ما هي الإستنتاجات التي يمكن التوصل إليها من حملة الإنتفاضة “الغير عنيفة” لـ”تحرير فلسطين”، التي ابتكرها مروان برغوثي وشركائه إلى جانب حركة حماس والجهد الإسلامي لفترة ما بعد محمود عباس، والتي ذكرها تايمز أوف إسرائيل في وقت سابق من هذا الأسبوع؟

من سجن “هشارون” حيث يقضي خمس مؤبدات لدوره في جرائم قتل خلال الإنتفاضة الثانية، توصل البرغوثي، زعيم “التنظيم” التابع لحركة فتح والذي يتوقع بأن يأتي خلفا لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، إلى تفاهمات مع قيادة حماس في الخارج في الأسابيع الأخيرة حول تنسيق صراع ضد الإحتلال الإسرائيلي وإجبار إسرائيل على العودة إلى حدود ما قبل عام 1967 وإنهاء إتفاق أوسلو وقلب الإعتراف الفلسطيني بإسرائيل.

فكرة الصراع غير العنيف ستتضمن مسيرات واعتصامات وأشكال مقاومة أخرى، من دون هجمات إرهابية أو إطلاق نار. لكن كما نعرف منذ فترة طويلة، فإن الشرق الأوسط مثل أي ميدان معركة آخر، هو “عالم من عدم اليقين”. لذلك، مع كل الإحترام للحديث عن اللاعنف وعما إذا كان هذا الحديث حقيقيا أم لا، فإن الإنتفاضة – أية إنتفاضة – هي قانون في حد ذاتها.

من الواضح أن اليوم الذي سيترك فيه عباس منصبه سيكون يوما أكثر قتامة بالنسبة لإسرائيل. قد ينتهي بنا الأمر إلى الحنين لأيام الرئيس، مهما كان مقلقا التحريض المستمر في هرميته ضد إسرائيل، وذلك ببساطة لأنه، من حيث المبدأ، هو يؤيد المحادثات مع إسرائيل ويعارض الهجمات الإرهابية والإنتفاضة.

إذا نجح البرغوثي بالفعل بالإستيلاء على الحكم، فقد نفتقد لعباس أكثر، وخاصة في الوقت الذي يخطط فيه المدان والمسجون بشكل مكثف لخلافته، وفي الوقت الحالي لا ييدو أن هناك أي شخص سيقوم بتحديه بجدية.

تم اعتقال البرغوثي قبل 14 عاما في مثل هذا الشهر في منزل صديقه زياد أبو عين (الذي توفي في وقت لاحق جراء نوبة قلبية تعرض لها في تظاهرة مناهضة لإسرائيل). منذ ذلك الحين وعلى الرغم من أنه مسجون في إسرائيل – في الواقع، يعود ذلك في جزء منه لسجنه في إسرائيل – أصبح البرغوثي القائد الفلسطيني الأكثر شعبية في الضفة الغربية وغزة. البرغوثي أعلن عن نيته خوض الإنتخابات الرئاسية، وإذا تم إجراء إنتخابات كهذه، فإن فرص فوزه فيها ممتازة.

المسؤولون الإسرائيليون، وربما أيضا قيادة حماس في غزة، قد يرغبون في منع إجراء إنتخابات كهذه – وهناك إحتمال لحصول نقاش ومواجهة وتأخيرات لا نهاية لها حول ما إذا كان سيتم توسيع التصويت ليشمل سكان القدس الشرقية. ولكن على ضوء الواقع السياسي القاتم والدعم الذي يحظى به البرغوثي من قيادة حماس في الخارج، قد يكون هناك تأييد واسع الناطق للبرغوثي إلى درجة تدفع الفلسطينيين إلى إجراء الإنتخابات حتى من دون القدس: أي شيء تقريبا من أجل إنتخابه.

هل ستحاول إسرائيل منع إجراء إنتخابات كهذه والمخاطرة بمواجهة صعبة مع المجتمع الدولي والرأي العام الفلسطيني على حد سواء؟ على الأرجح الجواب هو لا.

