مع التركيز الإسرائيلي على كل ما له علاقة بإيران والتحرك الوثيق للسفارة الأمريكية، فإن نشر وثيقة الأسبوع الماضي التي تزود الدولة بأدوات لإضفاء الشرعية على آلاف المنازل غير الشرعية في الضفة الغربية بالكاد لاحظها أحد .

في الوقت الذي احتفل فيه عدد من المشرعين في الإئتلاف، بتوصيات تقرير زندبيرغ الذي صدر في 201 صفحة، فقط عضو واحد في المعارضة أصدر بيانا ينقل استنتاجات التقرير في النهاية.

ربما كان هناك شعور بين البرلمانيين وأعضاء الصحافة أن ذلك حدث من قبل، والذين غطوا بكثافة تقريرين مشابهين حول المؤسسة الإستيطانية فور صدور كل منهما في عامي 2005 و2012.

الأول، تقرير “ساسون”، والذي انتقد التزام الدولة في بناء الضفة الغربية غير القانوني من قبل الإسرائيليين واعتبر هذا البناء غير القانوني جريمة جنائية، وبناء على ذلك دعا إلى هدم جميع البؤر الإستيطانية غير المصرح بها.

بعد سبع سنوات، كلف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بإجراء مراجعة إضافية حول الموضوع الذي توصل إلى استنتاجات مختلفة بشكل صارخ. لم يفترض تقرير “ليفي” فقط أن المستوطنات الإسرائيلية هي صالحة بموجب القانون الدولي، لكنه أوصي بأن يتم تشريع عشرات المواقع الاستيطانية غير المصرح بها في الضفة الغربية بدلا من هدمها.

تقريري “ساسون” و”ليفي” تشابهت مع بعضها البعض بطريقة واحدة: لقد بقي كلاهما دون تنفيذ في الأغلب.

قاضية المحكمة المركزية في القدس حايا زاندبرغ (Justice Ministry)

نعم، تم هدم عدد من البؤر الاستيطانية منذ أن تم منح تقرير “ساسون” ومنحت غيرها الوضع القانوني الكامل من قبل الدولة منذ تقرير “ليفي”. ومع ذلك، فإن القرارات الأساسية التي اتخذتها الحكومات التي كلفت هذه التقارير كانت أن يتم تجميدها، إما لأن الاستنتاجات التي توصلت إليها تعتبر متطرفة للغاية أو بسبب الافتقار إلى الإرادة السياسية للتعامل مع تداعياتها.

إن توصيات تقرير زاندبرغ الذي نُشر يوم الجمعة الماضي هي أكثر اتساعا من توصيات تقرير “ليفي”، لأنها توفر الأدوات القانونية لتنفيذ الاستنتاجات التي توصل إليها إدموند ليفي في المحكمة العليا السابقة وفريقه في عام 2012.

مع ذكر مبادئهم التوجيهية للوثيقة، فإن قائمة مؤلفي الوثيقة يكتبون بوضوح نيتهم ​​في تحقيق “إضفاء الشرعية على المجتمعات والأحياء الإسرائيلية القائمة في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)”.

وبناء على ذلك، قد يتوقع المرء أن الوثيقة التي كتبتها قاضية المحكمة الجزئية في القدس، حايا زاندبرغ، قد هبطت على غرار سابقتيها إلى قمة رف الكتب في مكتب رئيس الوزراء.

وماذا في ذلك؟

مع ذلك، فإن وزيرة العدل أيليت شاكيد، التي كانت مؤثرة في التكليف بالتقرير والتي ضغطت بقوة على تعيين زاندبيرغ في العام الماضي، مقتنعة بأن النتائج الأخيرة ستنفذ.

“في الواقع، لقد تم تنفيذ بعضها”، قالت في محادثة هاتفية مع التايمز أوف إسرائيل.

قدمت شاكيد مثالين على السوابق القانونية من تقرير زاندبيرغ التي اعتمدها المدعي العام أفيحاي ماندلبليت للرد على التماسات المحكمة العليا على مدى الأشهر الستة الماضية.

الأول يتعلق بإرساء طريق للوصول إلى بؤرة حريشة في وسط الضفة الغربية على أراض تابعة لفلسطينيين.

في حديثه عن تأييده لإنشاء الطريق، أشار مندبليت إلى الحكم الصادر في أكتوبر 2017 من قاضي المحكمة العليا سليم جبران، الذي كتب أن “السكان الإسرائيليين في المنطقة (الضفة الغربية) … هم أيضا من بين السكان المدنيين في المنطقة. لذا فإن الهيئة الحاكمة ملزمة بالعمل من أجل رفاهيتهم … حتى من خلال انتهاك حقوق الملكية لأصحاب الأرض الفلسطينيين الأصليين”.

