في طابق سفلي لمنزل يقع على جبل الزيتون هناك مجموعة من صور تم التقاطها قبل 100 عام لفلسطين العثمانية- ويتم نشرها هنا للمرة الأولى- وهي توثق الناس والمواقع وأسلوب الحياة في فلسطين في فترة انحطاط الحكم العثماني.

التقط هذه الصور, أول مدير للمعهد الألماني البروتستانتي للآثار (DEIAHL)، غوستاف دلمان، وهو عالم انتقائي من أوائل القرن ال-20 والذي وقع في حب الأراضي المقدسة وبدأ برحلة لتوثيق سكانها, نباتاتها, حيواناتها,أصواتها وأسلوب الحياة فيها. تم تأسيس “المعهد الألماني البروتستانتي للآثار” عام 1900 على يد الكنيسة الألمانية البروتستانتية بأمر من القيصر فيلهام الثاني في أعقاب زيارته التاريخية إلى القدس قبل عامين من ذلك، بهدف معلن وهو تعزيز “استكشاف الأراضي المقدسة وماضيها وحضاراتها ودياناتها المتنوعة.”

يقع مقر المعهد اليوم في بيت حجري يجلس في ظل “مستشفي اوغوستا فكتوريا” على جبل الزيتون. ويضم مبنى “المعهد الألماني البروتستانتي للآثار” مكتبة ضخمة تحوي آلاف الكتب عن علك الآثار في إسرائيل القديمة، وتعد بمثابة العصب المركزي لمشاريع المنظمة المتعددة. طابقها السفلي هو متحف صغير يخزن مجموعة من الفخار والأواني المعدنية القديمة والتي يرجع تاريخها إلى أواخر العصر البرونزي، ومجلدات تعود للمدراء السابقين، ووثيقة رسمية مكتوبة بلغة تركية متقنة من بلاط السلطان، وأجهزة مسح قديمة.

تشمل المجموعة أيضا مجموعة نفيسة من مراسلات دالمان ومطبوعات وزهور ونباتات مضغوطة ونماذج مصغرة من بيوت من الفترة الرومانية والعثمانية، مصبوبة بشق الأنفس من الجبص.

ولكن جوهرة التاج في المتحف هي مئات الصور التي التقطها دالمان والمطبوعة على شرائح زجاجية. معظمها بالأسود والأبيض، ولكن تم تلوين العديد منها بطريقة مصطنعة.

أصبح دالمان مدير “المعهد الألماني البروتستانتي للآثار” عام 1902 وبقي في فلسطين العثمانية في هذا المنصب حتى عام 1904. في هذا الوقت كان المعهد يقع في ما كان يُعرف آنذاك بالقنصلية السويدية، وهي بناية مكونة من طابقين تقع في شارع “اثيوبيا” في مركز مدينة القدس الحديثة.

جبال الكرمل كما تظهر من الشمال  ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

جبال الكرمل كما تظهر من الشمال ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

الغريب هو أن مجلس الأمناء منع دالمان- وهو لاهوتي تعلم ودرس في “إنستوتيوتوم جودايكوم” في ليبزيغ- من إجراء حفريات أثرية في الأراضي المقدسة لأنه، على الرغم من أنه مدير معهد للآثار، لم يكن عالما للآثار. بدلا من ذلك قام بشراء الآثار وتوثيق الإثنوغرافيا الوصفية للفلسطينيين في تفاصيل دقيقة (في الاعتقاد الخاطئ أنهم حافظوا على نفس تقاليد سكان يهودا خلال فترة المسيح). واحد من كتبه السبعة، “Arbeit und Sitte in Palaestina,” أو “العمل والأعراف في فلسطين”، يصف الاقتصاد العربي في أواخر العهد العثماني في فلسطين بتفاصيل مذهلة، وصولا إلى طريقة تصنيع زيت الزيتون والملابس، وإشعال النور، وأساليب الزراعة في كل موسم، ويتخلل ذلك كله إشارات إلى الكتاب المقدس والتلمود.

مع ذلك فإن مهنته الأساسية كانت تعليم دورات لأشهر طويلة لأساتذة ألمان عن فلسطين التاريخية.

