في كانون الأول/ديسمبر 2015، في ذروة التحقيق في الهجوم الذي وقع  في قرية دوما الفلسطينية، استغل وزير التعليم نفتالي بينيت الفرصة ليضع الأمور في نصابها الصحيح فيما يتعلق بسلوك المحققين في جهاز الأمن التابع للشين بيت، والذين تم التحقيق بشأنه.

“لقد راجعت (هذه القضية) بدقة، كما فعل وزير العدل. لا يتم تعليق المشتبه بهم [اليهود] من أرجلهم، ولم يكن هناك أي اعتداء جنسي أو محاولة الانتحار. كل شيء يجري الإشراف عليه والتحكم فيه على أعلى مستوى”، أخبر بينيت الحشد بشكل صارم في مؤتمر تديره صحيفة ’بيشيفاع‘ الدينية القومية.

“من تفضلون التصديق؟ ايتمار بن غفير أم ايليت شاكيد، وزيرة العدل في دولة اسرائيل؟ ما الذي يحدث هنا؟”، صاح في غضب ظاهر على أعضاء من معسكره الذين بدأوا مؤخرا بالتحدث ضد الشاباك. لقد دفعهم محامو المشتبه بهم في هجوم دوما، ومن بينهم الناشط اليميني المتطرف بن غفير، الذين زعموا أن موكليهم تعرضوا للتعذيب الوحشي أثناء استجوابهم.

ويبدو أن قرار المحكمة المركزية في الأسبوع الماضي بتجاهل الإعترافات التي تم الحصول عليها من المشتبهين من خلال “وسائل خاصة” دحض تأكيدات بينيت بأنه لم يتم تجاوز أي خطوط من قبل الشاباك.

في حين قامت المحكمة غيّرت العديد من التكتيكات التي استخدمتها أجهزة الأمن أثناء التحقيق مع عميرام بن أوليل وشريكه الذي لم يكشف عن اسمه – وهو قاصر في وقت الهجوم – ما تم السماح بنشره في الوثيقة المكونة من 188 صفحة أعطى فكرة واضحة عما قام به المحققون للدفع من أجل انتزاع اعترافات من المتهمين. علاوة على ذلك، يلقي القرار الضوء على الأساليب التي تستخدم بشكل روتيني ضد المشتبهين الفلسطينيين، وفقا للخبراء.

يتحدث نفتالي بينيت دفاعًا عن الشاباك وسط اتهامات بأن المحققين قاموا بتعذيب المشتبه بهم في هجوم دوما يوم 23 ديسمبر 2015. (لقطة شاشة / يوتيوب)

مؤلم، مؤلم جدا

عدة أشهر بعد 31 يوليو/تموز 2015، أدى الهجوم الذي أسفر عن مقتل الرضيع الفلسطيني علي سعد دوابشة ووالديه ريهام وسعد دوابشة في قرية دوما بالضفة الغربية، إلى إكتشاف واضح في التحقيق إلى اعتقال بن أوليل والقاصر الذي لم يكر اسمه.

منذ تاريخ اعتقال كل منهما، مُنع المشتبهين من مقابلة محاميهم لمدة 21 يوما، وهو الحد الأقصى من الوقت المخصص للمحققين عندما يعتبر التحقيق قيد النظر “سيناريو قنبلة موقوتة”.

وذكر قرار المحكمة في الأسبوع الماضي بالتفصيل كيفية التزام بن أوليل الصمت خلال 17 يوما الأولى من الاستجواب، وعندها بدأ الشاباك سلسلة من “الاستجواب الضروري”، حيث تم تفويض الوكلاء باستخدام أساليب معززة ضده تحت ذريعة أن هجوما آخر قد يكون وشيكا.

وكانت التفاصيل الدقيقة بشأن ما حدث خلال “استجوابين” من هذا القبيل سرية إلى حد كبير، لكن قرار المحكمة يكشف عن أن جلسة استمرت سبع ساعات والأخرى خمس ساعات.

سعد ورهام دوابشة، مع طفلهما علي (لقطة شاشة: القناة 2)

ما أدرجه القضاة في حكمهم كان شهادة “ميغيل”، الذي ترأس فريق المحققين. قال ميغيل للمحكمة إنه بعد تجربة بعض التكتيكات على نفسه، اعتبرها “مؤلمة أو حتى مؤلمة للغاية”.

خلال كل من “الإستجوابات اللازمة” التي أجريت عليه، اعترف بن أوليل بتنفيذ الهجوم. كل من هذه الاعترافات ألغيت من قبل القضاة في الأسبوع الماضي.

تمرين مٌخبر السجن

بعد التمديد الأول لحبس القاصر في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، نقلت الشرطة الشاب البالغ من العمر 17 عاما إلى مركز احتجاز في عكا. هناك، تم تحريك السجن بأكمله لإجراء تمرين مفصل يهدف إجبار المشتبه على الاعتراف.

تم وضع القاصر في زنزانة بداخلها أربعة مساجين. في زنزانة مجاورة كان هناك عدة “سجناء يهود” آخرين، وكان في زنزانة ثالثة مجاورة مجموعة من المدانين العرب.

