ربما تلاشى موضوع طالبي اللجوء الأفارقة من العناوين الرئيسية منذ أن ألغى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عمليات الترحيل القسري الشهر الماضي، لكن المئات ما زالوا ينتظرون ساعات كل يوم تحت أشعة الشمس الحارقة في مجمع مليء بالقمامة في بني براك بالقرب من مدينة تل أبيب من أجل تجديد تأشيراتهم المؤقتة.

قامت مجموعة صغيرة من النشطاء المتدينين في الحي والتي سئمت من الظروف هناك بتنظيم مظلات والحمامات والكراسي للحشد المنتظر.

“كانت هناك أكوام ضخمة من القمامة هنا، رائحة التبول، وفرشات قديمة في كل مكان”، قالت فيغي ليفشيتز، المنظمة المركزية لمجموعة “حريديم ضدّ الترحيل”، والتي تستخدم اسما وهميا بسبب التهديدات التي تلقتها لعملها. “كان المكان أسوأ من حديقة الحيوانات في بلد من العالم الثالث”.

في فبراير/شباط، قامت هيئة الهجرة والسكان فجأة بنقل المكتب لتقديم طلبات اللجوء من جنوب تل أبيب، حيث يعيش غالبية طالبي اللجوء، إلى بني براك. في مرفق بني براك يجب على جميع العمال الأجانب، بما في ذلك طالبي اللجوء، الذهاب لتجديد تأشيراتهم. وطالبي اللجوء يحصلون على تأشيرات مؤقتة من ثلاثة إلى ستة أشهر ويجب عليهم تجديدها قبل انتهاء صلاحيتها لتجنب الترحيل أو السجن.

فيغي ليفشيتز، مع ظهرها إلى الكاميرا، في مكتب هيئة السكان والهجرة في بني براك بعد اندفاع الصباح في 23 مايو ، 2018. (Melanie Lidman/Times of Israel)

بسبب انخفاض معدلات الموافقة، طالبو اللجوء أصبحوا مترددين في تقديم طلبات اللجوء. وافقت هيئة السكان والهجرة فقط على 10 إريتريين وسوداني واحد، وهو معدل قبول يبلغ 0.056% فقط، وفقا لما ورد في الخط الساخن للاجئين والمهاجرين. لكن خطة نتنياهو لترحيل آلاف الأفارقة شجعت الكثيرين على الإسراع في تقديم الطلبات.

ومع ذلك، فإن تجديد التأشيرة وطلبات طالبي اللجوء قد أوجد حالة لا يمكن تحملها في منشأة بني براك. وقالت ليفشيتز إن المجمع المسور بالخارج – حيث يتعين على الناس الانتظار في طابور للذهاب إلى المكتب الحكومي – في بعض الأحيان يتواجد فيه أكثر من 3000 شخص دون غطاء أو حماية من المطر أو الشمس. بعض الناس يقضون أيام من الانتظار في الطابور.

“هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها بالعار كإسرائيلية، لدرجة أنني أحرجت من أن أكون مواطنة إسرائيلية”، قالت ليفشيتز. “حتى لو كنا نؤيد عمليات الترحيل، يجب على الأقل معاملتهم مثل البشر. هذا مكتب حكومي، يجب على الناس المجيء إلى هنا”.

كما تقدم عدد من النشطاء والمتطوعين الآخرين للمساعدة في هذا الوضع. يونيت نفتالي من اليليفت، وهي منظمة تساعد أطفال طالبي اللجوء في تل أبيب، تشرف على قوة مؤلفة من 60 متطوعا يتولون التغييرات في المنطقة. ويساعد المتطوعون في ضمان قدرة طالبي اللجوء على فهم الوثائق التي يتلقونها من المكتب والتأكد من وجود نشط للناشطين الإسرائيليين في جميع الأوقات.

وقدم آخرون تبرعات، بما في ذلك مدونو تايمز أوف إسرائيل ديانا ليبتون وزوجها حاييم، الذي تبرع بمبلغ 18,500 شيقل للمظلات، وساعدت فيليبا فريدلاند، نائبة مدير مركز التنمية المشتركة بين الأديان، في جمع أكثر من 10,000 شيقل لضمان وجود مراحيض محمولة. وتقوم فريدلاند وممثل من المجتمع الإريتري بتنظيف المراحيض لأن الصيانة الأسبوعية من الشركة لا تكفي للاستخدام الكبير.

ونظم طالبو اللجوء أنفسهم أيضا. وقد نشأ متجر غير رسمي، وكذلك أشخاص يقومون ببيع كل شيء من العطور إلى الحقائب البلاستيكية للتأشيرة المؤقتة. في الأسبوع الماضي، قامت بلدية بني براك بتفكيك بعض الخيام التي أقامها البائعون، حيث قالت أن السوق غير الرسمي قد أصبح فوضويا.

بدأ ملتمسو اللجوء أعمالًا غير رسمية تقدم القهوة والوجبات الخفيفة لمئات الأشخاص الذين ينتظرون خارج مكتب هيئة الهجرة والسكان في بني براك، مثل هؤلاء الباعة الذين تم تصويرهم في 23 مايو 2018. (Melanie Lidman/Times of Israel)

من هذه الفوضى، أصبح أتكليتي أفراهام مايكل، وهو طالب لجوء إريتري، عمدة نقطة التجمع. خلال الأشهر الأربعة الماضية، يصل مايكل، الذي كان يعمل كمساعد في بيت مسنين في هرتسليا، إلى مجمع بني براك كل يوم من الساعة 6:30 إلى الساعة 4:00 مساء لتنظيم طالبي اللجوء. ويحافظ على النظام في الخط المتعرج، يتوسط النزاعات التي تنشأ بين الناس الذين ينتظرون لساعات، ويعمل بمثابة نقطة الاتصال الرئيسية بين حراس الأمن بهيئة الهجرة والسكان وطالبي اللجوء.

