يستغرق الأمر بعض الوقت للإعتياد على الضجة. نوع من المزيج الغير منتهي من الأصوات والصرخات. حشود كبيرة من الناس وحوالي 180 كشك، محملة جميعها بأجود أنواع الفواكة والخضار. قبل أيام قليلة تم افتتاح المركز التجاري الجديد وتحول بسرعة إلى واحد من أكثر الأماكن شعبية لسكان جنين ولمواطنين إسرائيليين من العرب أيضا، وخاصة سكان وادي عارة.

“المجمع”، هذا هو الإسم الذي يطلقه سكان المنطقة على هذا المكان الذي بادرت البلدية إلى إنشائه. جميع الأكشاك الغير قانونية التي عملت في سوق جنين، تم نقلها إلى هنا بصورة منظمة، ومن حصل على ترخيص بالعمل بإمكانه بيع بضاعته هنا. “ثلاثة بعشرة، ثلاثة بعشرة”، هتف بأذني أحد الباعة. 3 كيلوغرام خيار بعشرة شيكل. وأضاف، “البندورة بسبعة شيكل للكيلو”. في أكشاك أخرى الأسعار أقل من ذلك أيضا.

يقترب منا شاب فلسطيني ويطلب مني تسجيل اسمه. “محمد صغير. أنا من مدينة جنين. يوجد لدي كشك أريد فتحه والبلدية لا تسمح لي بذلك. لماذا حصل كل الناس هنا على رخصة؟ لأنه يوجد هناك من يتم التمييز ضدهم. كل أولئك الذين اشتروا مني في الماضي يدركون أنني أبيع بضاعة جيدة. أنني أحترم زبائني. لدي أربعة أطفال وما أريده فقط هو إعالتهم”.

وهذه هي قصة جنين “الجديدة” بسطور قليلة. لم تعد هذه المدينة منذ وقت طويل المدينة التي عرفها الإسرائيليون من أيام الإنتفاضة الثانية. “عاصمة الإنتحاريين”. أكثر الأماكن خطورة في الضفة، التي شهدت أشد المعارك التي عرفها الجيش الإسرائيلي خلال عملية “الدرع الواقي”.

لم يعد هناك أحد يتكلم عن إنتفاضة أو حرب مع اليهود. الجميع يتحدث عن رواتب ومعيشة. اختفى المسلحون ويتم فتح المزيد والمزيد من المراكز التجارية، في محاولة لإجتذاب الزبائن من مواطني إسرائيل العرب الذي يزورون المدينة.

شوارع جنين (Almonroth, Wikipedia)

شوارع جنين (Almonroth, Wikipedia)

جنينغراد

يبدأ الإزدحام المروري في الطريق المؤدية إلى حاجز جلمة. يتدفق عدد كبير من السيارات الإسرائيلية بإتجاه جنين. يحرص حراس الأمن على التأكد من أن ركاب المركبة هم عرب إسرائيليون وليس بيهود يريدون الدخول إلى الأراضي الفلسطينية، وخلال ثوان قليلة تدخل المركبات داخل حدود المدينة.

يأتي الجميع تقريبا للقيام بمشتريات. جزء منه جاء لزيارة المدينة. أيام السبت هي الأكثر ازدحاما، حيث يصل آلاف الزوار من إسرائيل إلى جنين، أو كما وصفها ياسر عرفات، جنينفراد، بسبب المعركة الشهيرة في مخيم اللاجئين في المدينة خلال عملية “الدرع الواقي”. 23 جنديا إسرائيليا و-58 فلسطينيا، كانت هذه حصيلة المعارك الضارية التي انتهت بهدم جزء كبير من مخيم اللاجئين بواسطة جرافات الجيش الإسرائيلي.

