بعد الحرب العالمية الثانية، عاد حوالي 16 مليون جندي أمريكي إلى الوطن، بحثا عن دراسة وعمل ومكان للعيش فيه.

لمساعدة هؤلاء المحاربين القدامى لدخول المجتمع المدني من جديد، في 22 يونيو، 1944، وقع الرئيس الأمريكي حينذاك، فرانكلين روزفيلت على قانون إعادة تكييف العسكريين، المعروف بإسم “قانون جي آي” الذي يوفر للجنود المسرحين مجموعة من المزايا، من ضمنها دفع الرسوم الدراسية للجامعات والكليات والمدارس المهنية.

خلال عقد من الزمن، أكثر من 2.2 مليون عسكري سابق استخدم “قانون جي آي” للحصول على لقب جامعي، في حين استخدمه ملايين آخرين للحصول على تدريب مهني.

أشاد المؤرخون بـ”قانون جي آي” معتبرين أنه ساعد على تعزيز الإقتصاد الأمريكي وإنشاء جيل قدامى المحاربين من الحرب العالمية الثاني كـ”أعظم جيل”.

يوم الإثنين، كشف رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت عن نسخته الخاصة لـ”قانون جي آي”. على الرغم من أنه أكثر تواضعا من المبادرة الأمريكية، فإن إقتراح آيزنكوت حاز بسرعة على الثناء من السياسيين والأكاديميين على حد سواء.

بروفسور غاد يائير، من قسم التربية في الجامعة العبرية، قال لتايمز أوف إسرائيل: “إنها ثورة. إنها خطوة أخلاقية وهامة للغاية يتخذها رئيس هيئة الأركان. فهي تعمل على تحسين آفاق الجنود من المناطق الهامشية” – وهي المدن والبلدات البعيدة عن وسط البلاد، والتي عانت تاريخيا من غبن اجتماعي واقتصادي – “حيث تكلفة الرسوم الجامعية كبيرة”.

وأضاف: “يكمل ذلك تراث الجيش الإسرائيلي على أنه جيش الشعب”.

بموجب مبادرة آيزنكوت، سيحصل جميع الجنود الإسرائيليين الذين تم تسريحهم بشكل مشرف من الخدمة العسكرية بعد 1 يوليو 2014 على منح دراسية كاملة تقريبا لدراسات أكاديمية أو مهنية.

في حين أنه لا يزال على المحاربين القدامى من العائلات الأفقر أن يكونوا قادرين على تحمل التكاليف المرتبطة بالتعليم – السكن والكتب وما إلى ذلك – فإن البرنامج “يزيل على الأقل بعض الحواجز المالية” لمستقبل أفضل، بحسب يائير.

وقال يائير: إن “الثورة” جاءت في أفضل وقت ممكن، مع هبوط في عدد الملتحقين بالجامعات في السنوات الأخيرة.

وأضاف: “إن مؤسسات التعليم العالي تشيد بهذه الخطوة. لا أريد القول بأنهم يرون بها كشريان حياة، ولكنها شيء مشجع خلال وقت يشهد انخفاضا في عدد الطلاب”.

في الوقت الراهن، سيقوم البرنامج الذي لم تتم تسميته بعد بتمويل الجنود المقاتلين والجنود “المحتاجين” الذين يتلقون مساعدات مالية من الجيش، ولكن الخطة تهدف إلى توسيع المبادرة لكل من يستكمل خدمته العسكرية، وفقا للجيش الإسرائيلي.

وقال المتحدث بإسم الجيش: “خلال العامين القادمين نخطط لفتح هذه الفرصة لكل جندي يتم تسريحه في الجيش الإسرائيلي. وهذه عملية بدأنا بها في هذه اللحظة”.

بالنسبة ليائير، يمثل البرنامج أهم مبادرة إجتماعية خرجت من الجيش في العقود الأربعة الأخيرة تقريبا.

“عندما أفكر، ’ماذا كان الفعل الجاد الأخير؟’ أفكر برئيس هيئة الأركان [رفائيل إيتان] الذي قال بأن الجيش سيتحمل مسؤولية السكان في المناطق الهامشية”، كما قال.

