الخليل، الضفة الغربية – لم يمر وقت طويل على مئات الإسرائيليين ذوي الميول اليسارية الذين وصلوا إلى مدينة الخليل يوم الجمعة لإثارة أسوأ شكوكهم حول الوضع في مدينة الضفة الغربية والتي تعتبر منطقة توتر.

صرخ مستوطن إسرائيلي مراهق ضاحكا على بعض الزوار الإسرائيليين البالغ عددهم نحو 300، الذين كانوا يسترشدون بموظفي المنظمة غير الحكومية “كسر الصمت” اليسارية قائلا: “لقد فات الأوان!”.

لم يكن بحاجة إلى شرح نفسه لهم، الذين جاءوا ليشهدوا مدى الوجود الإسرائيلي في جزء صغير من المدينة يُعرف بإسم H2.

ما يقارب 850 مستوطن يعيشون في مجمعات تخضع لحراسة مشددة في الخليل، ويحيط بهم عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يتم تقييد تحركاتهم بشدة.

استخدم مرشدي “كسر جدار الصمت” هذه الجولة – التي قيل إنها كانت الأكبر على الإطلاق في المدينة المنقسمة – لإثبات أن ما جادلوا به قد أصبح حقيقة واقعة في مدينة الخليل، حيث وضع السكان اليهود السياسة الحكومية للمدينة والتي من المتوقع أن تنفذها القوات الإسرائيلية.

“في النهاية أعتقد أنهم انتصروا، للأسف”، قال المشارك في الجولة روني لافي.

جولة “كسر الصمت” في الخليل في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018. (Jacob Magid/Times of Israel)

على الرغم من أن جولات كسر الصمت شبه الأسبوعية مفتوحة للجمهور، إلا أن مجموعة واحدة من 60 مشاركا من تل أبيب تمثل أقلية صغيرة نسبيا، تشبه البنية المتصورة لليسار الإسرائيلي الأوسع: الشيخوخة والأشكناز.

والمجموعة تألفت  بشكل كبير من المتقاعدين، واستخدم عدد منهم عصيا للتنزه في المدينة وكانوا يرتدون قبعات البيسبول مع شعارات للمجموعات التقدمية مثل صندوق إسرائيل الجديد ومراقبة “مخسوم” (نقطة تفتيش).

كانت القبعات دليلا على حقيقة أن الكثيرين في المجموعة أيدوا حل الدولتين عندما كانت الفكرة لا تزال من المحرمات في أجزاء كثيرة من المجتمع الإسرائيلي. في حين أن مفهوم الدولة الفلسطينية قد تعمق في التيار الرئيسي – حتى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أيده علنا لفترة وجيزة في عام 2009 – يبدو أن المجموعة التي تزور الخليل مستسلمة لواقع وجود إسرائيل في الضفة الغربية، والسلام بعيدا كما أنه لن يكون.

“إن البلد الذي تركته ليس هو نفسه الذي عدت إليه”، قالت هيلا إسرائيلي (59 عاما)، والتي أمضت العقدين الماضيين خارج واشنطن. “إنه مكان سياسة اليمين الآن”.

في وقت سابق، توقفت المجموعة عند قبر الإرهابي اليهودي باروخ غولدشتاين في مستوطنة كريات أربع المجاورة، حيث عثرت على عشرات الأحجار التي وضعت عند القبر، وهي منقوشة بعبارة دينية عبرية تقول أنه قد “قُتل أثناء تقديس الله”.

في فبراير 1994، أطلق غولدشتاين النار على مصلين مسلمين في الحرم الإبراهيمي في الخليل، ما أسفر عن مقتل 29 فلسطينيا وجرح 125، وتم التغلب عليه وقتله.

نُظمت جولة يوم الجمعة لتتزامن مع إصدار كسر الصمت لكتاب جديد من شهادات مجهولة المصدر من جنود الجيش الإسرائيلي الذين خدموا في الخليل من عام 2011 إلى عام 2017. وقرأ المرشدون مقاطع مختلفة من الكتاب في مواقع تلائم المضمون خلال الجولة.

