما اصطدمت العائلة بنظرة المجتمع الرافضة للحديث عن موضوع محظور.

أطفال فلسطينيون يلعبون في شارع في رفح، جنوبي قطاع غزة، 4 أكتوبر، 2014. (Abed Rahim Khatib/Flash90)

أطفال فلسطينيون يلعبون في شارع في رفح، جنوبي قطاع غزة، 4 أكتوبر، 2014. (Abed Rahim Khatib/Flash90)

وتروي فاطمة، “رحلنا من المنزل، ودفعنا نقودا كثيرة لنبتعد عن المنطقة، ولم يتبق معنا أي مال”.

وتضيف: “تأثرت نفسيا كأم بشكل كبير ومرضت، وتوجهت إلى مراكز العلاج النفسي أنا وإبني وإخوته لأنهم كلهم تابعوا تطورات المشكلة”.

“ثقافة العار”

وتقول أسماء سعود، الأخصائية النفسية في مركز حل النزعات: “هناك عائلات تأتي الى المركز وتروي قصصها، لكن هذا العدد يبقى قليلا”.

وتضيف سعود التي عالجت عشرات الحالات، “إن الإغتصاب موجود، لكنه مخبأ بسبب العادات والتقاليد”، مشيرة إلى أنه من أسباب هذه الظاهرة “البطالة وتوجه الشباب الى الإباحية على الإنترنت والرغبة بممارسة ما يشاهدونه مع الأطفال”.

وعزت خوف الأهل من التوجه الى القضاء الى ارتباط هذه القضايا بـ”ثقافة العار والسمعة السيئة”.

وطالبت بـ”عقاب يشكل رادعا قانونيا”.

وتحاصر إسرائيل القطاع منذ فوز حركة حماس بالإنتخابات عام 2006. ولا يملك الغزيون أي منفذ الى الخارج.

وتقول ناديا (42 عاما)، “نحن نعيش في منطقة مهمشة بغزة. إبني يعاني من إعاقة حركية. خرج يوما كما المعتاد ينتظر الباص لنقله الى المدرسة، فنادى عليه احد المارة من سكان المنطقة وأغواه بالنقود واخذه الى منطقة غير مأهولة واعتدى عليه جنسيا”.

وتضيف: “أخبرت الأخصائية النفسية في المدرسة، وأخذته بشكل سري إلى طبيب أعرفه لفحصه”.

وتتابع: “انه يعاني من إضطراب نفسي، وأصبح منطويا على نفسه ويخاف الخروج من المنزل. وبعد الحادث، إنعدم النشاط تماما لديه وتأخر دراسيا”.

ولجأت العائلة الى الحل “العشائري” القاضي بمصالحة بين العائلتين، من دون ابلاغ الشرطة. ولا يزال المعتدي يقيم في الحي نفسه.

رجل فلسطيني يسير مع طفل من أمام حطام مسجد تضرر بشكل جزئي جراء غارة جوية إسرائيلية في 25 أغسطس، 2014 في بيت لاهيا شمال قطاع غزة. (AFP/ROBERTO SCHMIDT)

رجل فلسطيني يسير مع طفل من أمام حطام مسجد تضرر بشكل جزئي جراء غارة جوية إسرائيلية في 25 أغسطس، 2014 في بيت لاهيا شمال قطاع غزة. (AFP/ROBERTO SCHMIDT)

وبحسب دراسة صادرة عن المركز الفلسطيني لحل النزاعات، تم احصاءأاكثر من 693 حالة عنف تعرض لها اطفال في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال سنتين، وفي 75% من الحالات، كان الأطفال يعرفون هوية المعتدي عليهم.

وتقول محاسن (48 عاما)، أن ابنتها البالغة ست سنوات “تعرضت لإعتداء جنسي من أحد الموظفين في مدرستها”، الذي رفضت الكشف عن وظيفته.

وتضيف: “اخبرت عائلتي بما حدث، واتصلت بالشرطة التي استدعت الطفلة للإستجواب”.

وتشير إلى أن “وسطاء طالبونا بالتنازل عن القضية لأسباب إنسانية”.

وتضيف: “لم تنس ابنتي الحادثة التي تؤثر على نفسيتها، وانا خائفة على مستقبلها. كيف ستمضي حياتها خائفة ومضطربة نفسيا؟”

ويكشف نائب مدير عام المركز الفلسطيني لحل النزاعات اياد أبو حجير، أن بين الحالات التي وصلت إلى المركز، 22 فقط طلبت التدخل القانوني، ومعظم المدعين تراجعوا عن طلبهم” في وقت لاحق”.

مقاتلون من حركة حماس يشاركون في مسيرة مناهضة لإسرائيل في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، 26 فبراير، 2016. (AFP / SAID KHATIB)

مقاتلون من حركة حماس يشاركون في مسيرة مناهضة لإسرائيل في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، 26 فبراير، 2016. (AFP / SAID KHATIB)

ويقول: “في الغالب، أهالي الأطفال يحاولون إنهاء الموضوع بهذه الطريقة حتى لا تترك آثاراً نفسية أو إجتماعية على الطفل، لذلك أنا أوصي بإعادة النظر في عمل المخاتير ورجال الإصلاح في هذا الإطار”.

ويقول أيمن البطنيجي، المتحدث بإسم الشرطة الفلسطينية في غزة التابعة لحركة حماس لفرانس برس، “هناك حالات تحرش بالفتيان والفتيات تصل إلى الشرطة الفلسطينية ولا نسكت على متابعتها بالشكل القانوني (…) للأسف، كثيرون يعانون من هذه الحالات يترددون في المجيء إلى الشرطة خوفا من الفضيحة”.

وتابع قائلا: “كمجتمع فلسطيني محافظ، لا يتم التبليغ عن معظم هذه الحالات ويتم معالجتها عن طريق المخاتير. للأسف القانون الفلسطيني لا يعتبرها جريمة أو جناية، وكثير من القضايا التي بدأت بتحرش جنسي إنتهت بالقتل”.

وينص القانون في حال التحرش على عقوبة السجن لفترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، بحسب أبو حجير.

لكن يمكن الحكم على منفذ اغتصاب طفل تحت الرابعة عشرة، إذا تمت الإدانة، بالإعدام.

ويدعو أبو حجير الى تكثيف “توجيه الأطفال في المدرسة أو البيت حول التربية الجنسية”، مطالبا وزارة التربية والتعليم بـ”دمج التربية الجنسية الصحيحة ضمن مناهجها للمرحلة الإبتدائية”.