في أواخر السنوات السبعين، أطلق إيتان، الذي يُعرف بإسم رفول، سلسلة من البرامج لمساعدة القاصرين المعوزين للإندماج بشكل أفضل في الجيش وفي نهاية المطاف في المجتمع الإسرائيلي.

الجنود الذين حصلوا على مساعدة من مبادرة إيتان أصبحوا يُعرفون بإسم “شبيبة رفول”، والكثير من المشاريع والبرامج التي تم تطويرها في ذلك الوقت لا تزال قائمة اليوم أيضا.

بعد حوالي 40 عاما، يواصل آيزنكوت تراث إيتان، كما يقول يائير. “هذه حركة من النوع نفسه. آيزنكوت يجعل من نفسه رفول. إنها خطوة تاريخية بالفعل”.

أول الجنود المؤهلين للحصول على المنح الدراسية الجديدة تم تسريحهم من الجيش في الشهر الماضي وسيكون بإمكانهم الإستفادة من هذه الأموال في العام الدراسي القادم، بحسب متحدث بإسم الجيش.

أمام المحاربين القدامى في البرنامج ثلاثة أعوام بعد إنهائهم الخدمة العسكرية للبدء بدراستهم الجامعية.

وقال المتحدث بأنه في حين أن هذه المنحة الدراسية تتطلب من الحاصلين عليها أن يكونوا قد أنهوا خدمتهم العسكرية بالكامل، حتى الآن فقط المجندات “المحتاجات” اللواتي خدمن لمدة عامين، مؤهلات للحصول عليها.

نظرا للمجموعة الصغيرة نسبيا من المتلقين المحتملين للمنحة، فإن تكلفة البرنامج للعام الأكاديمي القادم ستكون أقل من 100 مليون شيكل (30 مليون دولار)، وفقا للمسؤول.

بالتطلع إلى الأمام، من المتوقع أن تزداد تكلفة البرنامج إلى حوالي 230 مليون شيكل (60 مليون دولار) في العام الواحدة بعد أن يصبح الجنود الذكور مؤهلين للحصول عليها (في يوليو 2017)، وستصل تكلفتها إلى 500 مليون شيكل (130 مليون دولار) سنويا عندما يتم فتح البرنامج لجميع الجنود، بحسب الجيش الإسرائيلي.

الأموال لتمويل البرنامج ستأتي من تبرعات لمنظمة”أصدقاء الجيش الإسرائيلي” أو “رابطة الجمعيات الخيرية لرفاهية الجنود الإسرائيليين”.

في الماضي، تم إستخدام التبرعات من هذه المنظمات في الأساس لبناء مراكز رياضية ومعابد يهودية ونواد وقواعد عسكرية، أو لشراء طاولات نزهة أو معدات أخرى. العديد من الجهات المانحة تخصص تبرعاتها لوحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي، التي ينحدر جنودها عادة من أسر أكثر ثراء ومدن في وسط إسرائيل.

ولكن الآن، “هذه الأموال ستذهب نحو البكالوريوس بدلا من صالة الألعاب الرياضية. هذا هو الأمر الذي سيبني الجيش””، كما قال آيزنكوت لصحيفة “يديعوت أحرونوت”.

النائبة في الكنيست شيلي يحيموفيتش أثنت على الخطوة لتأثيرها على المساواة في المجتمع الإسرائيلي، حيث تعطي الإسرائيليين من جميع مناحي الحياة القدرة في الحصول على شهادة بكالوريوس.

وقالت: “منذ الآن فصاعدا، هذه التبرعات لن تكون برنامج بحسب الطلب يعتمد على رغبات المتبرعين، الذي يرغبون بشكل طبيعي بإعطاء المال فقط للوحدات ’المبجلة’. سيتم إستخدامها لدراسات المحاربين القدامى الأكاديمية، واستكمال الأموال التي يحصلون عليها فور تسريحهم”.

وأضافت يحيموفيتش: “إن هذا هدف نبيل، يخلق – بدرجة كبيرة – تكافؤ في الفرص في مرحلة هامة من حياة الشخص: دراساته الجامعية”.

سيتم تشغيل مبادرة آيزنكوت من خلال “صندوق توجيه المحاربين القدامى” القائم في وزارة الدفاع، والذي يساعد الجنود المسرحين في إيجاد وظائف ومنح دراسية.

