هناك شيء غريب للغاية يجري في الفترة التي تسبق الإنتخابات الإسرائيلية.

مساء يوم الخميس، قبل وقت قصير من سيطرة أخبار إطلاق الصواريخ على تل أبيب من غزة على العناوين لمدة وجيزة، فتحت القناة 12 بثها الرئيسي بتقرير مثير مفاده أن إيران قد اخترقت الهاتف المحمول الخاص لبيني غانتس، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق الذي يتقدم حزبه “أزرق-أبيض” على حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

ذكر التقرير التلفزيوني أن أخبار الاختراق قد نُقلت إلى غانتس قبل حوالي خمسة أسابيع على يد ممثلي وكالة الاستخبارات الشين بيت، وقد تم إخبار غانتس أنه ينبغي عليه افتراض أن أي مواد على هاتفه أصبحت الآن في أيدي الإيرانيين وبالتالي التصرف وفقا لذلك.

يوم الجمعة، نظم غانتس مؤتمرا صحفيا على حدود غزة – وهو الأول منذ دخوله الحملة في شهر يناير – حيث كان ينوي فيه على ما يبدو الحديث في المقام الأول عن سياسة نتنياهو الفاشلة المزعومة بشأن غزة في أعقاب إطلاق الصواريخ. لكن بطبيعة الحال، سئل بشكل رئيسي عن اختراق الهاتف. غضب نتيجة لذلك، وتعامل بفظاعة مع الأسئلة.

إشتكى بمرارة من أنه لا ينبغي على الصحفيين أن يسألوه عن هذه “الثرثرة السياسية المجنونة”، في حين ينبغي عليهم التحدث إليه حول الأزمة الأمنية التي شهدت قيام حماس بإطلاق صاروخين على تل أبيب لأول مرة منذ عام 2014، عندما كان يرأس الجيش الإسرائيلي أثناء عملية الجرف الصامد.

لقد تساءل عن توقيت تسريب قصة الاختراق إلى القناة 12 – لسبب وجيه: قبل أقل من شهر من الإنتخابات الإسرائيلية، تم إختيار هذا التوقيت الآن بشكل واضح من أجل إيذاء فرصته في الفوز. رفض سؤالا حول ما إذا كان هناك أي محتوى محرج على الهاتف، قائلا إنه لن يكرّم هذا “الفضول الأخلاقي” بإعطاء الرد. ذكرت صحيفة هآرتس أن مساعدين لنتنياهو ضغطوا في البداية قائلين بأن الهاتف يحتوي على فيديو جنسي، ثم تراجعوا عن هذا الإدعاء. ضغط الصحفيون بشأن ما إذا كان هناك محتوى يتعلق بإمرأة تكون قد حاولت إغراءع، لكنه قال إنه لا يوجد شيء يمكن ابتزازه به. “الهاتف ليس هو القصة”، قال بإصرار.

لكن الهاتف قد يكون القصة. إنها قصة لديها القدرة على التأثير بعمق على ما قيل أنها حملة انتخابية شديدة الحدة – وهي حملة يقود فيها غانتس أقوى تحدٍ لنتنياهو منذ سنوات. حتى كتابة هذه السطور، إنها قصة مليئة بالعناصر المحيرة والأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها بشكل فعال من حزب “أزرق-أبيض”.

تتحدث القناة 12 عن اختراق هاتف بيني غانتس، حيث تظهر صورة لغانتس وزوجته (القناة 12 لقطة شاشة)

من المجرم؟

أولا، هل القصة حقيقية؟ هل تم اختراق هاتف غانتس، وإذا كان الأمر كذلك، فهل تم اختراقه من قبل إيران؟

يبدو أن يئير لبيد، الرجل الثاني في حزب غانتس، اعترف في مقابلة مع القناة 12 مساء يوم السبت، بأن القرصنة حدثت، وأن غانتس أخبر زملاءه في قيادة الحزب بذلك بعد أن اتصل به الشاباك بالأخبار. يبدو أن لبيد يعترف بأن إيران مسؤولة، لكنه قال إن هذا الأمر غير ذا اهمية. أشار إلى أن جهود القرصنة الإيرانية لا هوادة فيها. وغانتس، الذي أشار لبيد إلى أنه اتخذ جميع الاحتياطات الأمنية اللازمة طوال حياته في الجيش، “بالطبع” لم يكن لديه أي محتوى حساس على هاتفه.

في المقابل، صرح موشيه يعلون الرجل الثالث في حزب غانتس بإصرار على القناة 13 مساء الجمعة بأن إيران لم تكن وراء الاختراق.