وزيرة العدل إيليت شاكيد تصل إلى الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء في مكتب رئيس الوزراء في القدس، في 29 أبريل 2018. (Amit Shabi/Flash90)

ويوصي تقرير زاندبيرغ بتطبيق السابقة التي وضعتها جبران والتي استخدمها ماندلبليت في أنحاء الضفة الغربية لإضفاء الشرعية على المواقع الاستيطانية التي بنيت على أرض تابعة للدولة، ولكن دون أي تراخيص.

ومضت شاكيد لتوضح كيف أن توصية تقرير زاندبيرغ لإضفاء الشرعية على آلاف المنازل الاستيطانية التي تم إنشاؤها بطريقة غير مشروعة بإستخدام “تنظيم السوق”، كانت أيضا سياسة تبناها ماندلبليت.

في ديسمبر، طبقت السّابقة، التي تثق بأن البيوت الإسرائيلية العشوائية بنيت بحسن نية من قبل المستوطنين، ليأذن ببناء 91 منزلا في مستوطنة عوفرا التي اكتشفت وزارة الدفاع مؤخرا أنها ملكا للفلسطينيين.

من شأن تبني “تنظيم السوق” على نطاق واسع كما أوصى به تقرير زاندبرغ، يجب أن يرى تقنينا فعليا لآلاف المنازل المبنية على الأراضي التي اعتقد المستوطنون أنها تنتمي إلى الدولة، إلا أن وزارة الدفاع أخبرتهم فيما بعد بخلاف ذلك.

زعمت شاكيد أن استعداد ماندلبليت في الماضي لتبني سابقة قانونية يبشر بالخير للوثيقة الجديدة التي ساعدت في تكليفها.

كسينيا سفيتلوفا، العضو الوحيد في المعارضة التي أصدرت بيانا ضد التقرير في يوم نشره، قدمت تكهنات مماثلة فيما يتعلق بآثاره.

صورة توضيحية: طريق يمر في تلال الخليل الجنوبية (Hadas Parush/Flash90)

“بسبب عجز الحكومة عن تنفيذ تقرير ليفي، يجب أن يكونوا قادرين على إظهار نوع ما من النتائج حول هذه القضية”، قالت المشرعة في حزب الإتحاد الصهيوني.

مضيفة: “سيعطي ذلك المجال للمستوطنين لمواصلة البناء بطريقة غير شرعية”.

وأشارت إلى التقرير باعتباره “تفويضا قانونيا مطلقا”، مما يوفر سبيلا آخرا للنهوض بما يسمى “قانون التنظيم”.

ويتيح هذا القانون الأكثر شمولية للحكومة الإسرائيلية مصادرة الأراضي الفلسطينية الخاصة حيث تم بناء عليها منازل استيطانية غير قانونية بأثر رجعي، شريطة أن تكون البؤر الاستيطانية مبنية بحسن نية أو لديها دعم حكومي.

عضو الكنيست كسينيا سفيتلوفا (المعسكر الصهيوني) خلال يوم مخصص لتعريف أعضاء الكنيست الجدد على البرلمان الإسرائيلي، 29 مارس، 2015. (Miriam Alster/Flash90)

ولكن حتى قبل أن يتم تمريره من قبل الكنيست في فبراير 2017، أعلن ماندلبليت أنه لن يدعم التشريع، موضحا أنه يتجاهل حقوق السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية. ومنذ ذلك الحين، جمدته المحكمة العليا بانتظار صدور قرار بشأن الالتماسات المقدمة ضده من جانب ملاك الأراضي الفلسطينيين وجماعات حقوق الإنسان الإسرائيلية.

في حين اعترفت سفيتلوفا بأن تقرير زاندبيرغ قد يكون أقل حدة من قانون نزع ملكية الأراضي، إلا أن “الفكرة هي نفسها”.

وقال مايكل سفارد المستشار القانوني لمجموعة الحقوق “يش دين” إن تنفيذ التقرير سيضع الستائر على واحد من قرارات المحكمة العليا الوحيدة بشأن قضايا ملكية الأراضي في الضفة الغربية والتي ما زالت تطبق بعد ما يقرب من أربعة عقود.

في عام 1979، حكمت المحكمة بعدم جواز مصادرة الأراضي الفلسطينية من قبل الدولة لاستخدامها لبناء المستوطنات. “إن اعتماد هذا التقرير سيعني نهاية هذا الحكم”، قال سفارد. “لقد تم إساءة استخدامه بشكل منتظم على الأرض، ولكن لم يحدث ذلك من قبل على المستوى القانوني”.

نزاع الملكية

من خلال تقديم حجج مشابهة لتلك المستخدمة من قبل شاكيد، أصر العديد من الخبراء القانونيين الذين تحدثوا مع التايمز أوف إسرائيل على أن التقرير كان مخصصا لحل النزاعات العقارية.