أقام سكان المخيم لتكريم “الشهداء” من عام 2002، مقبرة خاصة. ولكن أزمة القبور في المخيم جعلت منها مقبرة مفتوحة يتم فيها دفن الموتى “العاديين” أيضا. كُتب على كل شاهد قبر بعض الكلمات بالإضافة إلى اسم المتوفي أو الشهيد. وأيضا اسم المنظمة التي انتمى إليها والحدث الذي قُتل فيه. وقعت المعركة الشهيرة التي نصب فيها مسلحون كمينا لجنود إحتياط من الوحدة الخامسة وقتلوا 13 منهم ليس بعيدا عن هنا، في حي الحواشين.

تتذكر فاتنة صالح، اليوم في الـ 46 من عمرها، كل دقيقة تقريبا من هذه اللحظات. “كنا في البيت عندما بدأت المعركة. كل عائلات الجيران، رشيدة وعايشة، أتوا إلينا وسكنا 37 شخصا في منزل واحد. من حولنا كان هناك إطلاق نار كل الوقت، وقامت الدبابات بتدمير منازل وقُتل أشخاص. ولدت أختي طفلها في هذا المنزل. بعد 11 يوما خرجنا مع رايات بيضاء وسلمنا أنفسنا”، كما تتذكر صالح.

تركت هذه الأيام الصعبة خلال عملية “الدرع الواقي” ندبات مؤلمة بالنسبة للكثيرين هنا. فمع أنه تم إصلاح المنازل التي دُمرت قبل سنوات ولكن لا يزال البعض منها يحمل علامات الرصاص الذي أصاب جدرانها.

تزين صور “الشهداء” كل جدار في المخيم. البعض منهم من كتائب شهداء الأقصى، آخرون من حماس ولكن معظمهم من الجهاد الإسلامي حيث تُعتبر جنين معقلا لهذه الحركة في الضفة. أبرزها لـ”محمد طوالبة”، الناشط من الجهاد الإسلامي الذي كان على مدى سنوات المطلوب رقم واحد في الضفة. هنا في مفترق الطرق الصغير، تدير عائلته مصلحتها التجارية، ما يشبه كل-بو لسكان المخيم أُطلق عليه اسم “طوالبة 2”. في المخيم هناك أيضا مسجد على اسمه.

ولكن هذه المعارك تبتعد أكثر وأكثر عن الذاكرة العامة. يوم الثلاثاء، بدا الملل على هذه المخيم سيء السمعة. تشاجر طفلان فيما بينهما وكسرا الصمت. اللافتة الشهيرة التي تحمل صورة رئيس العراق السابق التي تطل من أحد شوارع المخيم تُبين وليس بالكلمات الأجواء الجديدة. “حي القائد الشهيد صدام حسين”، كُتب قبل سنوات. ولكن اللافتة بهتت تماما ولم يعد ممكنا التعرف على شخصية صدام في الظل الذي تبقى في الصورة.

يعيش هنا 17,000 شخص، معظمهم تحت خط الفقر. نسبة البطالة هنا مرتفعة، من أعلى النسب في المنطقة، بالرغم من عدم وجود الكثير من الأشخاص الذين يتجرأون على تحديد هذه النسبة. نسبة البطالة الإجمالية في محافظة جنين هي 20%، يمكن التكهن فقط أن الأرقام في مخيم اللاجئين هي ضعف هذا الرقم تقريبا.

في حي آخر في المخيم، على بعد مئات الأمتار من منزل فاتنة، يواصل “مسرح الحرية”، الذي تم تأسيسه على يد جوليانو مير، الممثل الإسرائيلي المعروف الذي انتقل للعيش هنا حتى مقتله في أبريل 2011، عمله. حتى هذا اليوم لم يُعرف بعد من الذي يقف وراء الجريمة.