يقول ديتر فيويغر، الميدر الحالي ل”المعهد الألماني البروتستانتي للآثار”، “لم يرد أن يتحدث الأساتذة الألمان عن فلسطين فحسب، بل أراد أن يعرفوا ما هي” ويضيف، “كانت هذه خطوة مهمة جدا لمعهدنا لأن هذه واحدة من مهامنا الرئيسية بأن تكون لدينا دورة التعليم هذه.”

مسجد فاطمة جنين ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

مسجد فاطمة جنين ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

كان دالمان يتجول في البلاد على ظهر خيل لأشهر في وقت كان فيه اللاهوتيون والمؤرخين الألمان يقومون بزيارة مواقعة أثرية وتوراتية ويلقون محاضرات. تعكس صوره رحلاته المكثفة في أنحاء الاراضي المقدسة ومعرفته بالجغرافيا التوراتية. يواصل “المعهد الألماني البروتستانتي للآثار” هذا التقليد، وما زال يجلب أكاديميين ألمان إلى مواقع أثرية في رحلة تستمر لعدة أسابيع في أنحاء البلاد.

“الآن نفعل ذلك بواسطة حافلة فولكسفاغن،” يقول فيويغر مع ضحكة، ولا يستغرق الأمر عدة أشهر.

إلى جانب المحاضرات، يركز المعهد اليوم على مشروعين رئيسيين، أحدهما في الأردن والثاني في القدس. مشروعه الرئيسي هو الحفريات في “تل زرعة”، بقايا مدينة قديمة في الأردن إلى الجنوب من بحيرة طبريا. يقول فيويغر أن الموقع، والذي عُثر عليه في عام 1988، أكبر قليلا من “مجيدو”، وهو موقع أثري هام في شمال إسرائيل، “ولكنه حقا غير معروف”

رجال فلسطينيون  ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

رجال فلسطينيون ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

“لدينا أكثر من 5 آلاف سنة من الاستمرارية” في “تل زرعة”، يقول فيويغر، جزء كبير من ذلك يعود إلى بئر ارتوازية تقع في مركز الموقع. “هذه حقا عمليات الحفريات الكبيرة الخاصة بنا. يكلفنا ذلك الكثير من المال والكثير من وقتنا.”

ويقول فيويغر، حتى الآن قمنا بحفر نحو 3 بالمئة من التل”. حين تم نشر مواسم الحفريات السابقة، قال فيويغر أنه يعتزم بدء الحفر حول النبع في قلب “تل زرعة”. “أعتقد أن المعابد يجب أن تكون هناك، حول النبع الارتوازي، ولا بد من وجود منشآت للحصول على الماء وما إلى ذلك. آمل العثور على اشياء جيدة.”

مشروع “المعهد الألماني البروتستانتي للآثار” الآخر هو الحفريات الأثرية تحت “كنيسة الفادي اللوثرية” في الحي المسيحي في البلدة القديمة. الكنيسة التي تقع على الموريستان، بقايا أول مستشفى لفرسان الإستبارية وسلسلة من كنائس الصليبيين، بنيت “كنيسة الفادي اللوثرية” على أرض أعطيت للكنيسة الألمانية البروتستانتية من قبل السلطان العثماني في عام 1869. وتم بناؤها على بقايا كنيسة صليبية عرفت باسم “سانتا ماريا لاتينا”، وانتهت أعمال البناء فيها عام 1898 في الوقت استعداد لوصول القيصر فيلهام.

نساء من البدو اثناء الاكل  ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

نساء من البدو اثناء الاكل ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

يقول مارسيل سير، مدير مساعد في “المعهد الألماني البروتستانتي للآثار”، أنه تم بناء “كنيسة الفادي” خلال اندفاع دولي لاستكشاف الأراضي المقدسة ويشبه ذلك بسباق الفضاء في الخمسينيات. خلال البناء، اكتشف العمال جدارا افترض علماء الآثار أنه من بقايا سور المدينة من فترة المعبد الثاني الذي أشار إليه المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس. وكشفت حفريات أكثر توسعا تحت الكنيسة في سنوات ال-70 أن الجدار كان على الأرجح مجرد جدار استنادي لمنصة بنيت عليها كنيسة القيامة الأصلية والأكبر بشكل ملحوظ. خندق بعمق 14 مترا (45 قدما) إلى جانب الجدار يضرب حجر الأساس في محجرة كانت مستخدمة حتى القرن الأول قبل الميلاد، مما يشير إلى أن “كنيسة الفادي” قد تكون قد بُنيت خارج جدران مدينة القدس خلال الفترة الرومانية.

