واشنطن- في مذكراته الجديدة التي صدرت يوم الثلاثاء، انتقد وزير الخارجية الأمريكي السابق، جون كيري، العلاقة المسمومة بين البيت الأبيض تحت إدراة أوباما ورئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، لا سيما محاولة الأخير إحباط الاتفاق النووي مع إيران الذي عمل كيري بلا هوادة للتوصل إليه.

وقال كيري، إن نتنياهو انخرط في “خروج تام عن البروتوكول والتقاليد” عندما قبل بدعوة رئيس مجلس النواب حينذاك، جون بينر، له لإلقاء خطاب أمام جلسة مشتركة للكونغرس لمهاجمة المفاوضات النووية التي كانت جارية في حينها.

والأكثر من ذلك، كما يضيف، هو استخدام رئيس الوزراء لهذه المنصة للتلاعب بمحتوى الاتفاق التاريخي (الذي كان في هذه المرحلة قيد التفاوض).

وكتب كيري عن خطاب نتنياهو سيء السمعة في عام 2015 “لم يكن من المستغرب أن يقوم نتنياهو بتحريف الاتفاق بشكل فاضح. لقد ألقى كلمة مصاغة بعناية ولكن سياسية بحتة، وليس تحليلا صادقا لإستراتيجية حظر الانتشار النووي أو حجة موضوعية لكيفية جعل إسرائيل في الواقع أكثر أمنا من دون اتفاق”.

ويضيف كيري، “لكن مجددا، أدرك الجميع أن الخطاب كان موجها للعواطف – خطبة طويلة عاطفية محسوبة لحشد مؤيديه في الولايات المتحدة وتخويف أعضاء مجلس الشيوخ من المصادقة على الاتفاق”.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يتحدث أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأمريكي في مجلس النواب في العاصمة الأمريكية واشنطن، يوم الثلاثاء، 3 مارس، 2015، في خطاب حذر فيه من اتفاق وشيك مع إيران يحظى بدعم الولايات المتحدة. (Win McNamee/Getty Images/AFP)

ويصف السناتور المخضرم من مساتشوستس في مذكراته “Every Day Is Extra” المكونة من 584 صفحة، نشأته المتميزة، من دراسته في كلية “سانت بول” وجامعة “ييل” الراقيتين إلى خدمته العسكرية في فيتنام ونشاطه المناهض للحرب، ووصوله في نهاية المطاف إلى مسيرة طويلة في الخدمة العامة، بما في ذلك محاولة فاشلة في عام 2004 للفوز بالرئاسة.

وتتناول آخر مئتي صفحة من الكتاب فترة تولية منصب كبير الدبلوماسيين في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، مع مقاطع مكدسة مخصصة لإثنتين من أهم أولوياته: تثبيت اتفاق سلام إسرائيلي-فلسطيني والتوصل إلى اتفاق لكبح برنامج إيران النووي.

في فقرة مثيرة للاهتمام، يشرح كيري كيف “فقد الثقة” بنتنياهو بعد قيام نتنياهو كما زعم بتسريب مسودة اتفاق لوقف إطلاق النار مع حركة “حماس” خلال حرب غزة في عام 2014 – والتي لاقت انتقادات شديدة في الحكومة الإسرائيلية – قام هو بنفسه (نتنياهو) بإدخال بعض المقترحات فيها.

لكن علاقتهما ستزداد سوءا بعد عام من ذلك، مع اقتراب إدارة أوباما من التوصل بشق الأنفس إلى إبرام اتفاقية مع إيران.

وزير الخارجية الأمريكي جون كيري والسفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة رون ديرمر في مراسم التوقيع على حزمة مساعدات عسكرية أمريكي-إسرائيلية في وزارة الخارجية الأمريكية في 14 سبتمبر، 2016. (Israeli Embassy, Washington)

ويروي كيري عن لقاء جمعه مع سفير نتنياهو في واشنطن، رون ديرمر، في مكتبه في وازرة الخارجية في يناير من عام 2015، قبل يوم واحد من إعلان بينر عن أن رئيس الوزراء سيلقي كلمة أمام الكونغرس ضد المحادثات مع إيران. (لقد كان ديرمر هو من رتب الخطاب).