على الرغم من أن البرنامج سيغطي معظم تكاليف اللقب الجامعي، لكن الدراسة لن تكون مجانية بالكامل. سيكون على المحاربين القدامى المساهمة في جزء من الأموال التي يحصلون عليها عند تسريحهم من الجيش.

عندما يقوم جندي بإستكمال خدمته العسكرية، يحصل على مبلغين من المال. الأول، الذي يُعرف بـ”معنك شيحرور”، أو منحة تسريح، يُمنح كشيك ويمكن إستخدامه لأي غرض. الثاني، الذي يُعرف بإسم “بيكادون”، أو وديعة، يُوضع في حساب خاص يمكن الحصول عليه – بعد  5 أعوام – لدفع رسوم دراسية أو شراء منزل أو فتح مصلحة تجارية أو الزواج أو أي هدف آخر.

حجم المبلغ يعتمد على طول الفترة التي خدم فيها الجندي في الجيش والمنصب الذي شغله. على سبيل المثال، جندي محارب خدم لمدة 3 سنوات سيحصل على مبلع 29,596.32 شيكل على شكل “بيكادون”، في حين أن جندي غير محارب خدم لعامين سيحصل على مبلغ 13,153.92 شيكل.

من أجل الحصول على المنحة الدراسية، على الجندي المسرح إستخدام ثلث مال “البيكادون” لرسوم التعليم، ما يعني أن بعض الجنود سيدفعون ما تصل قيمته إلى 10,000 شيكل، بينما سيدفع آخرون حوالي 4,000 شيكل.

بما أن الدراسة لمدة 3 أعوام للحصول على درجة البكالوريوس تكلف حوالي 30,000 شيكل (8,000 دولار)، بحسب الموضوع، يعني ذلك أن الجنود المسرحين سيحصلون عمليا على مبلغ 20,000 شيكل على الأقل عند تسريحهم.

هذا المبلغ ممكن أن يحدث الفارق بين دخول أو عدم دخول شاب أو شابة من عائلة ذات دخل منخفض إلى الجامعة.

ويقول يائير: “مبلغ 20,000 شيكل في المجتمع الإسرائيلي هو مبلغ كبير كفاية لمنع طالب من الذهاب إلى الجامعة”.

ويضيف: “أقوم بإجراء مسح للطلاب في كل عام في الجامعة العبرية. يقول لي الطلاب، ’لم آت للدراسة في العام الماضي لأنه لم يكن لدي ما يكفي من المال’”.

في مبادرة آيزنكوت، لن يحتاج المحاربين القدامى إلى تأجيل دراستهم الجامعية إلى حين كسب ما يكفي من المال لتمكينهم من الإلتحاق بالجامعة، كما يقول يائير.

وبما أن البرنامج جديد نسبيا، سيكون على الجيش تسوية بعض أدق تفاصيله.

في الوقت الراهن المبادرة ستتكفل بدفع تكاليف درجات البكالوريوس التي يتم الحصول عليها خلال 3 أعوام، ما يعني بأن الألقاب في مجالات الطب والهندسة، والتي تحتاج إلى سنوات إضافية من الدراسة، لن تحصل على تغطية كاملة. وإذا كان للجندي درجة بكالوريوس، ليس من الواضح ما إذا كانت المنحة الدراسية ستغطي دراسة اللقب الثاني.

ولكن مع وجود عام آخر قبل تقدم الدفعة الاولى من المحاربين القدامى للحصول على المنحة الدراسية، سيكون الجيش قادرا على إيجاد أجوبة لهذه الأسئلة، بحسب المتحدث.

على الرغم من أن مبلغ نصف مليار شيكل قد يبدو مبلغا مرتفعا، لكن البرنامج سيعود بالفائدة على جميع المعنيين، كما يقول يائير.

“سيربح الجميع من ذلك. مستوى التعليم سيكون أفضل بين السكان، مستوى دخل السكان سيرتفع، مبلغ عائدات الضرائب في المجتمع الإسرائيلي سيرتفع بحيث يكون لوزارة المالية مالا أكثر للرعاية الإجتماعية”، كما قال. “بإختصار، إنها خطوة عبقرية”.