تجلس آمنة كناعنة على مائدة نزهة عند محطة وقود في وادي عارة، وتنبّه مرافقيها اليهود لإنهاء مشروباتهم ووجباتهم الخفيفة – التي تم شراؤها من مقهى أروما المجاور – ليبدأوا صيام رمضان الرمزي.

“من الآن فصاعدا، لن تأكلوا أو تشربوا حتى غروب الشمس”، كما تقول بنصف ابتسامة. “على أي حال، إذا أكلتم أكثر الآن، فلن تكونوا جائعين لتناول العشاء – وهذا سيئ للغاية”، أضافت وهي تبدو مثل أي أم في أي مكان.

مع جلابية سوداء وحجابها الأبيض الشفاف الذي يغطي شعرها ورقبتها، تبدو كناعنة مثال المرأة المسلمة المحافظة. ومع ذلك، فهي، بصفتها مؤسِّسة “الوعي فور يو”، ناشطة أيضا تروّج لوضع النساء من منزلها في كفر قرع.

هذه الجولة، واحدة من العديد التي تقودها كناعنة كجزء من مبادرة سياحية/تعايشية تدعى ليالي رمضان، تجمع بين مهمتي حياتها معا: التوعية حول وضع المرأة العربية، وتحقيق السلام مع جيرانها اليهود.

في كفر قرع، توضح آمنة كناعنة، مؤسسة برنامج الوعي 4U، كيفية الاستعداد لشهر رمضان، يونيو 2018. (Amanda Borschel-Dan / Times of Israel)

تحت رعاية منظمة السلام سيكوي – جمعية النهوض بالمساواة المدنية في إسرائيل، بدأت جولات التعايش هذه في عام 2006 في أم الفحم كوسيلة لجلب السياح اليهود إلى المدن والبلدات العربية لتغيير صورة منطقة وادي عارة. إن المنطقة – التي يطلق عليها أيضا “المثلث” بسبب خطوطها الجغرافية – تُستخدم نظريا كمقايضة للأراضي أو “النقل”، حيث كان رئيس حزب (اسرائيل بيتنا) افيغدور ليبرمان يشق طريقه. على الرغم من أنها لا تبعد سوى 35 كيلومترا إلى الجنوب الشرقي من حيفا، إلا أن العديد من اليهود الإسرائيليين ينظرون إلى المنطقة على أنها معقل للأصولية الإسلامية والاضطرابات.

شكليا، فإن كفر قرع ليست جذابة على وجه الخصوص، مع وجود الكثير من المتاجر والأرصفة الضيقة على طول الشوارع المتعرجة ومعظمها سكنية.

لكن نظرة سريعة على صفحة ويكيبيديا لكفر قرع تفسر جزء من سبب جولة ليالي رمضان هنا: يطلق عليها حرفيا “قرية اليقطين”، في عام 1945، كانت قرية زراعية تبلغ فقط 1500 نسمة. ومع ذلك، بعد تأسيس دولة إسرائيل حتى اليوم، فقد ازدهرت إلى مدينة عالية التعليم بشكل غير متناسق وتشكل 18000 نسمة، وفقا للمكتب المركزي للإحصاء. في مقال نشرته صحيفة “هآرتس” في عام 2007، يقال أن المدينة “تحمل الرقم القياسي الوطني لعدد الأطباء مقارنة بالسكان”.

وسط مدينة كفر قرع بزينة رمضان، يونيو 2018. (Amanda Borschel-Dan / Times of Israel)

ومن بين المواطنين البارزين فيها رئيس الحزب السياسي العربي جمال زحالقة. أول عربي إسرائيلي يخدم في الحكومة، نواف مسالمة؛ وعلي يحيى، أول سفير إسرائيلي مسلم. كما أنها موطن لمدرسة “يد بيد” الفائزة بجائزة، “جسر فوق الوادي” والتي افتتحت عام 2004 كجمعية مسلمة ويهودية مختلطة.

لكن هذا ليس سوى جزء من الصورة. تضع امنة كناعنة ونظرتها الرحيمة الى سحر مجتمعها واهتزازها ومغالبتها الضوء على الحياة اليومية هناك. خلال شهر رمضان، بالنسبة للمرأة العربية، الحياة الحقيقية تعني الاستعداد للإفطار في المساء، في الوقت الذي تعمل فيه في وسط صيام شاق.