في حيرة من أمركم؟ جميعنا كذلك.

إذا لم تكن إيران، فمن الذي قام باختراق هاتف غانتس؟ لقد أشار عضو الكنيست السابق في حزب العمل، إيرل مارغليت، وهو رائد أعمال في مجال التكنولوجيا، إلى أن حملة نتنياهو تقف وراء الأمر بأكمله، بينما حذر أيضا من اللاعبين الخارجيين المحتملين. في هذا السياق، نقلت القناة 12 عن خبراء الإنترنت الذين لم يُكشف عن هويتهم ليلة السبت الماضي زعمهم أن روسيا قد طورت الخبرة لاختراق هواتف الناس باستخدام تقنية “النقر المطلق”، وزودت إيران بهذه التكنولوجيا بدورها. (توفر تقنية النقر المطلق إمكانية الوصول إلى محتوى الهاتف دون أن تفعل الضحية أي شيء على الإطلاق – حتى دون النقر على روابط خبيثة). حذر رئيس الشين بيت نداف أرغمان في كانون الثاني (يناير) من أن قوة أجنبية لم يذكر اسمها تحاول التدخل في الانتخابات. روسيا، دون ذكر إسمها، سارعت إلى إنكار أنها لم تفعل أي شيء من هذا القبيل.

السؤال التالي: ماذا كان في الهاتف؟ يزعم حزب غانتس “أزرق-أبيض” أن نتنياهو وحزب الليكود هم وراء التسرب الأولي للخبر للقناة 12 – ليس الاختراق نفسه بل التقرير الإخباري وتسرب الخبر – وأيضا أن مساعدي نتنياهو أطلعوا لاحقا صحفيين إضافيين على القصة، مضيفين معلومات خاطئة حول ما تم اختراقه، لإحراج غانتس.

ليلة السبت، تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن القناة 12 عرضت صورة على الشاشة لغانتس مع زوجته ريفيتال أثناء بث الخبر. كما نقلت القناة عن مصادر أمنية لم تذكرها قولها إنه على الرغم من عدم وجود معلومات أمنية حساسة على هاتف غانتس، فإن الأمر كان “إحراجا شخصيا” له. لم يخض التقرير في التفاصيل.

أسئلة أخرى: هل تم اختراق هواتف السياسيين الإسرائيليين البارزين؟ أفاد موقع “واينت” الإخباري يوم الجمعة أن سياسيا ثانيا، وهو أحد أعضاء مجلس الوزراء الأمني ​​الرفيع المستوى، أُبلغ مؤخرا بالجهود المبذولة لاختراق هاتفه. من هو هذا السياسي؟ ما مدى انتشار هذه الظاهرة؟ ربما يجب أن يقوم الشاباك بتحديث الجمهور حول الخطر، وتوفير تفاصيل محددة.

وما الخطر في كل ذلك؟

في هذه المرحلة، قد نسأل، من يهتم بكل هذا؟ إيران قد إخترقت هاتف غانتس وربما لم تخترقه، لكن لا أحد يزعم – في هذه المرحلة، على الأقل – أن أي مواد أمنية حساسة قد تعرضت للخطر.

حسنا، بصرف النظر عن ما قد يتطور مع تقدم القصة، فإنه هذه القضية تعرض مصداقية غانتس ومن ثم ترشحّه لرئاسة الوزراء للخطر. إن مضمون القصة هو أن الرجل الذي سيكون رئيس وزراء إسرائيل قد أصبح عرضة للهجوم الإلكتروني الذي شنه أعداء إسرائيل الخطرين في طهران. بواسطة هذه القصه، خصوم غانتس يجعلون الإسرائيليون يسألون أنفسهم، هل يمكن الوثوق بمثل هذا الرجل في إدارة الأمة؟

كانت إستراتيجية نتنياهو الرئيسية في مواجهة تحدي غانتس تتمثل في الادعاء بأن القيادة الرباعية لحزب “أزرق-أبيض” – غانتس، لبيد، يعلون، وغابي أشكنازي – هي مجموعة من اليساريين الضعفاء الذين سيعرّضون إسرائيل للخطر إذا تم تكليفهم. مثل هذه الحجة تفتقر إلى مصداقية معينة بالنظر إلى أن غانتس ويعلون وأشكنازي هم جميعا من رؤساء الأركان السابقين في الجيش الإسرائيلي، وكان يعلون أيضا وزير دفاع لدى نتنياهو، وأن مواقف غانتس المعلنة بشأن الصراع الفلسطيني هي أكثر تشددا من مواقف نتنياهو. لكن إذا تعرض غانتس للخطر من قبل إيران الآن، فإن الجهود المبذولة لتشويه سمعته تحقق مكاسب.