مانديلا الفلسطيني؟

في غضون ذلك، المقربون من البرغوثي رشحوه لجائزة نوبل للسلام، بمساعدة حائزين على الجائزة من الأرجنتين وتونس، ويحاولون تصويره على أنه نيلسون مانديلا الفلسطيني. هو بالطبع لا يقترب لأي شيء من هذا القبيل. لقد كان واحدا من أبرز المؤيدين والمخططين للإنتفاضة الثانية المسلحة، بما في ذلك العمليات الإنتحارية بعد إغتيال رفيقه رعد الكرمي في طولكرم في عام 2002.

قد تكون خطته الجديدة تركز علنا على الإحتجاج الغير عنيف، لكنه بكل تأكيد أكثر راديكالية من عباس – ومن هنا تأتي ثقة حماس والجهاد الإسلامي به. قد يكون يفضل التوصل إلى حل الدولتين من خلال المحادثات، ولكن على عكس عباس، هو يعتقد بأنه في حال لم تنجح المحادثات، ينبغي الإنتقال إلى مرحلة التحرك – بكلمات أخرى، إنتفاضة.

من بين المؤشرات الواضحة على إرتفاع مكانة البرغوثي في الرأي العام الفلسطيني هي تصريحات التأييد التي حصل عليها من شخصيات فلسطينية رفيعة المستوى التي تُعتبر هي أيضا خلفاء محتملين لعباس. أبرزهم محمد دحلان، رجل فتح القوي في غزة سابقا.

في السنوات الأخيرة نسج دحلان شبكة من الإتصالات السياسية والمالية عبر العالم العربي، مصر والإمارات ومؤخرا الأردن. يملك الكثير من المال ولديه أيضا صلات في غزة والضفة الغربية (خاصة في مخيمات اللاجئين). مسؤولون في البلدان العربية يرون به لسبب ما خبيرا في التعامل مع “الإخوان المسلمون”، على الرغم من فشله الذريع في القيام بذلك في غزة في عام 2007، عندما قامت حماس بسهولة وبوحشية بإسقاط فتح والإستيلاء على السلطة في القطاع.  

أعلن دحلان عن تأييده للبرغوثي للرئاسة لأنه يدرك بوضوح المزاج العام، الذي يرى بالبرغوثي “منقذا”. وكذلك صائب عريقات، الذي وبصفته الأمين العام للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية هو الثاني رسميا في سلم قيادة المنظمة بعد عباس، وسيكون الخليفة المؤقت، رسميا على الأقل، له مع مجيء الوقت. عريقات أعلن دعمه لترشيح البرغوثي للرئاسة حتى قبل أن يفعل دحلان ذلك – ومرة أخرى، بسبب إدراك للمزاج العام الفلسطيني.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لإسرائيل؟ يعني ذلك صداع كبير وحرج كبير وربما ضغوط دولية لإطلاق سراح البرغوثي من السجن. فكرة أن تشعر إسرائيل بأنها مجبرة على إطلاق سراح البرغوثي قد لا تبدو واقعية في الوقت الراهن، ولكنها بكل تأكيد سيناريو محتمل في المستقبل الغير بعيد.

عباس باق في مكانه

في الوقت الراهن، ينبغي التأكيد على أن عباس، الرئيس المخضرم، والثعلب السياسي المحنك، لا يظهر رغبة بالتنحي.

قبل حوالي عشرة أيام أعلن عباس عن تأسيس “محكمة دستورية”، ما يفترض بأنها خطوة شرعية ستخدم النظام القضائي الفلسطيني بأمانة.

أول من انتقد هذه الخطوة، وبشكل لا يدعو للدهشة، كانوا أعضاء من حركة حماس، التي لم يحاول المتحدث بإسمها، سامي أبو زهري، إخفاء غضب منظمته. أبو زهري ادعى بأن تأسيس المحكمة بشكل أحادي هو خطوة “غير شرعية”، وأنه ينبغي المصادقة على هذا الإجراء بإجماع وطني.

