روكفيل، ماريلاند – حتى في زمن الإمبراطوريات الإسلامية المبكرة في القرن السابع، كان اليهود قد تأسسوا في الأراضي العربية منذ مئات السنين.

ازدهرت المجتمعات النابضة بالحياة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مع وجود معابد يهودية تنتشر في أفق المدن الكبرى من الجزائر إلى مدينة حلب السورية.

بمرور الوقت، بنى اليهود إرثا ثقافيا واسعا – مقبرة في السودان، نقوش باللغة العبرية في العراق، وقلاع خفية للإسرائيليين القدماء في المملكة العربية السعودية. حوالي في نفس الوقت الذي أنشأت فيه إسرائيل عام 1948، تغيرت الأمور إلى الأسوأ حيث اضطر اليهود إلى الفرار من البلدان العربية ذات الأغلبية المسلمة.

الآن، مع تهديد تغير المناخ، التنمية البشرية، والإرهاب بمسح ما تبقى، تتسابق منظمة غير ربحية لحماية هذا التراث قبل فوات الأوان.

منذ عام 2010، استخدمت منظمة “ديارنا” التي تتخذ من بوسطن مقرا لها أحدث تقنيات رسم الخرائط الرقمية ثلاثية الأبعاد إلى جانب الدراسات التقليدية والمقابلات الشفوية لتوثيق أكثر من 2500 موقع يهودي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

جيسون غوبرمان، مؤسس منظمة ديارنا اليهودية غير الربحية، يتحدث في مجمع ماغين دافيد سيفارديك في روكفيل، ميريلاند. (Larry Luxner/ Times of Israel)

توجد العديد من هذه المواقع في المغرب، العراق، الجزائر، اليمن، تونس، وسوريا.

“عندما أتحدث عن الحصون اليهودية في المملكة العربية السعودية، أحصل على تحديق واسع. لكن هذا يسلط الضوء على التاريخ المنسي وكذلك الطبيعة الحساسة للعمل الذي نقوم به”، قال جيسون غوبرمان، المؤسس المشارك والمنسق في “ديارنا”.

“هذا مشروع تاريخي. نحن لا نتدخل في سياسة المنطقة. نحن نركز على تحديد وتوثيق المواقع، وعلى جمع البيانات”، قال.

وأضاف غوبرمان، الذي تمت مقابلته خلال رحلة أخيرة تحدث فيها في منطقة واشنطن العاصمة، إن المفهوم الكامن وراء “ديارنا” تبلور قبل 10 سنوات. لقد ظهرت الفكرة بعد تخرجه المبكر من الكلية ورغبته الغامضة في تأريخ تاريخ يهود الشرق الأوسط خارج إسرائيل.

“قال صديق كان قد عاد لتوه من المغرب أن ابنته لها جذور يهودية هناك، وكان قلقا بشأن ارتباطها بتراثها اليهودي، حيث كانت المواقع تتدهور وتدمر”، قال غوبرمان.

مضيفا:”بدأنا التفكير في كيفية الحفاظ على هذا التراث وجعله سهل المنال. ثم اخترنا فكرة استخدام غوغل أيرث لتحديد المواقع وتوثيقها. كان لدينا جهازي كمبيوتر محمول – أحدهما يعرض برنامج غوغل أيرث والآخر صور متصلة أخرى. بعد عام من العمل، والشبكة المجنونة من الأصدقاء في جميع أنحاء الشرق الأوسط، أنطلقنا في أغسطس 2008”.

في غضون عام، تم ترشيح “ديارنا” لصندوق “سلينغشات”، الذي يعترف سنويا بأهم 50 مشروعا يهوديا في أمريكا الشمالية. وفازت المنظمة مرة أخرى في عامها الثالث.

تشير اللافتة إلى الطريق إلى معبد لغريبه، وهو معلم يهودي في جربة بتونس. (Larry Luxner/ Times of Israel)

“لقد لاحظوا كفاءة فريق المتطوعين لدينا، الذي كان يساهم ما يساوي 150,000-200,000 دولار سنويا، ولكن تطوعا”، وقال غوبرمان، الذي يشغل أيضا منصب المدير التنفيذي لمؤسسة سيفاردي الأمريكية. “الكثير من باحثينا على الأرض يفعلون ذلك من طيبة قلوبهم”.

