أحد الأحداث المركزية في الزيارة المثيرة للجدل للرئيس رودريغور دوتيرتي – الزعيم الفليلبيني المتشدد الذي أشرف على قتل بضعة آلاف من تجار ومدمني المخدرات المزعومين منذ تسلمه مقاليد الحكم قبل عامين – هذا الأسبوع سيكون زيارة إلى نصب تذكار مخصص لتكريم جهود بلاه في إنقاذ يهود تعرضوا للاضطهاد من قبل النازيين.

ومن المقرر أن يهبط دوتيرتي (73 عاما) في إسرائيل مساء الأحد لزيارة تستمر لثلاثة أيام – الأولى لرئيس فيلبيني – ستركز على تعزيز العلاقات الثنائية في مجالات عدة، بما في ذلك التجارة والدفاع وظروف آلاف العمال الفيلبينيين في إسرائيل.

يوم الأربعاء، سيقوم دوتيرتي – الذي واجهة انتقادات واسعة في عام 2016 من قبل مسؤولين إسرائيليين ومجموعات يهودية في الولايات المتحدة بعد أن شبّه نفسه بأدولف هتلر في سعيه لقتل ملايين تجار ومدمني المخدرات -بوضع إكليل من الزهر عند نصب “الأبواب المفتوحة” التذكاري في الحديقة لتخليد ذكرى المحرقة في مدينة ريشون لتسيون.

وخلافا لما ذكرته بعض التقارير الإعلامية، لن يقوم بتدشين النصب التذكاري، حيث أنه تم الكشف عنه في عام 2009.

الرئيس الثاني للفيلبين، مانوير كويزون. (YouTube screenshot)

وتم وضع هذا النصب التذكاري لتخليد ذكرى سياسة “الأبواب المفتوحة” التي اتبعتها الفيلبين في عام 1939. في ذلك الوقت، معظم الدول عارضت الهجرة اليهودية، لكن رئيسها حينذاك، مانويل كويزون (الذي شغل المنصب من 1935-1944) سمح بإصدار 10,000 تأشيرة دخول ليهود مضطهدين. بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية والغزة الياباني، ووصل فعليا حوالي 1,300 يهودي إلى بر الأمان في الفيلبين.

في شهر نوفمبر الماضي في حدث تذكاري أقيم في الموقع قال السفير الفيلبيني إلى إسرائيل، نيل إمبريال، “لقد كان ذلك وقتا عندما كان بوصلتنا الأخلاقية تشير إلى الاتجاه الصحيح، عندما سادت الرحمة والإنسانية على الكراهية والتعصب”.

وأضاف “إنها تذكير لنا ولدول أخرى بأن علينا فعل الشيء الصحيح عندما مواجهة خيار أخلاقي مشابه. الإنسانية ستكون أفضل وسيلة لذلك”.

لكن مع وصول دوتيرتي إلى البلاد، يتهم البعض إسرائيل باتخاذ خيار خاطئ من لال فتح أبوابها أمام الرجل، الذي يواجه انتقادات من قبل نشطاء حقوق إنسان وآخرين بسبب قمعة الوحشي لآلاف الأشخاص الذين يتهمهم بالتورط في تجارة المخدرات.

الرئيس الفيلبيني رودريغو دوتيرتي، الرابع من اليسار،مع السفير الإسرائيلي إيفي بن ماتيتياو، الثالث من اليسار، وأعضاء الرابطة اليهودية في الفيليبين، خلال اجتماع، في كنيس ’بيت يعقوب’،الرابطة اليهودية في الفيليبين في ماكاتي، جنوب مانيلا، الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016. (AP Photo/Aaron Favila, Pool)

في عام 2016، شبّه دوتيرتي نفسه بهتلر وتعهد بقتل تجار ومستخدمي مخدرات بقدر ما قتل الزعيم النازي من اليهود.

وتباهى قائلا إنه مثلما قتل هتلر اليهود في المحرقة، فهو يقوم بقتل تجار ومستخدمي المخدرات. لقد قام هتلر بذبح ثلاثة ملايين يهودي. الآن هناك ثلاثة ملايين مدمن على المخدرات (في الفيلبين). سأكون سعيدا في ذبحهم”، وأضاف “على الأقل إذا كان لألمانيا هتلر، سيكون للفيلبين…”، مشير لنفسه.