جوليانو مير خميس امام مسرح الحرية في مخيم اللاجئين جنين (Issam Rimawi / FLASH90)

جوليانو مير خميس امام مسرح الحرية في مخيم اللاجئين جنين (Issam Rimawi / FLASH90)

يتواجد المدير الثاني للمسرح، زكريا زبيدة، الصديق المقرب لمير، والذي كان يُعتبر في ذلك الوقت قائدا لكتائب شهداء الأقصى وربما “العريف” المحلي، في نوع من الحبس في منشأة للأمن الوقائي الفبسطيني في رام الله، في إطار اتفاق مع إسرائيل يهدف إلى إبعاده عن النشاط المسلح من جهة ومنع اغتياله من جهة أخرى.

نظرة محمد صبار

في مكتب الخدمات في مخيم اللاجئين التقينا مع محمد صبار (41 عاما)، الذي كان شقيقه علاء يُعتبر قائد زبيدة في كتائب شهداء الأقصى حتى مقتله عام 2002. قضى صبار (23 عاما) في السجن الإسرائيلي. “قتلت شرطيا عام 1990″، كما يروي، “عندما كنت في السادسة عشرة والنصف فقط. منذ ذلك الوقت كنت في السجن حتى إطلاق سراحي في الدفعة الثانية بموجب الإتفاقات بين أبو مازن (رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس) وإسرائيل”.

هل يتحدث الجيل الجديد في المخيم اللغة التي تحدثتما بها أنت وشقيقك؟ مقاومة، عنف، إنتفاضة؟

“جيلي في سنوات الإنتفاضة الأولى أو أخي في الثانية، ليس كالجيل الجديد اليوم. لغتهم ليست لغة إنتفاضة. كان هنا قبل وصولكم بقليل طالبين جامعيين. تحدثنا عما يريده الناس هنا في المخيم. ستتفاجأ عندما تعرف أنهم لا يتحدثون عن اشتباكات وتصعيد. هذا ليس في وعيهم الآن. لا يريد أي شخص العودة إلى 2002. يريد كل شخص أن يساعد نفسه بشكل شخصي.

“هنا في مكتبي، نفكر في مشاريع لتحسين الظروف في المخيم ولكن ليس اكثر من ذلك. في الواقع القائم أنت تفكر بأماكن عمل، مشاريع إجتماعية، ولا تبحث عن تغيير الوضع بشكل جذري. حتى المنظمات الفلسطينية اصبحت سلبية، ولا تحاول أخذ زمام المبادرة.

“وعلي أن أقول أن شعوري هو أننا نجحنا في تحقيق أمور أكثر مما حققناه في سنوات الحرب. لدينا اعتراف دولي ومكانة ونعم، نحن نريد المزيد، نريد دولة، ولكن في الوقت الحالي يبدو لي أن الوضع القائم، هذا الهدوء، سيصمد، على الأقل طالما أن أبو مازن في السلطة.

“صحيح أننا في طريقنا إلى المجهول. تسألني ’ماذا سيحدث؟’ لا أعرف. لا يستطيع أي شخص أن يعد بشيء. ولكن لا يوجد أي شخص هنا، بما في ذلك أفقر الأشخاص، يرغب بالفوضى”.

’نعم، حتى بالنسبة للاجئين تنازل أبو مازن على الرغم من إنكاره لذلك. لذا فحقا لم يتبقى أي شيء في نظري سوى التوصل إلى سلام’

يقول هذه الكلمات بلغة عبرية اكتسبها في السجن ويتحدثها بطلاقة. “قيادتنا هي التي تحدد السياسة. لا يقوم كل شخص بأخذ القانون إلى يديه. ليس مقبولا اليوم أن تكون مسلحا في المخيم أو في كل مكان آخر. تقديري هو أننا لن نعود قريبا إلى الوضع في 2002. المكان الأساسي الذي يتواجد فيه الناس حاليا هو أنهم يريدون العيش بكرامة. لا ثورة ولا عنف.

“وعندما يقول قائدنا الرئيس ’كل شيء عدا العنف’ فلذلك تأثيره. في النهاية الشعب يتأثر من موقف الرئيس والقيادة ويعود ذلك في جزء منه إلى أنه ثابت عليه. فهو يكرر الجمل ذاتها كل الوقت ويفهم الشعب الرسالة. لا نريد العودة إلى الحلقة ذاتها.