في أي يوم، يختلف حجم فريق ديارنا من 15 إلى 20 باحثا ومتطوعا. قال غوبرمان إن هدفه هو تحديد المواقع اليهودية – المعابد اليهودية والمدارس والمقابر وما شابه ذلك. بعد ذلك، يطمح إلى “بناء البيانات ذات الصلة، والتي أصبحت تتضمن نماذج ثلاثية الأبعاد، صور بانورامية وأي وسائط متعددة يمكننا الاستفادة منها والتي توفر الوصول إلى هذه المجتمعات”.

لكن هذا العمل يأتي في كثير من الأحيان بسعر باهظ. كان أحد باحثي “ديارنا” قد أصيب بغاز الكلور في سنجار بالعراق، بينما كان يعمل في مشروع غير مرتبط بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان من قبل تنظيم (داعش) ضد الأيزيديين.

شاهد القبر العبري هذا هو أحد القناطر القليلة الباقية في المقبرة اليهودية في حلب، سوريا. (Larry Luxner/ Times of Israel)

في الحالات الأقل تطرفا، يتعرّض متطوعو المنظمة أحيانا للمضايقة والترهيب بسبب سؤالهم عن أسئلة حساسة عن المواضيع التي يفضل المسؤولون المحليون عدم مناقشتها.

أحد الأمثلة على ذلك هي ليبيا، التي يعود تاريخ مجتمعها اليهودي المزدهر في السابق إلى تدمير معبد سليمان، عندما تم نقل الحجارة من القدس من قبل اليهود الذين فروا من الرومان ونقلوا غربًا عبر الصحراء إلى شمال إفريقيا. بحلول أوائل القرن العشرين، كان حوالي ربع سكان العاصمة الليبية، طرابلس، من اليهود.

لكن في عام 1967، بعد حرب الأيام الستة، أجبرت تلك المجموعة على الخروج.

الوصايا العشر، المنقوشة بالعبرية، ونجمة داود الباهتة هي الآثار الوحيدة اليهودية التي بقيت من كنيس طرابلس القديم الأنيق – المنزل الروحي لآلاف اليهود الليبيين حتى تدميره في أعقاب حرب الأيام الستة في عام 1967. (Larry Luxner/ Times of Israel)

في ظل الدور الاستبدادي للجنرال معمر القذافي، كانت ليبيا معادية لليهود وإسرائيل، واليوم ليس هناك يهودي واحد يعيش هناك – على الأقل ليس صراحة. وهذا يجعل مهمة توثيق أنقاض كنيس دار البيشي في طرابلس أمرا صعبا للغاية.

تغيرت الأمور بعد الإطاحة بالقائد الليبي في عام 2011.

“كنا نأمل في العثور على شخص ذاهب إلى ليبيا، ولكن في ظل نظام القذافي، لم يكن هناك الكثير من الناس يذهبون إلى هناك. الطريقة الوحيدة الأخرى كانت العمل مع الناس على الأرض، لكننا لم نتمكن من الحصول على أي مخبرين محليين”، قال غوبرمان.

مهاوي المصفاة الضوئية من خلال النافذة إلى الداخل الذي تعرض لنهب في كنيس طرابلس ذي القباب، الذي كان في يوم من الأيام المركز الروحي للجالية اليهودية المزدهرة في ليبيا. تم التخلي عن الكنيس في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967. (Larry Luxner/ Times of Israel)

مضيفا: “كان الجميع خائفين للغاية، ولكن في اللحظة الأقل تفضيلاً خلال الحرب الأهلية، اتصلت بنا أحدهم – وهي مراسلة دولية لوكالة أنباء كبرى – وأخبرتنا أنها اكتشفت لتاريخ اليهود. لقد شرعنا في إجراء محادثة سكايب غريبة للغاية. كانت محاطةً بداعمي القذافي، لكنها لم تكن تراقب حركة مرور الويب، لذلك تمكنت من إرسال خريطة إيطالية قديمة لها. ثم لم أسمع منها لفترة”.

“لكنها التقطت الصور ودخلت في الكنيس. السبيل الوحيد لذلك كان وجود ثقب في الجدار. لقد دخلت وخرجت، بعد ذلك قام أفراد القذافي بمصادرة كاميرتها، لكنها التقطت صورا من هاتفها، لذلك كانت جميع الصور آمنة”، قال غوبرمان.

سوريا، مثل ليبيا، لديها تاريخ يهودي غني، ولكن مزقتها الحرب الأهلية.