في شبه اعتذار قدمه في وقت لاحق، قال دوتيرتي موضحا إنه استخدم اسم هتلر فقط لأن آخرين قارنوه بالزعيم النازي، وقدم اعتذاره من اليهود، لكنه أصر على أنه لم يقل شيئا غير لائق بشأن الحاجة إلى قتل جماعي في الفيلبين.

وسيرافق دوتيرتي عند زيارته إلى النصب التذكاري اثنان من الناجين من المحرقة اللذان يقيمان اليوم في إسرائيل.

أحدهما هو ماكس فايزلر، من هود هشارون، والذي وصل إلى مانيلا في عام 1941 وهو في سن 11 عاما كلاجئ من ألمانيا ونشأ في الفيلبين. آثار أقدامه مطبوعة أمام أحد أبواب النصب التذكاري الثلاثة، التي ترمز لسياسة “الأبواب المفتوحة” التي اتبعتها مانيلا.

السفير الفيلبيني لدى إسرائيل، نيل إمبريال، مع ماكس فايسلر عند النصب التذكاري ’الأبواب المفتوحة’ في حديقة تخليد ذكرى المحرقة في ريشون لتسيون في 2017. (courtesy)

وستم تسليط الضوء على القصة التي لا يعرفها الكثيرون حول كيفية قيام الدولة الآسيوية بإنقاذ اليهود خلال زيارة دوتيرتي إلى متحف “ياد فاشيم” يوم الثلاثاء.

وسيرافق دوتيرتي، وهو أول رئيس فيلبيني يقوم بزيارة إسرائيل منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1957، وفد كبير.

وفي حين أن زيارة النصب التذكاري الخاص بالمحرقة من قبل رجل شبّه نفسه مرة بهتلر أثارت بعض الدهشة، إلا أن احتضان إسرائيل له، واستعدادها المحتمل لبيعه الأسلحة، هو ما تسبب في قدر كبير من الذعر.

في الوقت الحالي تقر مانيلا بمقتل نحو 5,000 شخص واعتقال حوالي 50,000 آخرين في حرب دوتيرتي على المخدرات؛ مجموعات حقوق انسان تقول أن الأعداد أكبر من ذلك بكثير، وأن معظم القتلى هم من فقراء المدن.

وكالة “رويترز” نشرت سلسلة من التقارير التي كشفت فيها عن أن شرطة دوتيرتي قامت بإعدام مئات تجار المخدرات المزعومين – حيث قامت بإطلاق النار عليهم في الرأس والقلب من مسافة قريبة.

إسرائيل الرسمية رحبت بزيارة دوتيرتي واعتبرتها هامة. في بيان له يوم الجمعة قال وزارة الخارجية الإسرائيلية “إننا نولي أهمية كبرى لهذه الزيارة، التي ترمز إلى العلاقات القوية والحميمة بين شعبينا، فضلا عن الإمكانات الهائلة لتنمية وتعزيز العلاقات”.

وأضاف البيان أن “التعاون بين البلدين آخذ بالازدهار. في الدبلوماسية، يتم التعبير عنه في تصريحات علنية من قبل القيادة في مانيلا وكذلك في القضايا التي تهم إسرائيل على الساحة الدولية. ومن المجالات الأخرى للتعاون القوي الأمن ومكافحة الإرهاب، السياحة، الإستثمارات، الطاقة، البنى التحتية، وأشياء أخرى كثيرة”.

بالنسبة لدوتيرتي، فإن زيارته هذه قد تكون الأكثر أهمية في سعيه إلى الحصول على صفقات أسلحة خارج الولايات المتحدة.

بحسب ما ذكرته هيئة البث العام “كان”، سيرافق دوتيرتي في زيارته وفد يضم 400 شخص، من بينهم قادة عسكريين كبار ومسؤولين رفيعين في الشرطة، الذين من المتوقع أن يقوم بعضهم بزيارة قواعد عسكرية إسرائيلية.