“بالطبع هناك أمور لا تتعلق بنا فقط ويجب تذكر ذلك أيضا. يوجد هنا منظمات مختلفة يكفي أن تقوم بشيء ما لتذهب الأمور على نحو خاطئ. على سبيل المثال حماس. سمعنا مؤخرا أنه تم القبض على خلية تابعة للحركة خططت لهجمات ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تدمير كل شيء، على الرغم من الرغبة القوية بعدم العودة إلى العنف.

“أملي هو أنه على الرغم من وجود حكومة يمينية في إسرائيل، أن يتغير شيء ما في مجتمعكم ومجتمعنا للأفضل. حيث أن الجميع يعرف كيف سيكون إتفاق السلام إلى حد كبير. الحدود، القدس، اللاجئون. نعم، حتى بالنسبة للاجئين تنازل أبو مازن على الرغم من إنكاره لذلك. لذا فحقا لم يتبقى أي شيء في نظري سوى التوصل إلى سلام”.

ولكن هل يحترم الشبان عندكم السلطة؟

“لا، ببساطة لا. وسأقول لك السبب. الإقتصاد. لا تقدم السلطة المساعدة لأي شخص في المخيم. فقط الوكالة (الأونروا – وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين). نسبة البطالة والفقر مرتفعتان هنا. الوضع الإقتصادي صعب، لا يستطيع الناس إنهاء الشهر. البعض هنا لا يملك المال لشراء خبز ونحن نحاول المساعدة قدر الإمكان. والسلطة لا تقدم المساعدة لأنه بالنسبة لها ’الوكالة’ هي وهي فقط التي من المفترض أن تقدم المساعدة. بحسب تعريف السلطة، نحن مخيمات اللاجئين تهتم بشؤوننا الأمم المتحدة وليس هي.

“ولا تفهمني بشكل خاطئ، فليس بإمكانهم المساعدة حتى لو أرادوا ذلك: أموال البلدان المانحة للسطلة لا يمكن أن يتم تحويلها للاجئين لأنه توجد هناك أموال تقوم الدول المانحة بتحويلها بشكل مفصل للأونروا. المشكلة تكمن في أن للأونروا لا يوجد ما يكفي. أي أنه أذا أردت الحصول على مساعدات لمدرسة معنية كما حدث معي مؤخرا، وضحت السلطة لي أن هذه مهمة ’الوكالة’. ولكن الأونروا قالوا ’لا يوجد لدينا أموال’. لذا لا يوجد هناك من يساعدهم. وفي كثير من هذه القضايا نجد أنفسنا، نحن اللاجئون، في ضياع. تخرج بخفي حنين من هنا ومن هنا.

“تحاول بالقدرات القليلة التي تملكها الصمود. ومع ذلك، المشاكل هنا كبيرة جدا. سأقول لك شيئا، مشاكل مخيمات اللاجئين كبيرة أيضا على السلطة الفلسطينية”.

هل هذا تمييز حسب رأيك؟ هل تشعر بأن هناك تمييز ضدك؟

“في نظري لا، ولكن يوجد هنا شعور بين السكان بأنهم مواطنون درجة ثانية. بأننا لا نحصل على مساعدات ورعاية مثل الباقين. يتعلق ذلك بالطبع بمسائل سياسية. لا يمكن للسلطة حل مشاكل المخيمات. لا يمكنهم القيام بأي شيء تقريبا لحل مشكلة البطالة. توجد هناك عائلات كاملة تعيش على 750 شيكل في ثلاثة أشهر، لأن هذه هي رسوم البطالة التي تدفعها لهم الوكالة. أقوم أنا بإقامة مخيم يكلف 25 شيكلا، دفعة لمرة واحدة. والناس غير قادرين على دفع هذا المبلغ أيضا.