في حين أن اعترافات الجنود السابقين بسوء معاملة روتينية لأغلبية سكان المدينة جلبت الفلسطينيين إلى المعادلة، فقد سلطت جولات الجمعة الضوء على دور السكان المحليين اليهود أكثر من أي شيء آخر.

مرشد “كسر الصمت” يقود جولة في الخليل في 30 نوفمبر، 2018.(Jacob Magid/Times of Israel)

وقد قامت “كسر الصمت”، التي تجمع وتصدر شهادات جنود سابقين، بتنظيم جولات منتظمة في الخليل لسنوات، للفت الانتباه إلى سوء السلوك المزعوم والجرائم الأكثر خطورة والتمييز من قبل الجنود والمستوطنين الذين يعيشون بين حوالي 200,000 فلسطيني في الخليل.

أثارت المنظمة غير الحكومية غضب العديد من الإسرائيليين والمسؤولين، الذين طعنوا في صحة مزاعمها المجهولة في معظمها، وأبدت أسفها لعملها في مجال الدعوة في المجتمع الدولي.

“لقد أصبحت اسما قذرا هنا”، قالت دار شور (27 عاما)، إحدى المشاركين القلائل الأصغر سنا في الرحلة.

أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة انخفاضا بسيطا في معدلات تأييد حل الدولتين. بالإضافة إلى ذلك، وجد استطلاع للرأي عام 2016 أن الإسرائيليين الأصغر سنا كانوا أكثر عرضة مرتين تقريبا للإسرائيليين الأكبر سنا لرؤية مستوطنة آرييل الكبيرة في الضفة الغربية كجزء من إسرائيل.

يسير المستوطنون الإسرائيليون بقاعدة للجيش الإسرائيلي في الخليل سيتم إزالتها جزئيًا لإفساح المجال لمجمع سكني جديد للمستوطنين. (Miriam Alster/ FLASH90)

في حين أن التركيبة السكانية للزوار كانت كبيرة الفجوة إلى حد ما في السن، على الطيف السياسي، كان هناك ميول محدد على اليسار.

“إن الشيء المشترك بين أعضائنا هو معارضتنا للاحتلال”، قال المرشد ناداف وايمان أثناء شرحه عن منظمته للمشاركين. وقال وايمان، مدير الدعوة للمنظمة غير الحكومية، إن مشكلته لم تكن مع الجيش الإسرائيلي، بل الحكومة الإسرائيلية، التي أرسلت جنودها للخدمة في الأراضي الفلسطينية لأكثر من نصف قرن.

قادت المنظمة مئات الرحلات إلى الخليل منذ تأسيسها في عام 2004 في محاولة لتحذير الإسرائيليين من التكاليف المعنوية لهذه السياسات.

وقاد وايمان مجموعته إلى الحرم الإبراهيمي قبل مواصلة السير في شارع الشهداء، وهو الشارع الرئيسي السابق والمركز التجاري الرئيسي في الخليل.

شارع الشهداء، الذي كان سوقًا مزدحمة في يوم من الأيام، مغلقًا حاليًا أمام حركة مرور المشاة الفلسطينيين، مما يجعله فارغًا إلى حد كبير في معظم الأيام (طاقم تايمز أوف إسرائيل)

وفي المحطة التي تلت ذلك، أكد أن المستوطنين يمارسون نفوذا على قرارات وزارة الدفاع فيما يتعلق بالمدينة ويوسعون وجودهم، بما في ذلك التحرك الأخير من وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان من أجل التقدم بمشروع لبناء مبنى سكني للمستوطنين في الخليل فوق سوق الجملة الفلسطيني السابق الذي استوطنه المستوطنون لعدة سنوات.

في حين أن العديد من جولات كسر الصمت يتميز خلالها مستوطنون محليون وآخرون يحاولون التدخل أو توجيه أدلة في القتال أمام الكاميرا، مرت زيارة يوم الجمعة بهدوء نسبيا. ومع ذلك، في أحد الحوادث، واجه الناطق باسم “كسر الصمت” دين إيساخاروف المقاطعة أثناء عرض تفاصيل تجاربه عندما كان يخدم كضابط في الجيش الإسرائيلي في الخليل، حيث وصفه أحد السكان الإسرائيليين بأنه “كاذب”. (في نزاع مستمر، ادعى إيساخاروف أنه هو نفسه اعتدى على فلسطيني في المدينة خلال خدمته العسكرية).