وجاء في التقرير التلفزيوني الذي بُث يوم الأربعاء “في الصناعات العسكرية في الفيلبين وإسرائيل، هناك اهتمام كبير في الدفع بصفقات أسلحة – بكلمات أخرى، توقيع عقود دفاعية مع الفيلبين”.

الرئيس الفيليبيني رودريغو دوتيرتي يمازح المصورين وهو يحمل بندقية من نوع ’جليل’ إسرائيلية الصنع أهداها له المفوض العام المنتهية ولايته للشرطة الفيلبينية رونالد “باتو” ديلا روسا، من اليسار، في مراسم تغيير القيادة، في 19 أبريل، 2018، في كرام كرامي في ضواحي مدينة كيزون، شمال شرق مانيلا، الفيليبين. (AP Photo/Bullit Marquez)

دوتيرتي كان صريحا للغاية بشان ميله إلى الأسلحة الإسرائيلي، بعد أن قال علينا إنه يفضلها على المنتجات التي تُصنع في دول أخرى.

في عام 2016 صرح “في مسألة السلاح، قلت، لا تشتروا من أحد سوى من إسرائيل”.

زيارة هذا الأسبوع بالنسبة لدوتيرتي هي طريقة لإيجاد “سوق بديل … للأسلحة لقواتنا المسلحة وكذلك للشرطة”، كما قال هينيليتو سيفيلا، الخبير في العلاقات الدولية في جامعة الفيليبين لوكالة “فرانس برس”.

وقد انهارت صفقات معدات عسكرية لكل من الولايات المتحدة كندا مع الفيلبين بسب المخاوف من حرب دوتيرتي على المخدرات، ولكن حتى الآن سارت المبيعات مع إسرائيل بسلاسة.

في عام 2017 برزت الفيلبين كعميل جديد مهم بالنسبة لإسرائيل، حيث وصلت قيمة صفقات أجهزة رادار ومعدات مضادة للدبابات إلى 21 مليون دولار.

وقد تكون هناك صفقات أكبر على الطريق، حيث أن مانيلا تخطط لإجراء إصلاحات على قواتها المسلحة بمليارات الدولارات. دوتيرتي أبدى رفضا لمبادرات المبيعات الأمريكية، قائلا إنه لا يحتاج إلى طائرات مقاتلة أو غواصات أمريكية.

بحسب معطيات لوزارة الدفاع الإسرائيلية فإن إسرائيل هي من بين كبار تجار الأسلحة في العالم، ويذهب نحو 60% من صادراتها الدفاعية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

الاهتمام بمقدمي الرعاية

وتم تحديد موعد الزيارة ليتزامن مع الذكرى ال60 للعلاقات بين مانيلا والقدس، والتي تم تأسيسها في فبراير من عام 1958.

ويتمتع البلدان بعلاقات قوية من ذلك الحين، إلا أن حكومة دوتيرتي نفت شائعات التي قالت إنها قد تسعى إلى نقل سفارتها إلى القدس.

وزير وزارة الخارجية الفيلبيني، إرنيستو أبيا، قال للصحافيين في مؤتمر صحفي قبل الزيارة “هذا في الواقع ليس موضوعا للنقاش”.

الصداقة بين إسرائيل والفيلبين تعود في الواقع إلى عام 1947، عندما صوتت الأخيرة لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181، ما مهد الطريق إمام إقامة دولة إسرائيل. وكانت الفيلبين هي الدولة الوحيدة في جنوب شرق آسيا التي دعمت القرار.

بعيد هبوط طائرته في مطار بن غوريون في الساعة السابعة مساء، من المقرر أن يحضر دوتيرتي حدثا للجالية الفيلبينية، التي تضم بمعظمها مقدمي رعاية، في فندق في القدس.

في عام 2017 لوحده، كان نشر ما يقرب 3,000 مقدم رعاية فيلبيني في إسرائيل، بحسب وزارة الخارجية في مانيلا.