“ويثير الوضع الإقتصادي توترا ضد السلطة، يشهد كثيرا من التصاعد والتخفيف في حدته. في النهاية، الإتجاه العام للقيادة – أي الهدوء، هذا ما يريده الجميع”.

هدوء، يتم إجراء أعمال تطوير هنا

وسط المدينة، مقبل مدخل البلدة القديمة، يقوم فلسطيني بدهن قبة المسجد. تم تنظيف السوق القديم من الأكشاك وتنظيف الشوارع.

أحد أصحاب المحال التجارية في السوق، إبراهيم شوابنة يدور راضيا جدا. “يرغب الجميع بالنظام. من الجيد أن لدينا هنا قانون وسلطة فلسطينية ولم تعد هناك فوضى أو مسلحون، هذه الظاهرة انتهت”، كما قال. “أستطيع الذهاب للنوم بهدوء، وأن أعرف أنه لا يكون هنا كل ليلة اقتحامات وسرقات كما كان في السابق. بنيغي على السلطة أن تكون قوية، ومن ينتهك القانون يجب أن يُعاقب”.

في سينما المدينة، السينماتيك المعروف، أُقيم في الأيام الثلاثة الأخيرة مهرجان السيباط، وهي كنية البلدة القديمة في جنين. يقول زوار المهرجان أن التحرك كان صعبا لكثرة الزوار. عدد كبير من عروضات الرقص والغناء والفنون الفلسطينية ونشاطات للأطفال والكثير من النشاطات الأخرى.

وتم ترميم البلدة القديمة، “السيباط”، أيضا بمبادرة من الحاكم الفلسطيني، إبراهيم رمضان (أبو إياد). من الممكن أن تجد هنا محال تجارية “من الزمن الجميل”. نسمع في واحد منها عزفا على العود. يخرج إلينا العازف شادي عيلري، ويقول لنا، “أنا أعمل في مصنع ألومنيوم ولكن هوايتي هي العود. لماذا العود؟ لأن لديه نغمات مختلفة أحبها جدا. أنا أعزف من سن الـ 15، بالأخص لنفسي”.

مع أن الوضع الإقتصادي هنا معقول نسبيا مقارنة بمدن أخرى في الضفة، ولكن الأوضاع ليست بالجيدة على أقل تقدير. يبدو على سائقي سيارات الأجرى الذين يتجمعون في المحطة المركزية في المدينة (كما في أماكن أخرى) الإستياء بسبب المدخول المنخفض، ولكنهم لا يوجهون إنتقادات ضد السلطة. فهم يتذكرون جيدا السنوات التي كانت فيها جنين محاصرة من دون إمكانية الخروج منها على الإطلاق.

اليوم بإمكان سائق سيارة أجرة يخرج من جنين شمال الضفة السفر حتى الخليل في جنوبها من دون أن تعترض طريقه حواجز (إلا إذا كانت هناك حواجز فجائية).

يروي سائق سيارة أجرة يُدعى مازن سلامة من قرية جبع أن معدل مدخوله اليومي يصل إلى 70 شيكل. “الوضع الإقتصادي لم يكن جيدا في الأشهر الأخيرة لأنهم لم يقوموا بدفع الرواتب لمستخدمي السلطة بشكل كامل. سنرى الآن إذا كان ذلك سيتغير”.

كيف تنجح بالعيش من 70 شيكل؟

“من قال لك أنني أعيش. لدي ستة أنفار في البيت. لا أحصل على مساعدة. والناس هنا يريدون كسب لقمة العيش. هل تعتقدون أننا نرغب بالدماء أو العنف. لا وألف لا. يرغب الشعب الفلسطيني بالهدوء والإستقرار وكسب لقمة العيش. تماما مثلكم. وعلى عكس الوضع في سنة 2000، لدى الشعب اليوم عقل. بماذا ستفيدنا إنتفاضة الآن؟ ماذا سنجني منها؟ لن تخدمنا الإنتفاضة ونحن لا نرغب بها.