وأوضح أفي بيل، أستاذ القانون في جامعة بار إيلان، أن التقرير “يوفر أدوات للتعامل مع قضايا الملكية وتقسيم المناطق والمسائل البلدية” التي ظلت منذ عقود دون حل إلى حد كبير بسبب قوانين الملكية في القرن التاسع عشر التي ما زالت تستخدم في حكم الضفة الغربية.

المعايير، التي تم تبنيها خلال الحكم العثماني في فلسطين آنذاك، كان أساس الملكية فيها يتعلق فيما إذا كانت الأرض قد زرعت أم لا. لإثبات الزراعة، يفحص المسؤولون الإسرائيليون – حتى يومنا هذا – الصور الجوية التي تمتد لعقود. إذا أظهرت الصور أن الأرض قد عملت لمدة عشر سنوات على الأقل، فإن الملكية تعتبر فلسطينية – حتى لو كانت هوية المالك غير معروفة.

عناصر الشرطة الإسرائيلية تصل لإخلاء محتجين في 28 فبراير، 2017 في مستوطنة عوفرا في الضفة الغربية، خلال عملية نفذتها القوات الإسرائيلية لهدم 9 مبان. (AFP Photo/Menahem Kahana)

إذا لم يتمكن إثبات الزراعة بشكل ثابت، يمكن مصادرة الأرض من قبل الدولة.

جادل بيل بأن نظام القوانين الصارم الذي تستخدمه الدولة للحكم على نزاعات الملكية في الضفة الغربية جعل من الصعب حل معظمها.

“لقد أوجدت بيئة قانونية حيث يبني الناس أولا ويطلبون الإذن فيما بعد”، قال. “ما يقدمه هذا التقرير هو توفير الأدوات القانونية للإجابة بشكل ملائم على العديد من هذه النزاعات”.

لكن تاليا ساسون، المدعية العامة السابقة في مكتب المدعي العام التي صاغت التقرير الأول عن المواقع الاستيطانية غير القانونية، جادلت بأن وثيقة زاندبيرغ كتبت “على أساس أن الجدل السياسي حول الضفة الغربية قد انتهى”.

“هذا لا يتعلق بحقوق الاراضي للناس العشوائيين … بقدر ما يريدون ذلك”، قالت في إشارة الى مؤلفي التقرير ومؤيديهم. “تحدث هذه النزاعات في سياق سياسي أوسع نطاقا حيث لا تتوافق حقوقنا في الأرض المعنية مع القانون الدولي”.

تاليا ساسون (CC-BY-ND Ralph Alswang / Flickr)

ساسون، التي تشغل الآن منصب رئيس صندوق إسرائيل الجديد، تحدت الشرعية القانونية للعديد من استنتاجات تقرير زاندبرغ.

وقد تطرقت على وجه التحديد إلى التوصية بمنع “فريق الخط الأزرق” التابع لوزارة الدفاع من مراجعة مضبوطات الأراضي القديمة من قبل الدولة لضمان عدم انتهاك حقوق ملاك الأراضي الفلسطينيين.

“إن موقفهم القانوني تجاه قضايا ملكية الأراضي هو “لا نريد أن نعرف””، قالت ساسون.

لكن أستاذ القانون الدولي في الجامعة العبرية روبي سابيل جادل بأن مؤلفي التقرير كانوا يحاولون تقليل الضرر في وضع سيء للغاية أصلا.

“هل ينبغي على هؤلاء الناس (المستوطنين الإسرائيليين) البناء بشكل غير قانوني؟ بالطبع لا، لكن الأمر ليس كما لو كان هناك أشخاص يعيشون هناك قبل ذلك”،أوضح سابيل، الذي عمل أيضا كمستشار قانوني في وزارة الخارجية.

“يمكننا إما أن نهدم ونطرد أو نقبل حقيقة أن هناك من يعيش الآن هناك”، قال.

ادمون ليفي (يسار) يعطي تقرير لجنته لبنيامين نتنياهو في الشهر الماضي. (Flash90)

لكن سفيتلوفا وساسون وغيرهم من منتقدي التقرير يقولون إنه يعتمد على الزعم الضمني بأنه لا يوجد فرق قانوني بين الضفة الغربية وإسرائيل، وهي نزعة يقولون إنها ليست في مصلحة إسرائيل على المدى البعيد.

“أنا أؤمن بالشرعية الدولية، ولم يعترف أحد بسيادتنا في الضفة الغربية”، قالت سفيتلوفا.

وقد رفض بيل، أستاذ القانون في بار ايلان، هذه الحجة.

“يقولون أن كل شيء يتعلق بالاحتلال وأن أي محاولة لمعالجة قضايا الأراضي هذه ترقى إلى غسل الممتلكات”، قال مشيرا إلى أن التقرير ينص تحديدا على أنه لا يتناول قضايا السيادة.