وكتب كيري “لقد فوجئت. جلس رون في مكتبي في اليوم السابق وهو على علم بصدور هذا الإعلان ومن دون حتى أن يعطيني تنبيها ضمنيا بأنه يعمل مع رئيس مجلس النواب لترتيب زيارة كهذه. لقد تم خداعي، إلى جانب الرئيس وكل من في الإدارة”.

في حين أن علاقة أوباما ونتنياهو كانت متوترة منذ البداية – فلقد جاءت العلامة الأولى على الاحتكاك بين الرجلين عندما أعطى نتنياهو محاضرة لأوباما في المكتب البيضاوي أمام الكاميرات حول دعوات الرئيس الأمريكي لإسرائيل بالعودة إلى حدود عام 1967 مع تبادل للأراضي -لكن كيري يقول إن الخطاب في الكونغرس دمر هذه العلاقة بشكل دائم.

ويكتب كيري “كنت أعلم أن انعدام ثقة إسرائيل بقادة إيران كان عميقا – شاركنا جميعا هذا الشعور – ولكن في قبولها دعوة الجمهوريين في الكونغرس، كشف الحكومة الإسرائيلية عن عدم احترامها للرئيس أوباما (…) العلاقات بين الرئيسين لم تتعافى أبدا”.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما يصغي لرئيس الوزراء بينيامين نتنياهو خلال زيارتها إلى النصب التذكاري للأطفال في متحف ’ياد فاشيم’ لتخليد ذكرى ضحايا المحرقة في القدس، إسرائيل، 22 مارس، 2013. (AP Photo/Pablo Martinez Monsivais)

في فصل في الكتاب مكون من 40 صفحة تحت عنوان “منع حرب”، يروي كيري الرحلة الطويلة التي قطعتها الولايات المتحدة لإبرام “خطة العمل الشاملة المشتركة “، التسمية الرسمية للاتفاق النووي مع إيران.

في مرحلة معينة، يشرح كيري قرار الولايات المتحدة تغيير موقفها بشأن السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم.

في بداية المحادثات، قال الممثلون الإيرانيون إنه يحق لهم قدرات تخصيب بصفتهم موقعين على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، كما يكتب كيري، لكنه وأوباما غيّرا رأيهما في نهاية المطاف باعتبار ذلك جزءا من الأساليب التفاوضية.

ويكتب كيري “مع ترك ما إذا كان لإيران ’الحق’ في التخصيب جانبا، في أعماقي أدركت أنه ما لم نبدي استعدادا لمناقشة احتمال استمرار إيران في التخصيب تحت قيود محددة بعناية، فليس هناك طريقة للحصول على صلاحية للوصول ومساءلة وشفافية وضبط النفس الضروري للتأكد من أن إيران لا تسعى إلى برنامج أسلحة. قد لا تكون هناك حتى طريقة لجلب إيران إلى الطاولة”.

وزير الخارجية الأمريكية جون كيري (من اليسار) يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف بعد أن تحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إيران لبت جمع شروط الإتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في يوليو 2015، في فيينا، النمسا، 16 يناير، 2016. (AFP/Kevin Lamarque/Pool)

أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى تعديل موقفها حول المسألة هو أن القوى العالمية الأخرى المنخرطة في المفاوضات – بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين – قامت هي أيضا بتغيير مواقفها.

وكتب كيري “لطالما كان موقف الولايات المتحدة أن أي تخصيب، مهما كان بسيطا، سيعني نهاية المفاوضات. لكن شركائنا في التفاوض من مجموعة 5+1 ابتعدوا عن هذا الموقف بالإجماع. لقد قرروا، خاصة بالنظر إلى ما تفعله دول أخرى، أنه يجب أن تتم مناقشة بعض التخصيب في المستقبل حتى يتعامل الإيرانيون مع أي مفاوضات بصورة جدية”.

ويقول أيضا في الكتاب أن الإدارات السابقة اتخذت هذا الموقف مع الإيرانيين من وراء الأبواب، على الرغم من إصرارها على العكس أمام الرأي العام.

ويضيف كيري “لقد علمت في محادثات خاصة أنه على الرغم من الموقف العام، فإن إدارة جورج دبليو بوش وافقت على هذا الموقف بهدوء وبصورة سرية، على الرغم من أنها لم تتفق حول ماهية المبنى أو المستويات التي قد يتم فيها ذلك”، ويضيف “في أعماقي، وافقت أنا أيضا. وكذلك، كما علمت، وافق الرئيس أوباما”.