السوق في بيت لحم  ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

السوق في بيت لحم ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

منح قوس منخفض في متحف الكنيسة مخصص للاكتشافات الأثرية الفرصة للقيام بحفريات إضافية تحت الأديرة المحاذية ل”كنيسة الفادي”. من المقرر بدأ العمل في يونيو ويتوقع المعهد العثور على مباني من العصور الوسطى متعلقة ب”دير البندكتين” الذي وقف مرة إلى جانب كنيسة “سانتا ماريا لاتينا”.

يقول سير، “علينا أن نرى إلى أي مدى يمكننا الوصول”. الحفر قد يضرب حجر الأساس بالضبط تحت الأرضية الحالية للمتحف، وعلى علماء الأثر توخي الحذر للحفاظ على الكمال الهيكلي للمبنى الحالي.

كان دالمان عاشقا للقدس، كما يتضح من مجموعة صوره المذهلة للمدينة ومواقعها الكثيرة، ولكن للأسف، كان محكوما عليه أن لا يعود إلى المدينة التي أحب بعد 1914. عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، بالضبط قبل 100 سنة تقريبا، كان دالمان في ألمانيا في أجازة. فخورا بإرثه الألماني، كتب دالمان، الذي عمل أيضا كمحرر لمجلة علم آثار، مقدمة مُدينة لنسخة “Palästinajahrbuch” لعام 1914، قدم من خلالها استقالته من “الصندوق الدولي لاستكشاف فلسطين”.

شاطئ يافا ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

شاطئ يافا ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

كتب دالمان، “بحزن بالغ إزاء نية الحكومة البريطانية، في تحالف مع البرابرة والمشركين، تدمير العمل الثقافي الألماني في العالم أو اسقاطه، وحملة شهادة الزور ضد شخصيتنا الوطنية، فإن كل التعاون العلمي والديني بين البريطانيين والألمان أصبح مستحيلا لوقت لا يمكن التنبأ به، لذلك فإن جهودي الشخصية على مدى 25 عاما قد دُمرت، وأنا أقوم بسحب اسمي من قائمة أعضاء صندوق اللجنة العامة لاستكشاف فلسطين”.

فيويغر يعتبر مقدمة دالمان بأنها “خطأ حياته”. حيث قام البريطانيون، الذين شعروا بالغضب من انتقاد الحملة الصليبة الانجليزية المزعومة ضد الحضارة الألمانية، بمنع دالمان من مواصلة عمله في فلسطين تحت الاحتلال البريطاني بعد عام 1917 وحظروا عودته إلى عمله. سُمح له باستعادة جزء صغير من مجموعته ولم يُسمح له بالعودة.

بعد عودته إلى ألمانيا، درس في “معهد البالستينولوجيا” في “غريفسفالد” لبقية حياته حتى وفاته غام 1941. وتمت تسمية هذا المعهد على اسمه بعد وفاته.

على المدى الطويل، يقول مدير “المعهد الألماني البروتستانتي للآثار” فيويغر بأنه يرغب بإجراء حفريات أكثر في القدس بالإضافة إلى تلك التي يتم العمل بها حاليا في “كنيسة الفادي”. وقال أنه يأمل العمل على المساعدة في اعادة بناء فسيفساء من القرنين الرابع والخامس، الأقدم من نوعها، في الكنيسة الأرمنية خارج جدران البلدة القديمة.

ولكن الشغف بالقدس الذي دفع دالمان ليس بالاعتبار الوحيد. البراغماتية الالمانية هي أيضا جزء من معادلة فيويغر. “لأننا في القدس” يقول فيويغر. “إذا عملت في مجيدو أو في تل دان، فإن هذه رحلة طويلة وأنت بحاجة إلى منزل لانشاء مخيم. العمل في القدس أفضل بكثير.”

خليج حيفا   ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

خليج حيفا ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

الحرم الشريف كما يظهر من الكنيسة الروسية الاوثودوكسية (photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

الحرم الشريف كما يظهر من الكنيسة الروسية الاوثودوكسية (photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

القدس من الجهة الجنوبية الغربية ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)

القدس من الجهة الجنوبية الغربية ( photo credit: © DEIAHL, Jerusalem)