لم يترك حسن دباش منزله منذ الحادث الذي وقع في 27 يونيو الماضي في الضفة الغربية، والذي أودى بحياة زوجته السابقة وأطفاله الأربعة. يقول أصدقائه إنه يقوم بزيارة قبورهم في المقبرة المحلية في حي صور باهر في القدس الشرقية هذا كل ما يفعله، وقالوا انه “شبحا” نادرا ما يظهر في الخارج.

قال حسن: “أخبرني طبيبي أنني لا يجب أن أعود إلى العمل لأنني قد أتعرض للانهيار في أي لحظة، لذا سأبقى هنا”.

لم يكن دباش في الحافلة التي كانت في طريقها إلى منزل زوجته السابقة في بيت لحم في ذلك المساء الحار.

وفي حين لم تكمل الشرطة تحقيقها في الحادث، قال دباش إن السائق فقد الصبر في الطريق رقم 60 وحاول تجاوز السيارة التي كانت أمامه، في طريق بدون جوانب وذا مسلكين لإتجاهين.

بعد الانتقال الى مسلك حركة المرور المعاكسة، زادت الحافلة السرعة من أجل الاندماج مرة أخرى في المسلك الأيمن. رفض سائق السيارة السماح لسائق الحافلة بتجاوزه وزاد سرعته هو كذلك، مما أدى إلى اصطدام الحافلة المسرعة بحافلة أخرى كانت قادمة من اتجاه حركة السير المعاكسة.

وقد اصطدمت المركبتان بسرعات تزيد عن 100كم فى الساعة، وفقا لما ذكره دباش. سحبت ست جثث من الحطام عندما وصل المسعفون بعد بضع دقائق.

(باتجاه عقارب الساعة من أعلى اليسار) عيسى، 8؛ محمد 10؛ تيسير 15: إيلينا 6؛ أحمد 17 - قتل جميع الأطفال الخمسة في حادث سيارة في الضفة الغربية في 27 يونيو / حزيران 2017. (Courtesy)

(باتجاه عقارب الساعة من أعلى اليسار) عيسى، 8؛ محمد 10؛ تيسير 15: إيلينا 6؛ أحمد 17 – قتل جميع الأطفال الخمسة في حادث سيارة في الضفة الغربية في 27 يونيو / حزيران 2017. (Courtesy)

وقد لقيت سلافة دباش (36 عاما) وأربعة من أطفالها الخمسة مصرعهم، وهم أحمد (17 عاما) ومحمد (10 أعوام) وعيسى (8 أعوام) وإيلانا (6 سنوات) في مكان الحادث، بالاضافة الى سائق الحافلة الصغيرة عادل أحمد خطيب (56 عاما). تمت معالجة سائق الحافلة الأخرى الذي أصيب بإصابات طفيفة، والذي كان سليما الى حد كبير.

وقد نقل الطفل الخامس، تيسير دباش (15 عاما)، الى مستشفى هداسا جبل المشارف في القدس في حالة حرجة، لكنه توفي متأثرا بجراحه فى وقت لاحق من مساء ذلك اليوم.

وكان دباش يجلس مع أصدقاء له خارج باب العامود في البلدة القديمة في القدس عندما تلقى مكالمة من أخته. أوضحت له أن زوجته السابقة لقيت صرعها في حادث سيارة، ولكن الأطفال الذي كانوا معها لم يصابوا بأذى.

وقال دباش، الذي ظل على اتصال دائم مع زوجته السابقة منذ طلاقهما: “لم يرغبوا في توصيل الأخبار السيئة في آن واحد”.

وبعد خمسة عشر دقيقة، اتصلت شقيقته مرة أخرى وأبلغته ببطء ما حدث بالفعل.

وقال للتايمز أوف اسرائيل يوم الأحد أن “السائق قتل عائلتي، كل ذلك لكي يكسب عدة شواقل إضافية”.