يقع ضريح الحاخام يهودا بن بيتيرا الغامض ومقبرة يهودية قريبة في بلدة القامشلي الشمالية الشرقية، التي تمتد على الحدود السورية التركية.

نتيجة تدهور كبير منذ ثلاثينيات القرن الماضي، أصبح هيكل الطين الذي يمسك بقايا حاخام العهد الثاني في المعبد في العشرين سنة الأخيرة أسوأ، وفقا للصور الأخيرة. بقي القليل منه اليوم.

نساء يهوديات يضيئن الشموع في معبد غريبا في جربة بتونس. (Larry Luxner/ Times of Israel)

وفقا لشائعات لم يتم التحقق منها، لفترة من الوقت في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، قام اليهود في دمشق بتزييف موتهم وطلب الدفن في القامشلي حتى يتمكنوا من عبور الحدود إلى تركيا، حسب قول غوبرمان.

وللأسف، فإن معبد الياهو حنافي الشهير في دمشق – بساحته الأنيقة وتصميمه الداخلي المزخرف – قد أصيب بضربة مباشرة وتم تدميره كليا بسبب الحرب الأهلية.

“زعم المتمردون أن نظام الأسد دمره في عام 2014، بينما قال النظام إن المتمردين قاموا بذلك بينما كان الأسد يحاول حماية الكنيس. في مرحلة ما، تم نهبه، ونحن لا نعرف ماذا كان مصير الزينة الجميلة في الداخل. لكن شجرة في الفناء لا تزال قائمة”، قال غوبرمان.

كنيس لغريبه في جربة بتونس، مليء باليهود الذين يحتفلون بهيلولة سنوية، أو ذكرى للاحتفال بذكرى وفاة رجل مقدس. (Larry Luxner/ Times of Israel)

وقال إن خيبر في السعودية هي موقعه المفضل. تقع في منطقة الحجاز الخصبة حوالي 95 ميلا (153 كيلومترا) إلى الشمال من المدينة، ومن المفترض أنها تضم ​​سبع أو ثماني قلاع ورد ذكرها في الحديث النبوي على أنها تضم ​​حوالي 20,000 يهودي فروا إلى هناك بعد الإنتشار الإسلامي.

“باستخدام غوغل إيرث، حددنا ما نعتقد أنها القلاع السبعة”، قال غوبرمان. “في أعقاب المعركة، أعطى النبي محمد للطائفة اليهودية خيارا: إما أن يظلوا ويدفعوا جزية، أو يمكنهم أن يعتنقوا الإسلام، أو يمكنهم المغادرة. من ما نعرفه، اختار الناس جميع الخيارات”.

“اليوم، بينما لا يتذكر اليهود الموقع، فهو مسيّس للغاية. حزب الله يمتلك صواريخ اسمها خيبر قد أطلقوها ضد إسرائيل. وهناك حتى شعار “خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود””، قال.

لوسيان سريكي، في الأصل من فاس، المغرب، قابله إيدي اشكنازي من منظمة ديارنا اليهودية غير الربحية خلال زيارة لمجمع ماغين ديفيد سيفارديك في روكفيل، ميريلاند. (Larry Luxner/ Times of Israel)

هذا، كما يقول غوبرمان، يشهد على حقيقة أنه كان هناك مجتمع يهودي غني وثري في المملكة العربية السعودية في زمن النبي محمد. هذا الموقع، في الواقع، يتم الحفاظ عليه الآن من قبل الحكومة السعودية.

إن ميزانية “ديارنا” السنوية أقل من 100,000 دولار، على الرغم من أن غوبرمان يقول أنها في الأغلب تطوعية. بشكل مثير للفضول فإن معظم المتطوعين الميدانيين في المنظمة هم من غير اليهود.

“لدينا الآن عدة حملات مستمرة في جميع أنحاء المنطقة، لكننا أعطينا الأولوية للروايات الشفوية”، قال غوبرمان، الذي أجرى فريقه 330 مقابلة في العام الماضي وحده.

“ليس لدينا الكثير من الوقت في دول مثل ليبيا والعراق واليمن. كثير من الناس قدموا من طرابلس وبنغازي وبغداد، لكن ليس الكثير من المدن الصغيرة. قد يكون هناك شخص واحد فقط في قرية معينة، وعلينا العثور على هذا الشخص وسماع تلك الذكريات قبل فوات الأوان”، قال.