واشنطن – في الأشهر القليلة الماضية، تقلصت مهام جاريد كوشنر التي كانت واسعة النطاق يوما في البيت الأبيض، لتتركز مهمته الأساسية على قيادة جهود الإدارة في التوصل الى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، بحسب سلسلة من التقارير في نهاية الأسبوع.

وقد تولى كوشنر، وهو مستشار كبير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره أيضا، مجموعة واسعة من المشاريع عند توليه المنصب الرسمي بعد تنصيب ترامب في شهر يناير الماضي، على الرغم من عدم تمتعه بأي خبرة سياسية أو دبلوماسية.

فهو لم يُكلف فقط بإحياء مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، على أمل أن تؤدي هذه الجهود في نهاية المطاف إلى التوصل الى اتفاق سلام تاريخي، ولكنه كُلف أيضا بالتفاوض على اتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، والإشراف على محاولات الحكومة الأمريكية في تخفيف وباء الأوبيوم وإنشاء مكتب الابتكار الأمريكي، وهو مجموعة داخلية مكلفة بتقليص  البيروقراطية في الحكومة الأمريكية.

وتمتع كوشنر (36 عاما) وزوجته إيفانكا، وهي ابنة ترامب، أيضا بأدوار عامة رفيعة المستوى وحضرا اجتماعات هامة وشاركا في فرص التقاط صور تلتها.

لكن الأيام التي كُلف فيها كوشنر بمسؤوليات مترامية الأطراف وتمتع فيها بحرية الدخول إلى والخروج من المكتب البيضاوي متى شاء قد ولت، بحسب تقارير منفصلة نشرتها صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” السبت.

صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبير مستشاريه في شؤون الشرق الأوسط، جاريد كوشنر (من اليسار)، يلتقي برئيس الوزراء بينيامين نتنياهو في تل أبيب، 24 أفسطس، 2017. (Amos Ben Gershom/GPO)

وتعود هذه التغييرات إلى حد كبير إلى تولي جون كيلي منصب كبير موظفي البيت الأبيض خلفا لراينس بريبوس في شهر يوليو، والذي كُلف بمهمة إعادة النظام إلى الجناح الغربي الذي اتسم بالفوضى.

واحدة من مهام كيلي الأساسية كانت  وضع موظفي البيت الأبيض في سلسلة قيادة. فلم يعد بإمكان المقربين من الرئيس، من ضمنهم كوشنر، الدخول إلى المكتب البيضاوي بشكل عشوائي. حيث يجب ترتيب جميع اللقاءات من خلاله.

ونقلت “نيويورك تايمز” عن كيلي قوله للمقربين منه “جاريد يعمل لدي”.

بحسب التقارير، هناك إدراك جديد في دوائر البيت الأبيض بأن بصمات كوشنر لن تكون في كل مكان كما كانت في السابق، وأنه سوف يُسّخر طاقاته في المقاوم الأول في محاولة التوصل إلى اتفاق سلام أخفقت اجيال من الرؤساء السابقين وطواقم السياسة الخارجية الخاصة بهم في التوصل إليه من قبله.

وقال مسؤول لصحيفة “واشنطن بوست” إن “ملف جاريد هو السلام الإسرائيلي الفلسطيني، وهو يحترم مساره”.

ترامب كان قد لمح أيضا إلى أن هذا هو دور كوشنر الأساسي في سلسلة بريد إلكتروني تم إرسالها إلى “نيويورك تايمز”.

وقال ترامب “يعمل جاريد بجد على السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وآخر ما أريد القيام به هو الوقوف في طريق هذه الامكانية”، وأضاف أن “جاريد أظهر فعالية منذ الأيام الأولى للحملة الإنتخابية والشيء نفسه صحيح اليوم أيضا”.

ورفض مسؤول في البيت الأبيض، قام تايمز أوف إسرائيل بالتواصل معه، التعليق على التقارير.

ويلعب كوشنر دورا علنيا في جهود السلام، حيث قام بزيارة المنطقة ثلاث مرات في العام الأخير للاجتماع بمسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين. في الوقت نفسه، يتواجد المبعوث الخاص جيسون غرينبلات بشكل شبه دائم على الأرض في الوقت الذي تعمل فيه الإدارة على صياغة خطة لإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات.