كجزء من التمرين، تم تخطيط عراك بين السجناء، والذي بلغت ذروته عندما “قام أحد السجناء اليهود “بطعن” سجين عربي.

وكان الرجل الذي لعب دور الطاعن قد شارك الزنزانة مع القاصر الذي شهد تهريب السكين الذي استخدم في الطعن المُمثّل.

عميرام بن اولئيل، الذي تم توجيه لائحة اتهام ضده في 3 يناير 2016 لقتل افراد عائلة دوابشة في دوما (courtesy)

متظاهرا بالقلق من أن المراهق سينقلب عليه، طالب زميله في الزنزانة بأن يقدم القاصر معلومات عن بعض الجرائم التي ارتكبها حتى لا يكون لأي منهما يد عليا على الآخر.

الفتى رفض في البداية.

ثم استجوبه الشاباك، الذي سلمه علبة مشروب غازي في نهاية التحقيق. ولاحظ السجناء الشراب لدى عودته إلى الزنزانة وبدأوا على الفور بإتهامه بالوشايـة. عازما على الدفاع عن اسمه، وافق المراهق على إعطاء تفاصيل عن مختلف الجرائم التي ارتكبها، والتي شملت عددا من هجمات الكراهية ضد القرى الفلسطينية.

وتحدث عن حريق دوما أيضا، لكنه تجنب توريط نفسه مباشرة في الهجوم.

واعتبرت المحكمة أن الاعتراف المحصول عليه أثناء التمرين في مركز احتجاز عكا مقبول في القضية المرفوعة ضده.

’أقتلوني أفضل‘

متحمسين للحصول على معلومات إضافية حول دوره في هجوم دوما، قام محققو الشاباك بثلاثة “استجوابات ضرورية” للقاصر على مدار فترة أربعة أيام.

وخلال آخر هذه الاستجوابات، قال المحققون للمراهق إنه لم يخبرهم بالحقيقة بعد.

ردا على ذلك، قال المشتبه للمحققين أنه على استعداد للاعتراف بما يريدونه. وقام بالاعتراف بالتخطيط وتنفيذ هجوم دوما قبل أن ينهار بالبكاء والسؤال عما إذا كان الاستجواب سيتوقف.

وقال المحققون أنهم لم يصدقوا المراهق واستمرّ التحقيق.

وعندما مثل أمام المحكمة في اليوم التالي لعقد جلسة حول تمديد الحبس الاحتياطي، سأله القاضي كيف حاله.

صورة توضيحية: شرطي فلسطيني يتفقد الأضرار داخل منزل محترق في حادثة اضرام نار في العام الماضي قام بها متطرفون يهود أسفرت عن مقتل عائلة فلسطينية، في قرية دوما بالضفة الغربية، في الساعات الأولى من يوم 20 مارس 2016. (AFP / Jaafar Ashtiyeh)

“لم أنم الليلة الماضية ولن أنام الليلة أيضا، ما لم يتغير شيء ما”، رد القاصر بذهول. “إنهم يستجوبونني بعنف بشأن شيء لا يمكنني مساعدتهم به لأنني لا أعرف. إنهم يضربونني ويثنيون ظهري ويضحكون علي وينظرون إلي بازدراء. ما الذي يجب علي فعله؟ كيف يمكنني أن أحمي نفسي؟”.

مضيفا: “أنا أصرخ كمجنون، أبكي كالطفل بينما هم يضحكون، ’قاتل، قاتل‘. قلت لهم أن يقتلوني بدلا من أن يفعلوا ذلك معي. قوموا بتسميمي. أنا أتوسل إليك حضرة السيد، لا أستطيع أن أفعل هذا بعد الآن”.

ومضي القاضي في تمديد الحبس الاحتياطي للمشتبه وأُعيد إلى مرفق الإحتجاز.

في تلك المرحلة، حاول الشاب قطع شريان رسغه. وأشار إلى الحادثة خلال جلسة استماع لاحقة أمام القاضي تم توثيقها في قرار المحكمة الأسبوع الماضي.

طوى المشتبه به ورق قصدير من الوجبة التي حصل عليها وحوّله لأداة حادة وبدأ إيذاء نفسه.

أحد المشتبه بهم في الهجوم في دوما يظهر الندوب المتبقية من محاولته الانتحار. (Honenu)

ومع ذلك، فشل في جرح نفسه بشكل عميق بما فيه الكفاية وفي النهاية استسلم.

“لقد قلت لنفسي، ’عظيم، هذا هو بالضبط ما أحتاجه الآن. لقد حاولت قتل نفسي‘. لم أموت، والآن سأضطر للنوم مربوطا بالسرير لأن هذا ما يحدث للسجناء الذين يحاولون الانتحار”، قال.

“لذا لا يكفي أن أكون مقيَّدا طوال اليوم أثناء الاستجواب، ولكن الآن سأكون ملزما بالسرير عندما يأتون كذلك”، أضاف المشتبه للقاضي.