يقف حسن دبش بجانب قبور زوجته السابقة وخمسة أطفاله الذين قتلوا في حادث طرق في الضفة الغربية في 27 يونيو / حزيران 2017. (Jacob Magid/Times of Israel)

يقف حسن دبش بجانب قبور زوجته السابقة وخمسة أطفاله الذين قتلوا في حادث طرق في الضفة الغربية في 27 يونيو / حزيران 2017. (Jacob Magid/Times of Israel)

وقال دباش الذي يعمل موظف فندقي، إنه يشعر بالإنزعاج منذ فترة طويلة من القيادة في الطرق في الضفة الغربية. قال ناظرا للأعلى لأول مرة: “انها مثل قنبلة موقوتة غير معروف متى سوف تنفجر. أنا أخشى الموت كل مرة اخرج إلى تلك الطرق”.

ويعد هذا الحادث ثاني حادث مميت فى غضون اسبوع على نفس الطريق الرئيسي بين الشمال والجنوب في الضفة الغربية.

أربعة أيام قبل حادث عائلة دباش، قالت الشرطة الإسرائيلية أن ثلاثة أشخاص قتلوا وأصيب خمسة آخرون بجروح في حادث اصطدام مروع بين سيارة اسرائيلية وسيارة فلسطينية على الطريق 60. الضحايا كانوا من ركاب السيارة الفلسطينية وهم ثلاثة نساء.

وقال المكتب المركزي للإحصاء إن 12 شخصا قتلوا في حوادث طرق في الضفة الغربية في يونيو فقط.

في عام 2016، ارتفع عدد حوادث الطرق المميتة في الضفة الغربية إلى 32 حادث، مع مقتل 42 شخصا، مقارنة مع 28 حادثا مميتا مع مقتل 34 شخصا في عام 2015.

وفيات العام 2017 على وشك أن تصل إلى أعلى مستوى، مع 31 شخصا الذين قتلوا حتى نهاية يوليو.

أما داخل الخط الأخضر فقد حدث انخفاض طفيف في عدد حوادث الطرق المميتة في العام الماضي، مع 292 في عام 2015 إلى 287 في عام 2016.

وضع السياسة جانبا

وفي ظل هذه الحوادث، عقد رئيس مجلس إقليمي السامرة يوسي داغان اجتماعا مع قادة فلسطينيين محليين الشهر الماضي لإنشاء منظمة مدنية جديدة لمكافحة حوادث الطرق المميتة في الضفة الغربية.

وقال داغان: “هذه المسألة تتجاوز الخلافات السياسية. ان حوادث الطرق هي السبب الاول للوفاة في الضفة الغربية. وقال إن زيادة الوعي في المجتمعات الإسرائيلية والفلسطينية حول أهمية القيادة بمسؤولية يجب أن يكون أولوية قصوى لهذه الحكومة.

وكان أول مشروع للمنظمة حملة في جميع أنحاء الضفة الغربية تحت شعار “اليهود والعرب يريدون العودة إلى ديارهم بأمان”، مكتوب بالعبرية والعربية.

وقال داغان إن الحملة سيعقبها ضغط جماعي فى الكنيست لتشريع الذي يهدف تحسين طرق الضفة الغربية، والتي معظمها بما فى ذلك الطريق رقم 60 ليس فيها سوى مسلك واحد فى كل اتجاه لحركة السير.

واعترف أحد المسؤولين المحليين الفلسطينيين الحاضرين في الإجتماع بأن هذه الظاهرة تضر الفلسطينيين أكثر من غيرهم. وقال المسؤول الذي كان يخشى العقاب من السلطة الفلسطينية للتعاون مع اسرائيل والمشار له بـ”ميم”، أن “الكثير من الناس يقودون في الطرق بدون الحصول على رخصة”.

