قبيل المقابلة النادرة معه على قناة “الجزيرة” مساء الأربعاء، توقعت الصحف العربية أن أبو محمد الجولاني، زعيم “جبهة النصرة”، سيعلن إلغاء ولائه لتنظيم “القاعدة” وقائده أيمن الظواهري.

لكن ذلك لم يحدث. في الواقع، كشفت المقابلة التي استمرت لخمسين دقيقة – وبشكل مثير للسخرية بُثت من خلال برنامج بعنوان “بلا حدود” – عن مدى التقارب الأيديولوجي بين الجولاني والظواهري. تواصل جماعة “جبهة النصرة” الجهادية الحصول على التوجيهات الإستراتيجية من الظواهري، كما أقر الجولاني، وتحديدا في تركيز التنظيم على الإطاحة بالأسد أكثر من التركيز على شن هجمات ضد أهداف غربية.

ترفض “جبهة النصرة”، التي تأسست في يناير 2012، أن تكون جزءا من تنظيم “الدولة الإسلامية” الأكثر تطرفا، والمركب بالأساس من مقاتلين أجانب. في أبريل 2013، بايع الجولاني تنظيم “القاعدة” والظواهري، رافضا الإندماج الذي أعلن عنه زعيم “الدولة الإسلامية”، أبو بكر البغدادي.

معاملة “النصرة” للأقليات الدينية في سوريا تصدرت قائمة المواضيع التي تم التطرق إليها في لقاء الأربعاء. من أجل الحصول على حماية من النظام الإسلامي المستقبلي، لن يكون على العلوييين، الذين ينتمي إليهم الأسد – وهم تيار توفيقي من الإسلام الشيعي ويشكلون 10% من سكان البلاد – التبرؤ من الرئيس السوري والتنازل عن أسلحتهم فحسب، كما قال الجولاني، بل سيكون عليهم أيضا التراجع “عن الأشياء العقدية التي أخرجتهم من دينهم وتعود إلى حُضن الإسلام”.

وأكد الجولاني الذي كان يتحدث بهدوء وتم تصويره من الخلف مع قطعة قماش سوداء سميكة غطت رأسه مع علم “جبهة النصرة” موضوع على الطاولة أمامه، على أنه إذا قام العلويون بفعل ذلك “يكونوا إخوة لنا وسنحميهم مما نحمي بهِ أنفسنا”.

ولكن الأمر لا يتعلق بالعلويين فقط – الذي يشير إليهم الجولاني محقرا بـ”النصيرية العلويون” – الذين يتم إستهدافهم دينيا من قبل مقاتلي “النصرة”. حيث قال الجولاني بأنه تم إرسال دعاة مسلمين من قبل المجموعة إلى القرى الدرزية حيث “أبلغوهم الأخطاء العقدية التي هُم كانوا قد وقعوا فيها”، وأضاف أن زيارة قبور الأولياء يُعتبر شركا في الإسلام، ولذلك تم منع الدروز من القيام بذلك.

وقال الجولاني عن الدروز، “أبلغوهم الأخطاء العقدية التي هُم كانوا قد وقعوا فيها “أظهروا لنا تراجُعهم عن الأخطاء العقدية التي كانوا عليها”.

أما بالنسبة للمسيحيين، بصفتهم “أهل الكتاب”، فهم يحتلون مكانة مختلفة في عقيدة الجولاني. على الرغم من أن معظم المسيحيين ما زالوا يدعمون نظام الأسد، لكنهم سيكونون محميين بموجب الشريعة. بحسب الإسلام يجب على المسيحيين الذين يعيشون تحت سلطة إسلامية بدفع الجزية، كما قال، التي لا يتم فرضها حاليا على المسيحيين الذين يعيشون في مناطق تسيطر عليها “النصرة”.

وأضاف أن “دفع الجزية هو للقادر والمتمكن على دفعها والغير قادر لا يدفعها”.

وتعهد الجولاني بأنه لن تتم محاسبة المسيحيين على الأعمال التي قام بها أبناء دينهم في أماكن أخرى في العالم، مثل الولايات المتحدة أو مصر، وقال أن النبي محمد، عندما كانت المدينة المنورة محاطة بـ12 قبيلة يهودية، لم يقم بمعاقبة قبيلة على أفعال ارتكبتها قبيلة أخرى، ولكنها تعامل مع كل قبيلة بحسب أفعالها.

مع ذلك، من غير المرجح أن تنجح هذه التعهدات العقائدية بطمأنة مخاوف المسيحيين في سوريا. في ديسمبر 2013، اختطف مقاتلو “النصرة” 13 راهبة وثلاث خادمات في بلدة معلولة المسيحية في خضم معارك مع قوات النظام. تم تحرير الراهبات في وقت لاحق بعد ثلاث أشهر، عندما وافقت قطر على دفع مبلغ 16 مليون دولار للخاطفين.

قال أحد المسيحيين اللبنانيين من بلدة القاع لوكالة أسوشيتد برس في شهر سبتمبر الماضي، “نعلم جميعنا أنهم إذا جاءوا سيقومون بذبحنا دون سبب”، مفسرا سبب اتخاذه قرار تسليح نفسه للدفاع عن النفس من الجماعات الإسلامية في سوريا.

ولكن ما يشغل بال الجولاني في الوقت الحالي هم المسلمون الشيعة، وفي الأساس مقاتلو حزب الله.

حيث قال أن “حزب الله سيكون أمره مجرد وقت بمجرد سقوط بشار سينزوي إلى الجنوب تلقائيا حتى وجوده في الضاحية سيكون محل يعني استفهام وهذا بغير تدخلنا في لبنان”.

ودعا الجولاني “كل القوى والأحزاب المتواجدة في لبنان” في المشاركة في إسقاط حزب الله.

متبعا تقاليد “القاعدة”، أعرب الجولاني عن ازدرائه للغرب وقيمه، وقال، “لا يهمنا ما يقوله الغرب”، رافضا المخاوف التي تم طرحها بشأن إرتكاب مجزرة بحق الأقليات في سوريا، وتابع قائلا أن “الشريعة الإسلامية ليست بحاجة إلى الغرب لتفسير حقوق الإنسان أو حقوق الحيوان”.

بشكل لافت للنظر، لم يذكر الجولاني كلمة “إسرائيل” ولا مرة خلال اللقاء. من الواضح أن الدولة اليهودية ليست على رأس سلم أولويات الإسلاميين في سوريا، على الأقل في الوقت الحالي.