وأكدت النيابة العامة أن الحادث كان “تلاعبا” – أي محاولة من المشتبه به لوقف التحقيق والضغط على المحققين. وأضافت النيابة أن القاصر قد أخبر أخصائي علم النفس الذي فحصه بعد الحادث أنه لم تكن لديه نية لإيذاء نفسه.

أقرت هيئة القضاة بإمكانية أن يكون الفعل في الواقع تلاعبا، لكنها قالت إنها ما زالت تعزز الواقع فيما يتعلق بمدى استعداد القاصر للعمل “لمنع استمرار الاستجواب العنيف”.

التحرش الجنسي

كما اشتكى القاصر من ما وصفه بالتحرش الجنسي الذي تعرض له طوال فترة استجوابه.

“لقد تحدثوا أيضا عن أمور أرادوا تجريبها … وأعتقد أن ذلك تم عمدا لأنني شخص متدين”، ذكر القاصر للقاضي خلال جلسة أخرى من جلسات الإستماع.

مضيفا: “على سبيل المثال، يتحدث روني (أحد المحققين) عن مدى اهتمامه بتجربة جنسية مع رجل، ووضع يده علي (عندما قال ذلك). هذا شيء أزعجني وهو علم بذلك”.

ناشط من اليمين يحمل لافتة كُتب عليها “لا تعذبني” خارج مبنى المحكمة في مدينة بيتح تيكفا حيت تجرى محاكمة المشتبه بهما في هجوم دوما، 28 ديسمبر، 2015. Neuberg/Flash90)

وأجبر المحققون المشتبه بهم على الاستماع إلى الأغاني لمغنيات نساء، وهو شيء يحرمه بعض اليهود الأرثوذكس المتشددين.

كما أُبلغ بن أوليل وشريكه المزعوم أنه تم اعتقال أفراد عائلاتهم بسبب رفضهم التعاون مع التحقيق.

توجّه أوسع

يستشهد حكم محكمة منطقة المركز الأسبوع الماضي بتشخيص الطبيب الذي فحص القاصر وشخص حالته بإصابته باضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية.

وأشار القضاة في قرارهم أيضا إلى شهادة من بن أوليل التي وصف فيها المعاناة من الأرق والكوابيس عندما نجح في النوم بعد خضوعه “للاستجواب اللازم”.

خليل زاهر، المحامي في اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، قال إن التكتيكات التي استخدمها محققو الشاباك في تحقيق هجوم دوما لم تكن فريدة من نوعها.

“كثيرا ما نرى حالات مماثلة في الشهادات التي نجمعها من فلسطينيين تم استجوابهم من قبل الشاباك”، قال زاهر. “غالبا ما يسمع المشتبه بهم المتدينين الإيحائات الجنسية والتهديدات الموجهة ضدهم وأفراد عائلتهم”.

نشطاء من اليمين الاسرائيلي خلال مظاهرة دعم للمعتقلين المشتبه بهم في الهجوم على عائلة دوابشة من دوما يمثلون التعذيب المزعزم الذي يتلقاه المعتقلين. تل ابيب 23 ديسمبر، 2015 Tomer Neuberg/Flash90

وقال محامي اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل إن الضحايا المتدينين عادة ما يمتنعون عن ذكر الشتائم حرفيا، بل الإشارة إليها على أنها “أشياء لا يمكنني أن أنطقها” – على غرار كيف استذكر المشتبهون بهما في هجوم دوما التعليقات التي صدرت أمامهم.

وقال زاهر إن طريقة تعامل المحكمة مع محاولة الانتحار كانت إعتيادية أيضا.

“نادرا ما يتوقف الاستجواب عندما يهدد المشتبه به بالانتحار”، مضيفا أنه يتم عادة استدعاء عامل اجتماعي لمنح الإذن باستجواب المعتقلين بأيديهم وأقدامهم مربوطة.

في شرح قرارها بالتخلص من الاعترافات التي تم الحصول عليها بالإكراه، أشارت المحكمة إلى أن “هذه التدابير تنتهك بشدة الحق الأساسي للمتهمين في الحفاظ على سلامة الجسد والنفس وكرامة المتهم”.

ومع ذلك، بالإضافة إلى الاعترافات التي أدلى بها القاصر خلال تجربة المخبرين في السجن، حكم القضاة أيضا أن عدة اعترافات أخرى بالذنب ستكون مقبولة في القضايا المرفوعة ضد الاثنين، بالنظر إلى أنها أعطيت بشكل جيد بعد إنهاء “الاستجواب الضروري”.

وقال مسؤول في وزارة العدل تحدث إلى التايمز أوف إسرائيل يوم الأربعاء بشرط عدم الكشف عن هويته إن النيابة لا زال لديها ما يكفي لإدانة كل من المشتبه بهما، وأنه في حين أن بعض التكتيكات المستخدمة “قد تتطلب نظرة ثانية، فإنها كانت جزءا من التحقيق الأوسع الذي أجبرهم في النهاية على الاعتراف بما فعلوه”.

وأضاف أن المحكمة أجازت قرار الشاباك بتنفيذ “الاستجواب الضروري” نظرا لخطورة الجريمة والقلق من وجود هجمات مماثلة.