رئيس المجلس الإقليمي السامرة يوسي داغان يصافح القادة المحليين الفلسطينيين في اجتماع انشاء مبادرة مشتركة جديدة لمكافحة حوادث الطرق المميتة في الضفة الغربية في 13 يوليو 2017. (Courtesy: Samaria Regional Council)

رئيس المجلس الإقليمي السامرة يوسي داغان يصافح القادة المحليين الفلسطينيين في اجتماع انشاء مبادرة مشتركة جديدة لمكافحة حوادث الطرق المميتة في الضفة الغربية في 13 يوليو 2017. (Courtesy: Samaria Regional Council)

وقال: “إن مشكلة سوء القيادة هي الأسوأ لدى سائقي سيارات الأجرة والحافلات الذين يقودون بسرعة كبيرة، والذين أيضا لا يأخذون قسطا كافيا من الراحة”، موضحا أن هؤلاء السائقين غالبا ما يحصلون على عدد لا يحصى من التذاكر من شرطة السلطة الفلسطينية في المناطق ألف وباء من الضفة الغربية، حيث تمارس قوات الرئيس محمود عباس السيطرة المدنية. وأضاف: “لكنهم الآن فقط بدأوا فعلا بسحب رخص السائقين”.

وأفادت الشرطة الإسرائيلية أن سائق الحافلة الصغيرة الذي نقل أسرة دباش تلقى أكثر من 30 تذكرة من شرطة المرور التابعة للسلطة الفلسطينية، ولكن سمح له بالقيادة.

وكان بيان من عائلة دباش أكثر انتقادا للسلطة الفلسطينية جراء الحادث، “نحن، عائلة دباش، نضع المسؤولية الكاملة على السلطة الفلسطينية، برئاسة الرئيس محمود عباس، وعلى شرطة المرور الفلسطينية. هذا جزء من الفوضى على الطرق السريعة والطرق العامة في الضفة الغربية، التي لطالما جنت نفوس أحبائنا من القدس وغيرها من المناطق لفترة طويلة”.

وأوضح حسن دباش أنه لم يشارك في صياغة البيان.

ورفض مسؤولون من وزارة المواصلات فى السلطة الفلسطينية التعليق على جهودهم للقضاء على القيادة المتهورة قائلين انها ليست قضية عامة.

وبالإضافة إلى المطالبة بإنفاذ أكثر صرامة من شرطة المرور التابعة للسلطة الفلسطينية، طالبت الأسرة أيضا الحكومة الإسرائيلية بتوسيع الطرق الخاضعة لولايتها القضائية في المنطقة جيم. “تحتاج الطرق بشكل عاجل إلى مسارين في كل اتجاه”، حسب البيان.

واحدة من عشرات اللافتات في الضفة الغربية المكتوب عليها "عرب ويهود يريدون أن يعودوا للبيت بسلام". (Courtesy: Samaria Regional Council)

واحدة من عشرات اللافتات في الضفة الغربية المكتوب عليها “عرب ويهود يريدون أن يعودوا للبيت بسلام”. (Courtesy: Samaria Regional Council)

وقال “ميم” إن الإجتماع المقبل للمبادرة المشتركة سيشمل مهندسين اسرائيليين وفلسطينيين الذين سيصوغون مشاريع خطط لتوسيع طرق الضفة الغربية. وقال بثقة “في غضون شهرين الى ثلاثة أشهر يجب ان نبدأ في رؤية التغييرات على الأرض”.

إلا أن دودي اسرف قائد شرطة المرور التابعة للشرطة الاسرائيلية في منطقة الخليل، قال إن هذه المشاريع لم تكن واضحة بتاتا. وأضاف أن “اتساع الطرق يصبح مسألة سياسية حيث أن الفلسطينيين يتوجهون أحيانا الى محكمة العدل العليا لمنع البناء”، مضيفا “إنهم لا يريدون أن اعطاء أراضي إضافية مملوكة بشكل خاص للدولة”.