“المشكلة هي أنكم أنتم الإسرائيليون وعدتم من عام 93 بوعود سلام. وما الذي حصلنا عليه؟ تخيل أنك تقول لإبنك، ’سأعطيك حلوى بعد أسبوع’، وبعدها تقول له ’في الواقع في الأسبوع القادم’، وهكذا تواصل المماطلة معه أكثر وأكثر. من الواضح أنه سينفجر في النهاية”.

’يريد الناس هنا أن يأكلوا ويحصلوا على لقمة العيش. هذا ما يعني الجميع. وإذا وقع حادث أمني صعب، من الواضح لنا أن الوضع الإقتصادي سينهار مجددا’

يكسب البعض مالا أقل. صبحي عطاطرة هو منظف الحمامات في محطة سيارات الأجرة، ويعاني من إعاقة في ساقية، يكسب في اليوم حوالي 50 شيكل.

صاحب محل الفلافل، أيمن مطاحنة، يكسب ضعف ما يكسبه عطاطرة – 100 شيكل في اليوم وكل واحد من العاملين الإثنين عنده يكسب في اليوم 50 شيكل. “سعر الوجبة 3 شيكل والوضع الإقتصادي لدى الجميع ليس بالجيد. في نهاية المطاف توفر السلطة الأمن والإستقرار ولا شك أن الوضع أفضل مما كان عليه قبل 10 أعوام. لا نريد إنتفاضة ثالثة. نقطة. لا وألف لا، يريد الناس هنا أن يأكلوا ويحصلوا على لقمة العيش. هذا ما يعني الجميع. وإذا وقع حادث أمني صعب، من الواضح لنا أن الوضع الإقتصادي سينهار مجددا”.

بائع سمك يُدعى نور الدين يبدو أقل حماسا عند الحديث عن السلطة. يحصل على البضاعة مرتين في الأسبوع مباشرة من يافا. عدد وافر من سمك البوري والدنيس وأنواع أخرى. تزين وجهه لحية سميكة تثير الشبهات بأنه من مؤيدي حماس. “لكل واحد هناك تحفظات بشأن السلطة، ولكن بشكل عام الوضع جيد”.

-وماذا مع حماس والجهاد الإسلامي؟

“والله الحقيقة أنني لا أعرف. نريد فقط العيش بهدوء”. هناك تواجد لحماس والجهاد في هذه المدينة كما في أي مدينة أخرى في الضفة. ولكن كما في أماكن أخرى، تعلمت هذه التنظيمات تخفيض ظهورها على الساحة والإختفاء من الوعي العام. فقط أعلام تنتشر أحيانا على أسطح عدد من المنازل والمباني، خاصة في مخيم اللاجئين، تدل على وجودهم.

المحافظ

“حماس أو الجهاد، لا فرق. بالنسبة لي من ينتهك القانون سيُعاقب”، كما يقول محافظ جنين إبراهيم رمضان.

في مكتبه في مبنى المحافظ يقول أن السلطة تدير هنا سياسة لا تظهر فيها أي تسامح مع منتهكي القانون. ولكن أنشطة السلطة، وخاصة في مخيم اللاجئين، وصلت أكثر من مرة إلى اشتباكات وحتى تبادل لإطلاق النار.

“لا يوجد هنا المزيد من الأسلحة في الشارع في جنين. ويكن الناس هنا التقدير للسلطة. نعم، حتى في مخيم اللاجئين. كانت هناك إحتكاكات في الماضي، وأوقفنا 14 شخصا، ولكن كان هؤلاء أشخاص انتهكوا القانون. لقد قمت بزيارة المخيم ومنازل السكان واستقبلوني بصورة رائعة.

“أقول لك أن هذا المخيم مليء بالنس الذين يرغبون بالحفاظ على الهدوء وغير معنيين بالفوضى. وهدفنا هو جعل الناس راضين ومبتسمين، ودعم الفقراء والطلاب. تمت معالجة أحداث إطلاق النار ولا يوجد هناك اليوم إشتباك بين السلطة وسكان المخيم”.