حتى كتابة هذه السطور، لم يقدم الليكود هذه الحجة بالتحديد. لكنه قدم حجة أخرى لا تزال أكثر تدميرا. في فيديو للحملة الذي صدر مساء السبت، أكد أن “النظام الإيراني يدعم علنا” غانتس ولابيد.

ما هو مدى الضرر؟

قد تشير استطلاعات الرأي في الأيام القليلة المقبلة إلى ما إذا كانت القصة تؤثر على آراء الإسرائيليين في التصويت. إذا لم يكن “أزرق-أبيض” يشعر بالقلق من أصداء المحتملة مثل حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 – عندما ساهم التركيز على تسرب البريد الإلكتروني الخاص بهيلاري كلينتون في فشل فوزها – فيجب أن يكون قلقا بالتأكيد. زرعت بذور الشك في أذهان الناخبين المحتملين لكلينتون، مما أدى إلى تأرجح بعضهم، وهذا ما يريد منافسو غانتس أن يروا حدوثه هنا الآن. إن رفض غانتس لأسئلة المراسلين ورسائل حزبه المختلطة حول ما يعتقد أنه يجري بالفعل هنا لا يساعد الجمهور على فهم ما يتكشف. كما لا يساعد أيضا إلقاء “أزرق-أبيض” باللوم بشأن التسريب في اتجاهات مختلفة – على نتنياهو والليكود بالدرجة الأولى، ولكن أيضا على الدائرة الوطنية للسايبر التي تعمل من مكتب رئيس الوزراء، على الشين بيت ليلة السبت، او حتى على الموساد.

يعتقد المرشح بوضوح أن هذه القضية ليست جديرة بالإدانة، وأنها ليست جديرة برواية تفصيلية خاصة به. (من المتوقع أنه شعر بنفس الشيء حيال حادثة وقعت الشهر الماضي عندما زعمت امرأة أنه فرض نفسه عليها عندما كان في سن المراهقة في المدرسة الثانوية، لكن هذا كان ادعاءا منذ عقود مضت دون وجود أدلة داعمة، وقد تلاشى الآن). من الواضح أن غانتس يشعر أنه بعد مدة خدمته في هذا البلد، لا ينبغي أن ينجر إلى كل هذا “الفضول الأخلاقي”. ولكن على الرغم من كل ذلك، قد يتعاطف المرء مع مشاعره المبدئية، إنه الآن في ساحة معركة سياسية، وإذا لم يسيطر على القصة التي تظهر، فإنها ستسيطر عليه.

في مناظرة تلفزيونية قبل الانتخابات عام 1996، نتذكرها جيدا لرئيس الوزراء المرتقب للمرة الأولى آنذاك نتنياهو، اتخذ شمعون بيرس الرئيس الحالي موقفا متعجرفا بشكل واضح، ورفض التفاعل بجدية مع منافسه الشاب المفعم بالحيوية. مع العديد من المزايا السياسية، بالأخص أنه كان يسعى للاحتفاظ بالسلطة بعد أن أصبح القائم بأعمال رئيس الوزراء بعد اغتيال اسحق رابين، خسر بيرس الانتخابات التي جرت في شهر مايو لصالح نتنياهو على عكس كل توقاعته. لم يحدث هذا الأمر فقط بسبب موقفه الذي كان على غرار “كيف تجرؤ على التشكيك في تاريخي ومناصبي؟” – أربعة تفجيرات قامت بها حماس في فبراير ومارس 1996 كانت هي العامل الحاسم – لكنها هذا التوجه بالتأكيد لم يساعد بيرس على الفوز.

في مؤتمره الصحفي يوم الجمعة، أشار غانتس إلى أن “هناك حدثان مهمان للغاية هنا” في الفترة التي تسبق يوم الاقتراع يوم 9 أبريل، مضيفا: “وأقترح أن لا يطمسهما أحد: هناك حرب من أجل الوطن، وحرب آخرى من أجل الأخلاق والديمقراطية. متحدثا عن الصراع الأخير، قال: “أعرف أنني سأدفع ثمنا باهظا [لأنني دخلت السياسة]. أعلم أنني ألعب ضد أشخاص تقع حدودهم الأخلاقية في الحضيض”.

إن طريقة تعامله مع قصة اختراق الهاتف على يد إيران حتى الآن تشير إلى أن غانتس لم يستوعب بشكل كامل ما يواجهه حتى الآن.