في شهر يوليو، أقر كوشنر بأن التوصل إلى اتفاق سلام قد لا يكون ممكنا، في تسريب لمحادثة مع متدربين في الكونغرس.

وقال كوشنر في تسجيل حصلت عليه مجلة Wired “ما الشيء الفريد الذي نعرضه؟ لا أعرف”، وأضاف “نحن نحاول العمل مع الأطراف بهدوء شديد لمعرفة ما إذا كان هناك حل. وقد يكون هناك حل، ولكن هذه إحدى المشاكل التي طلب منا الرئيس التركيز عليها”.

مقربون من كوشنر قالوا للصحيفتين إن ترك عدد من خصومه في البيت الأبيض، أمثال بريبوس وكبير مستشاري البيت الأبيض في الشؤون الإستراتيجية، القومي المتطرف المثير للجدل ستيف بانون، لمناصبهم حررت كوشنر لتركيز جهوده على صنع السلام ومكتب الابتكار الأمريكي.

مستشار البيت الابيض جاريد كوشنر يلتقي برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في رام الله، 24 اغسطس 2017 (courtesy, WAFA)

ولكن حتى مع هذه التطورات، يحتل التحقيق الخاص الذي يترأسه روبرت مولر في تواطئ محتمل بين حملة ترامب الإنتخابية وعناصر روس على الأرجح جزءا كبيرا من اهتمام ووقت كوشنر.

ويشمل ذلك الآن تحقيق فريق مولر في دوره خلال الفترة الإنتقالية واتصالاته مع مسؤولين إسرائيليين عندما سمحت إدارة أوباما بتمرير مشروع قانون لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أدان أعمال البناء الإسرائيلية المستمرة في مستوطنات الضفة الغربية، بحسب ما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال”.

وأدلى كوشنر أيضا بشهادته أمام لجنة في الكونغرس تحقق في الدور الروسي في انتخابات 2016.

كيلي قال إنه لم يفكر يوما في “التخلص من جاريد وايفانكا”، وهو ما ذكره عدد من وسائل الإعلام.

كوشنر بنفسه قال لصحيفة “واشنطن بوست” إنه وايفانكا يخططان للبقاء في العاصمة الأمريكية. ودارت شائعات هذا الخريف عن أن الزوجين يفكران بالعودة إلى نيويورك، حيث عاشا هناك حياة مريحة.

هذه الصورة تم التقاطها في 3 مارس، 2017 وتظهر المستشار الكبير للرئيس الأمريكي، جاريد كوشنر (من اليسار) يسير إلى جانب زوجته ايفانكا ترماب لصعود طائرة ’مارين وان’ في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن. (AFP/Mandel Ngan)

وقال كوشنر للصحيفة: “نحن هنا لنبقى”، وأضاف أنه توصل هو وايفانكا إلى هذا القرار في شهر يوليو. “في الوقت الحالي، نحن نتقدم إلى الأمام…. سألتني زوجتي قبل فترة إذا كان يجب علينا البحث عن منازل جديدة، وهذه علامة جيدة”.

لتفسير تقلص دوره في البيت الأبيض، أشار كوشنر إلى مقال معروف للفيلسوف أشعيا برلين، قسم فيه المفكرين إلى فئتين، مستمدا أفكاره من الشاعر اليوناني أرخيلوخوس، الذي قال، “يعرف الثعلب أمورا كثيرا لكن القنفذ يعرف أمرا واحدا كبيرا”.

وقال كوشنر لصحيفة “واشنطن بوست”: “خلال الحملة الانتخابية، كنت أشبه بالثعلب أكثر من القنفذ. كنت أقرب إلى شخص غير متخصص كان عليه تعلم واتقان الكثير من المهارات بسرعة”.

“عندما وصلت إلى العاصمة، جئت مع إدراك بأن المشاكل هناك معقدة للغاية – ولو كانت هذه المشاكل سهلة، لكان تم حلها في السابق – لذلك أصبحت أشبه بقنفذ، حيث تقوم بتولي قضايا تهمك بشكل خاص، والتعمق وتخصيص وقت وطاقة وموارد أكبر في محاولة لإحداث تغيير”.