في محل حلويات الناصرة في كفر قرع، تعرف أمنه كناعنة كثرة حلويات رمضان التقليدية، يونيو 2018. (Amanda Borschel-Dan / Times of Israel)

وهي تتذمر من حقيقة أنه على الرغم من الأرقام الخيالية التي تستأثر بعدد كبير من الأطباء والمهندسين وأطباء الأسنان والممرضين، فإن نحو 75% من سكان البلدة البالغ عددهم 18,000 عاطلون عن العمل.

“يوجد في كفر قرع 300 طبيب و300 محام و300 مهندس. إنها القرية الأكثر تعلما في إسرائيل. من ناحية أن هناك تعليم، ولكن من ناحية أخرى، هناك بطالة” قالت. مضيفة إن أسوأ فرص العمل هي للنساء المتعلمات تعليما عاليا، اللواتي لا يستطعن ​، رغم مؤهلاتهن، العثور على عمل بالقرب من المنزل. وتقول إن إحدى المدرسات تتوجه إلى مدينة رهط البدوية في النقب – وهي رحلة تستغرق ساعتين في كل اتجاه.

“أنا قلقة بشأن وضع المرأة”، تقول كناعنة. “المزيد من النساء يتعلمن، ولكن من الصعب عثورهن على عمل”. كما أن التعليم العالي يجعل من الصعب على المرأة العثور على زوج مناسب.

في كفر قرع، تشرح آمنة كنانعة كيفية تحضير الحلويات الرمضانية الممتلئة، المعروفة باسم قطايف، يونيو 2018. (Amanda Borschel-Dan/Times of Israel)

“نحن نعلم أطفالنا بالحب”

يتم إرسال المجموعة إلى مسجد قريب لاستخلاص معلومات عن مبادئ الإسلام. هناك، شيخ ذو مظهر شبابي، في منتصف العمر مرتديا الجينز الداكن يدعى عايد زيد، يحكي النكات حول مظهره الحديث وعدم وجود لحيته البيضاء المتدفقة.

تداخل إعلان عام في محاضرة زيد، وأعلن بصوت عال عن الأوقات التي تغادر فيها الحافلات المدينة للمسجد الأقصى في مدينة القدس القديمة. مع انحسار الشمس في السماء، اتصلت زوجة زيد للسؤال عن موعد عودته إلى المنزل للإفطار.

الشيخ عايد زيد يشرح أركان الإسلام ورمضان في مسجد كفر قرع، يونيو 2018. (Amanda Borschel-Dan / Times of Israel)

“أريد أن أحضر المجتمع إلى حوار مع يهود ليس لدينا منهم اليوم. نحن مشغولون في كثير من الأحيان بالتعامل مع الهراء، لذا تطوعت بإحضار هذه الرسالة إلى الآخر”، يقول زيد. “نرى الكثير في المجتمع الإسرائيلي اليهودي الذي يمكننا التعلم منهم، ولكن إذا لم نتعلم لغات بعضنا البعض، فلن نتمكن من تقريب أنفسنا أكثر”.

العودة إلى المنزل

معظم الرجال والنساء يعملون لساعات طويلة منتظمة في وظائفهم خلال الصيام من شروق إلى غروبها. لكن من المتوقع أيضا أن تضع النساء وجبات احتفالية – مع تركيز مشهور بالفعل على الحلويات – خلال عطلة تستمر لمدة شهر. الليالي هي للزيارات العائلية واللعب والتسوق حيث تظل المتاجر مفتوحة في وقت متأخر إلى الساعات الأولى من الليل.

وجبة شهر رمضان للمشاركين في جولة آمنة كناعنة في كفر قرع، يونيو 2018. (Amanda Borschel-Dan / Times of Israel)

يجلس ضيوف كناعنة إلى جانب صف طويل من طاولات قابلة للطي مطوقة باللون الأحمر، وينتظرون نعمة المؤذن الصاخبة عند الانتهاء من الصوم. لقد عمدت كناعنة إلى إعفاء نفسها لتأكل الطعام مع أبنائها الثلاثة الذين يدخلون إلى الفناء ويخرجون منه، والمفروض زوجها أيضا الذي لم يظهر.

في الظلام، تطفو الفوانيس والمصابيح الرمضانية بالقرب من المسجد المحلي المضاء بينما نستقر في دائرة حميمة من الكراسي. تستريح كناعنة وتخبر النكات بينما ترتشف قهوتها وتأكل قطايف التي طال انتظارها (المليئة باللوز، ولكن مع نكهة صودا الخبز المهيمنة بشكل لا لبس فيه وسط القرفة).