لماذا يتسبب تأسيس محكمة دستورية بإثارة غضب حماس، وبالأخص مع إستئناف المحادثات بين أعضاء رفيعي المستوى من حماس وفتح؟ لأن محكمة كهذه، موالية لفتح، ستسعى على الأرجح إلى تمرير العصا من عباس، بحلول هذا اليوم، بطريقة من شأنها المحافظة على سيطرة فتح على مؤسسات السلطة الفلسطينية وإبقاء حماس بعيدا عن مراكز السلطة.

بالمعنى العملي المباشر، إنشاء المحكمة الدستورية سيساعد أيضا الرئيس الفلسطيني على إدارة ومراقبة السلطة الفلسطينية. تمرير التشريع في السلطة الفلسطينية بحاجة إلى مصادقة البرلمان الفلسطيني. ولكن البرلمان، المجلس التشريعي الفلسطيني، لم يعقد منذ إنقلاب حماس في غزة في يونيو 2007.

بالتالي، عندما يكون هناك حاجة إلى تشريع ما من وقت لآخر يقوم عباس بإصدار “مرسوم رئاسي” يصادق فيه على تمرير قوانين “مؤقتة”. المحكمة الجديدة ستكون قادرة على التصديق على أوامر من هذا القبيل. سيكون بمقدورها أيضا رفع الحصانة عن أعضاء برلمان متمردين – أولئك الذين يُعتبرون خصوم عباس، خاصة من بين مناصري محمد دحلان.

وماذا عن قرارات حاسمة ومركزية أكثر تتعلق بالقوانين الأساسية للسلطة الفلسطينية وتفسيراتها؟ للسلطة الفلسطينية هناك محكمة عليا في رام الله، ولكن هناك مسائل تتعلق بالقوانين الأساسية لا تملك حتى هذه المحكمة صلاحية مناقشتها. المحكمة الدستورية الجديدة التي أسسها عباس، التي أدى قضاتها اليمين القانونية أمام الرئيس في رام الله، من المفترض أن تتعامل الآن مع مثل هذه الأمور. بالتالي، في فترة ما بعد عباس مباشرة قد تكون هذه المحكمة قادرة على اتخاذ قرارت سياسية حيوية، على حساب حماس.

ينص قانون الأساس الفلسطيني على أنه إذا لم يكن الرئيس قادرا على البقاء في منصبه نظرا لعجزه (لأي سبب كان)، يحل رئيس البرلمان محله لمدة شهرين إلى حين إجراء إنتخابات عامة. في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة، التي أجريت في 2006، فازت حماس بأغلبية كبيرة. رئيس البرلمان المنتخب هو الشيخ عزيز دويك، عضو رفيع المستوى في حماس. إذا لم يكن عباس قادرا على ممارسة صلاحياته، سيكون على ورثته العمل على منع دويك من أن يصبح خليفته المؤقت.

وهنا تدخل المحكمة الدستورية إلى الصورة. بإمكانها أن تقرر بأنه بما أنه لم يتم إجراء إنتخابات برلمانية منذ أكثر من 10 سنوات، فقد المجلس التشريعي الفلسطيني شرعيته ومنظمة التحرير الفلسطينية هي المجموعة الوحيدة التي تمثل الفلسطينيين بصورة شرعية. وبالتالي صاحب المنصب رقم 2 في المنظمة بعد الرئيس عباس، هو الأمين العام للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أي صائب عريقات هو الذي سيكون خلفا لرئيس السلطة الفلسطينية، على الأقل بشكل مؤقت.

بالتالي فإن قرار عباس في تأسيس المحكمة الدستورية قد يكون مؤشرا على أنه بدأ أخيرا بتحضير الأرضية لليوم التالي. هل ستستكمل هذه التحضيرات ويتم توضيح مسألة خلافته تماما؟ سوف نرى.

من المحتمل جدا أن عباس سيتخذ إجراءات أخرى في المستقبل القريب. فبعد كل شيء، سيرغب عباس في أغلب الظن برؤية عريقات أو رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية ماجد فرج خلفا له – وليس اختيار الشعب الغير قابل للنقاش، مروان البرغوثي.