وقال اسرف أنه مع عدم وجود حل وشيك للبنية التحتية فى الضفة الغربية، فإن قسمه ضاعف جهود للقضاء على القيادة غير القانونية. “لقد أدخلنا العديد من الحيل بما في ذلك وضع سيارات الشرطة في أماكن استراتيجية مختلفة في نقاط ترصد في جميع أنحاء منطقتنا، وبمساعدة الكاميرات قمنا بزيادة عدد غرامات المرور بشكل كبير”.

وتعد التكتيكات التى يصفها اسرف جزءا من حملة اكبر شنتها منطقة يهودا والسامرة فى الضفة الغربية بعد حادث 27 يونيو الماضي. ومنذ ذلك الحين يقوم القسم بالإعلان عن تحديثات منتظمة لحوالي 500 و1000 غرامة مرور موزعة على مختلف المخالفات المرورية على الطريق 60 على وجه الخصوص.

وقال أسرف: “هناك نوعا ما من الثقافة هنا في الضفة الغربية، كما هو الحال في الكيبوتسات، التي تفهم القانون، ولكن إذا لم يكن هناك أي شرطة في ذلك الوقت، فإنه ينظر إليها على أنها توصية فقط”.

وخلال دورية استمرت 30 دقيقة لضابطين في سيارة مدنية، رأى هذا المراسل ايقاف ثلاثة فلسطينيين الذين عبروا خطوطا مزدوجة بيضاء بشكل غير قانوني لكي يجتازوا مركبات أخرى الطريق رقم 60. وقال كل من السائقين للضباط إنهم كانوا على عجلة لزيارة أحد أفراد العائلة في المستشفى. كان أحدهم في مقعد السائق رغم عدم حصوله على رخصة. تم احتجازه فورا واحتجزت سيارته من قبل الضباط الذين قبضوا عليه.

الشرطة الإسرائيلية تعتقل فلسطينيا لسياقتة دون رخصة في 30 يوليو 2017. (Jacob Magid/Times of Israel)

الشرطة الإسرائيلية تعتقل فلسطينيا لسياقتة دون رخصة في 30 يوليو 2017. (Jacob Magid/Times of Israel)

وقال اسرف: “كلما زاد عدد الناس مقتنعين بان وجود الشرطة قد يكون فى أي مفترق، سرعان ما سنرى تحسنا فى هذه الظاهرة القاتلة”.

وأضاف أن وحدته قد ركزت بشكل خاص على مصادرة المركبات غير القانونية المعروفة بإسم “مشطوبة”، وهي عبارة عربية تعبر عن السيارات التي تم محو أوراقها عن الشارع. هذه مركبات إسرائيلية التي تحطمت في حوادث أو اعتبرتها السلطات قديمة جدا ولم تسمح لها بالتواجد في الطرق. باحثين عن المزيد من الأرباح، فإن السائقين يبيعون هذه السيارات إلى الكراجات الفلسطينية. وبذلك تعود هذه المركبات في نهاية المطاف مرة أخرى الى الطرق، ولكن تقريبا بشكل حصري في الضفة الغربية، حيث يعتبر الإنفاذ أضعف.

“نحن نسمي هذه السيارات توابيت الموت”، قال “ميم”.

وقال اسرف أن قواته احتجزت عشرات السيارات “المشطوبة” خلال الأشهر القليلة الماضية. يتم نقلها إلى مقبرة خارج مركز الشرطة، حيث يتم تسطيحها بإستخدام رافعة ضخمة.

ومن جانبه أشاد دباش بجهود الشرطة الرامية الى كبح جماح القيادة غير القانونية وكذلك الحملة المشتركة بين الاسرائيليين والفلسطينيين. وقال: “آمل ان يفهم الناس ما تقوله هذه اللافتات بدلا من مجرد قراءتها واكمال يومهم”.

وقال دباش آخر ضحايا الطريق رقم 60 وهو يتحدث جانب قبور أحبائه: “لا ينبغي لأحد أن يمر بما أمر به الآن. لا أحد يجب أن يشعر بهذا الألم”.