بدأ رمضان العمل في منصبه قبل 10 أشهر ولكنه يعرف جنين منذ سنوات طويلة، من الناحية الأمنية، عندما شغل منصب قائد الأمن الوقائي في المنطقة؟ “الوضع الأمني في الماضي لم يكن جيدا، اليوم هو جيد جدا. ولكن لا يوجد هناك 100%، كما أن في إسرائيل لا يوجد 100%. وإلا لما كنا بحاجة إلى شرطة.

“انظر ما الذي قمنا به في السوق. على مدى 29 عاما كانت هناك محاولات لتنظيم السوق وفي كل مرة يفشلون. وها نحن نجحنا في الايام الأخيرة بالقيام بذلك. آلاف الإسرائيليين من الداخل (العرب من إسرائيل) يدخلون إلى هنا. صحيح أن بعضهم يواصل طريقه إلى نابلس، ولكن معظمهم يقوم بمشترياته هنا والآن مع السوق الجديد، أعتقد أن الأرقام سترتفع”.

وماذا مع التنسيق الأمني؟

“التنسيق مستمر. المشكلة هي أن التوجه العام في إسرائيل يسبب صعوبات. حيث أنه لو قامت إسرائيل غدا بإعتقال أو قتل أحد، سيذهب كل شيء في مهب الريح. لو كانت هناك نية إسرائيلية في التوصل إلى سلام سيلاقي ذلك ترحيبا هنا. بإمكاني أن أقول لك أنه قبل فترة كان هنا منسق أنشطة الحكومة في الأراضي الفلسطينية وقائد الإدارة المدنية وقائد المنطقة. قاموا بجولة هنا وأُعجبوا كثير بالنظام والهدوء”.

جنود الاحتياط الإسرائيليون خارج جنين (Matanya Tausig / Flash 90)

جنود الاحتياط الإسرائيليون خارج جنين (Matanya Tausig / Flash 90)

هل بإمكانكم أن تضمنوا في المستقبل سلامة اليهود عندما يدخلون إلى هنا؟

“لماذا في المستقبل؟ أنا أقوم بذلك الآن. كان هنا رجال أعمال. وكل الوقت يدخل يهود إلى هنا. أنا بنفسي قمت بزيارة إسرائيل وأتحدث مع مجموعة رفيعة المستوى من رجال الأعمال الإسرائيليين حول إقامة منطقة حرة للتجارة، بالقرب من منطقة جنين الصناعية. الناس هنا راضون من إستقرار الوضع وهو مختلف تماما عما كان عليه في السابق.

“ولكن من ناحية أخرى، على المستوى السياسي، نتواجد في مكان مختلف، أكثر إشكالية للفلسطينيين. من جهو هناك ثقة للرأي العام بالسلطة، ولكن في المقابل الإهتمام العالمي، الإتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، الدولة العربية، جميعهم يتحدثون عن إيران وداعش. إن القضية الفلسطينية في موقع أقل مركزية بفضل الربيع العربي. وحكومتكم برئاسة بيبي تستغل ذلك. فهو لا يرغب بحل سلمي للأسف.

“وأنا أقول لك، إذا كان هنا حل سلمي سيؤثر ذلك على المنطقة بأسرها، سيأتي ذلك بمستثمرين إلى هنا. صحيح أن هناك تسهيلات من الجانب الإسرائيلي ولكن الوضع الإقتصادي سيتغير بشكل جذري فقط في حال تم التوصل إلى تسوية سياسية”.

في طريق العودة إلى حاجز جلمة، بين المطاعم والأكشاك المنتشرة في “شارع الناصرة”، يلاحظ المصر زيف وجود مركز للتدرب على البينت بول. من كان ليصدق؟ في جنين يستخدمون السلاح، ولكن فقط لأطلاق كرات الألوان.