قام الشخص الذي قاطعه بتصوير المشاجرة على هاتفه باستخدام البث المباشر على فيسبوك، على ما يبدو بأمل إثارة رد فعل من الناشط اليساري.

معارض (يسار) يصرخ في وجه مرشد كسر الصمت دين إيساخاروف وهو يقود مجموعة خلال مدينة الخليل بالضفة الغربية في 30 نوفمبر، 2018. (Jacob Magid/Times of Israel)

لكن إيساخاروف استمر في مشاركة قصته مع الزائرين، الذين تجمعوا عن كثب حتى يتمكنوا من سماعه رغم الصراخ. بعد بضع دقائق، وصل مخبر شرطة يرتدي ملابس مدنية، ووضع ذراعه حول كتفيه، وأخرجه بهدوء بعيدا عن المجموعة.

توترت الأجواء حين وصلت الجولة إلى مكان توقفها النهائي في حي تل الرميدة. كان هناك شاب يهودي ينتظر بخرطوم في يده، بدء بشتم المجموعة، ورش أحد أعضاءها بالماء. وسرعان ما تم إبعاده بواسطة قوات الأمن، الذي كانوا يحمون الجولات مع عشرات الجنود.

في وقت لاحق، بدأ أكثر من مائة طالب من المدرسة الدينية بالغناء والرقص في الشارع نحو الزائرين اليساريين في محاولة لتعطيل موظف كسر الصمت، الذي استمر في محاولته للتوجيه وسط الفوضى. وانضم إلى الطلاب عدد من الأولاد الذين استخدموا الصافرات والأبواق.

وبعد عدة دقائق، وصل قائد كبير في لواء الجيش الإسرائيلي إلى مكان الحادث وأبلغ منظمي الرحلة أنه قرر إعلان المنطقة على أنها عسكرية مغلقة من أجل الحفاظ على النظام العام.

وعندما عارض أحد موظفي المنظمة غير الحكومية، قائلا أنه يكافئ سوء سلوك المستوطنين، أجاب الضابط بأنه ليس لديه حل آخر.

لم تتمكن تلك الجولات من الوصول إلى محطتها النهائية في منزل ناشط فلسطيني، ولكن يبدو أن المرشدين فهموا حقيقة أن مشهد الغوغاء والنظام الإسرائيلي اللاحق قد عززوا إدراكهم للديناميكية المنحرفة في المدينة بين المستوطنين والجيش.

من جانبه، قال نوعوم أرنون، المتحدث بإسم الجالية اليهودية في الخليل، إن جولات كسر الصمت هي “استفزاز صارخ” ضد السكان اليهود الذين يحققون حقهم التاريخي في العودة إلى المدينة المقدسة القديمة.

يتحدث المتحدث باسم الجالية اليهودية الخليل نوعام أرنون خلال مؤتمر “مورشيت” (تراث) لمجموعة ‘بشيفا’ ، في 12 فبراير 2017. (Gershon Elinson / Flash90)

وزعم أرنون أن السكان قد أظهروا “أقصى درجات التسامح”. كما اتهم “كسر الصمت” بأنها تعمل على “التحريض ضد الجيش الإسرائيلي” بنشر شهادات الجنود بدلا من السعي إلى إجراء تحقيقات معهم داخليا.

“إنها إحدى المنظمات الرئيسية التي تسبب معاداة السامية والإرهاب”، قال.

ومع عدم تمكنهم من الوصول إلى المحطة النهائية للجولة، بدأت مجموعات من اليساريين في التقدم نحو الحافلات للعودة إلى منازلهم.

قالت ميريام غور، التي تبلغ من العمر ثمانين عاما، بينما كانت تستقل الحافلة: “على الأقل نعلم من المسؤول هنا”.

“المستوطنون، وليس الجنود”، أضاف زوجها، نوعام، الذي قال إنها كانت المرة الأولى له في الخليل منذ أن قاتل في المنطقة خلال حرب الأيام الستة في عام 1967.