خلال زيارته، ستم التوقيع على اتفاق ثنائي “غير مسبوق” ل”تنظيم توظيف آلاف مقدمي الرعاية الفيلبينيين، الذين لديهم قيمة كبيرة في إسرائيل”، بحسب وزارة الخارجية.

وأضاف البيان إن “الاتفاق سيحمي حقوق العمال، ويضمن معاملة متساوية وعادلة لهم، ويلغي جميع الرسوم التي أجبروا حتى الآن على دفعها لوكلاء وسيطين. وستعود الاتفاقية بالفائدة على سكان إسرائيل كبار السن وغيرهم ممن هم بحاجة إلى خدمات رعاية وستكون لها آثار ايجابية على اتفاقيات مماثلة سيتم التوقيع عليها مع بلدان آخرى في المستقبل”.

بالإضافة إلى ذلك، سيتم التوقيع على اتفاقيات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والأعمال والبيئة هذا الأسبوع.

ومن المتوقع أن يعمل مسؤولون إسرائيليون وفيلبينيون على اتفافية لجلب عمال من الفيلبين إلى إسرائيل للعمل في القطاع الفندقي المحلي، الذي يعاني من نقص في القوى البشرية.

وسيبدأون أيضا مناقشة فتح خط رحلات مباشرة بين مانيلا وتل أبيب.

وقالت وزارة الخارجية إن “الرحلات المباشرة ستؤدي إلى ارتفاع في عدد السياح الفيلبينيين القادمين إبى إسرائيل، ولا سيما المسيحيين الفيليبينيين الراغبين بالقيام برحلات الحج إلى الأراض المقدسة”.

وسيُسمح للطئرات الفيلبنينية بحسب تقارير المرور فوق المجال الجوي السعودي في طريقها إلى مطار بن غوريون، على غرار طائرات شركة “طيران الهند”، التي حظيت مؤخرا بهذا الحق.

يوم الإثنين في عند الظهر، سيستضيف رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو دوتيرتي في وجبة غداء في مقره في المقدس. ومن غير المتوقع أن يدلي الزعيمان بتصريحات للصحافة.

في وقت لاحق من اليوم، سيقوم دوتيرتي بزيارة “ياد فاشيم”.

يوم الخميس، سيستقبله رئيس الدولة رؤوفين ريفلين في مقر إقامته الرسمية قبل أن يترأس حلقة دراسية لرؤساء شركات كبرى من إسرائيل والفيليبين في فندق في القدس.

وهناك أكثر من 150 رجل أعمال فيلبيني في الوفد المرافق لدوتيرتي.

ومن كبار المسؤولين الذين يرافقون الرئيس في رحلته أيضا وزير خارجيته، وزير الدفاع الوطني ووزراء التجارة والصناعة، الزراعة، الأمن الداخلي، العلوم والتكنولوجيا، العمالة والتوظيف، السياحة والمواصلات.

بعد لقائه بريفلين، من المقرر أن يحضر دوتيرتي محاكاة لكارثة طبية طارئة في مقر مؤسسة “نجمة داوود الحمراء” في القدس.

بعد المراسم المقررة في النصب التذكاري “ألأبواب المفتوحة” سيغادر دوتيرتي إسرائيل متجها إلى الأردن، حيث سيبقى هناك حتى يوم السبت.

الزوجة السابقة اليهودية

في زيارته إلى إسرائيل، سترافق دوتيرتي ابنته سارة دوتيرتي-كاربيو، عمدة مدينة دافاو، إحدى أكبر المدن في الفيلبين. وهي ابنة زوجة دوتيرتي اليهودية الأمريكية السابقة، إليزابيث زيمرمان.

وكان الرئيس قد أشار إلى زواجه الذي استمر لقود مع زيمرمان في عام 2016 عندما اضطر إلى تقديم اعتذاره على تشبيه نفسه بهتلر.

وقال في كلمة ألقاها أمام الطائفة اليهودي المحلية بمناسبة عيد “رأس السنة” العبري: “زوجتي [السابقة] من عائلة زيمرمان… سليلة يهودي أمريكي. فلماذا إذا سأقوم بتشويه ذاكرة اليهود؟”

ساهمت في هذا التقرير وكالة فرانس برس.