الجوع يقطن، وكناعنة تبدأ في الحديث عن معنى رمضان للنساء.

“الجميع ينتظرون هذا الشهر – إنه شهر الرحمة والتعاطف”، تقول. في تعويض لوجباتهن الفخمة، تتلقى النساء البركة من الله – والعديد من الهدايا من أقاربهن. وتقول إنه من الواجب على كل رجل زيارة أقاربه الإناث وتقديم الهدايا.

مقلوبة آمنة كنانة النباتيّة وأوراق العنب المحشوة، جزء من جولة تدعى ليالي رمضان في كفر قرع، حزيران / يونيو 2018. (Amanda Borschel-Dan/Times of Israel)

“تشعر المرأة بتقدير كبير”، قالت.

ولكنها تلمح إلى أن هذا ليس هو الحال دائما، عندما تحدثت عن سبب تأسيسها لمنظمتها، “الوعي فور يو”.

“من الواضح أنني في أعماقي، لدي شيء يمتلكه المتمردون: أحتاج إلى النساء للحصول على مكانتهن الخاصة”، فالت بامتعاض.

في منظمتها، تعلِّم كناعنة والمتطوعون الآخرون الذين يتشاركون في التفكير النساء الشابات أنه يجب أن يكنّ متعلمات وأن يكون لديهن مهنة قبل الزواج.

“في القرآن هناك مساواة، لكن التقاليد الإسلامية أصبحت تقضي على النساء”، تقول كناعنة.

رسم جدار في كفر قرع لبيت من قصيدة لمحمود درويش، “على الأرض ما يستحق الحياة” ، يونيو / حزيران 2018. (Amanda Borschel-Dan/Times of Israel)

“أخبر النساء، المستقبل في أيديكن. لا تكنّ ربات بيوت، ستصبحن غير مستقلات”، لكنها تعترف أنه في الخريف، سيتزوج ابنها البالغ من العمر 23 عاما من فتاة عمرها 19 عاما.

تقول كناعنة إنها تفهم سبب استمرار النساء في الزواج. هناك عجز للأزواج المحتملين بسبب مجموعة متنوعة من العوامل: العرائس الأجنبيات اللاتي يتزوجن أولئك الذين درسوا في أوروبا الشرقية (“لقد جاءوا إلى منازلهم بشهادة – وشقراوات!”)، بالإضافة إلى عدد لا بأس به من اليهوديات اللاتي تحولن إلى الإسلام لأزواجهن.

وهي تؤيد بكل قوة دعمها للتعايش، لكنها ضد الزواج المختلط.

“إنه من الممتع العيش كجيران، ولكن من الصعب للغاية التزاوج”، كما تقول، مستشهدة بالعديد من العقبات على كلا الجانبين التي تحظر التعديل في ثقافة جديدة.

مسجد كفر قرع المضاء من باحة المواطنة آمنة كناعنة خلال جولة تسمى “ليالي رمضان”، يونيو 2018. (Amanda Borschel-Dan / Times of Israel)

في الوقت نفسه، تقول إن التحول إلى جيران أفضل يبدأ من التأكيد على ما هو نفسه بين الإسرائيليين اليهود والإسرائيليين المسلمين. وبما أن مبادراتها موجهة إلى النساء (غالبا ما تكون حول ورشات عمل الطعام)، فقد تحدثن عن الحمل، والولادة، وسلفهن المشترك إبراهيم.

“لماذا أنتم خائفون؟” تقول أنها تسأل كلا الجانبين في مجموعاتها. لكن بالنسبة إلينا، تقدم إجابة جزئية: “أنا أقوى من اليهود. أنا أعرف لغتهم؛ أكلت طعامههم. متى سيتعلم اليهود لغتي؟”

حتى ذلك الوقت، من خلال جولات ليالي رمضان وغيرها من النشاطات الاجتماعية، تبدو كناعنة جاهزة للعمل كمترجمة لجميع الأمور العربية.

“عمل حياتي هو بناء مجتمع تعاوني”، كما تقول. “الكثير من الدماء التي سفكها. على ماذا؟ أرض؟ هناك مساحة كافية في هذه الأرض تسعنا جميعا. للدين؟ نحن نصلي لنفس الرب”.

كانت الكاتبة ضيفة لدى “سيكوي – جمعية النهوض بالمساواة المدنية في إسرائيل”.