وتقول ليفشتز إن مجموعة “حريديم ضد الترحيل” هي عبارة عن مجموعة صغيرة نسبيا تضم ​​حوالي 20 عضوا نشطا. لكن مايكل قال إن وجودهم كان أحد الأشياء التي لمست طالبي اللجوء أكثر من ناشطين آخرين. عندما جاء أعضاء “حريديم ضد الترحيل” للطلاء على الجدران العنصرية التي تم رشها على أسوار الألمنيوم، أرسل مايكل صورا للحريديم يصور السياج إلى مئات الأشخاص. أراد أن تعرف جميع شبكاته من الذي يساعد مجتمعه على محو أشياء مثل كتابات الجدرات “ليعود المتسللون إلى ديارهم!” و “نعم للترحيل!” التي رسمها الناس على الأسوار المحيطة بالمجمع.

“إن رؤية تغطية الحريديم للكتابات على الجدران أعطانا بالفعل هذا الشعور بالبهجة”، قال مايكل. “مجتمعنا يعرف المنظمات مثل “عساف” [منظمة المعونة لطالبي اللجوء واللاجئين] و”اليفلت” وغيرها. لكن لا أحد يعرف أن الحريديم يفعلون ذلك من أجلنا”.

وأشارت ليفشتز إلى أنه كان موقفا غير عاديا بالنسبة للحريديم.”عادة، لا يتخذ المجتمع الحريدي موقفا حول القضايا التي لا تؤثر علينا بشكل مباشر”، قالت مشيرة إلى أن معظم العمل السياسي للمجتمع الديني يركز على القضايا اليهودية. “الآن، نحن نتحمل المسؤولية عن أشياء خارج مجال الحريديم، وحتى خارج المجال اليهودي”.

وقالت ليفشيتز إن المنظمة لها غرضان: مناشدة الطائفة الحريدية لاتخاذ موقف ضد عمليات الترحيل، وكذلك إرسال رسالة إلى بقية المجتمع الإسرائيلي مفادها أن هناك يهود متدينين يعارضون عمليات الترحيل.

“نحن نحضر صوت التوراة والإنسانية”، قالت. “مكتوب 36 مرة في التوراة ليتذكر كيف يبدو الأمر غريبا”.

التبرع بخيام خارج مكتب هيئة الهجرة والسكان في بني براك يوم 15 مايو 2018. (Courtesy Haredim Against the Deportations)

كان لهدفهم الثاني، توصيل الرسالة من داخل المجتمع الحريدي إلى العالم الخارجي، تموجات واسعة لكونهم مجموعة صغيرة، قائلين: “نحن نقول للمجتمع الإسرائيلي أننا، نحن الحريديم، لدينا صوت، ونحن نتحمل المسؤولية عن ذلك. لا يهم إذا كنا أقلية في المجتمع، لدينا صوت يستند إلى إيمان داخلي عميق”.

وقالت ليفشيتز إنها تلقت رسائل من قبل عدد من الأشخاص، لا سيما من المتدينين السابقين، الذين يقولون لها: “إذا كانت هذه هي اليهودية، يمكنني التواصل مع ذلك”.

لكنها تلقت أيضا عددا من التهديدات الشخصية بعد بدء التنظيم، وهذا هو السبب في رفضها للتصوير واستخدام اسم وهمي. وقالت إنها لا تزال تحاول إيجاد التوازن الصحيح، للبقاء على صلة بالمجتمع الحريدي، وفي نفس الوقت التأثير في هذه القضية. لهذا السبب قررت المجموعة عدم إرسال ممثل إلى المظاهرات الكبرى في تل أبيب، بل قضاء بعض الوقت في تجميل مجمع بني براك، حيث يمكنهم إحداث فرق ملموس.

“الرسالة تدور حول التعاطف مع اليهود، وبأننا كيهود، يجب أن نقبل اللاجئ”، قالت. “لكن الأمر لا يتعلق فقط بالتعاطف، بل يتعلق أيضًا بالوقوف واتخاذ الإجراءات”.

طالبو اللجوء الأفارقة ينتظرون تجديد تأشيراتهم في مكتب هيئة السكان والهجرة في بني براك في 23 مايو 2018. يتلقى الأفارقة تأشيرات مؤقتة يجب عليهم تجديدها كل ثلاثة إلى ستة أشهر.
(Melanie Lidman/Times of Israel)

قالت سابين حداد، المتحدثة بإسم هيئة الهجرة والسكان، إن الوكالة الحكومية ليست مسؤولة عن ظروف الانتظار خارج المكتب في المنطقة التي تعمل فيها ليفشيتز والمتطوعون الآخرون. وأضافت أن السلطة ممنوعة من وضع أي مظلات أو كراسي “في الشارع”، على الرغم من أن منطقة الانتظار خارج المكتب مسيجة. وأشارت ليفشتز إلى أن الأسوار تمنع الناس المتسوقون في سوبرماركت “رامي ليفي” القريب من رؤية ما يحدث فى منطقة الانتظار، بجوار موقف سيارات “رامي ليفي”.

امتدت فوضى عملية اللجوء الإسرائيلية إلى ما وراء طالبي اللجوء الأفارقة الموجودين في البلاد. فتح وقت الانتظار الطويل للحصول على وضع اللجوء الباب أمام ما يقرب من 25,000 مهاجر أوكراني وجورجي غير شرعي ممن تقدموا بطلبات للجوء في العامين الماضيين، والذين أتت الأغلبية العظمى منهم للحصول على فرص اقتصادية. فهم يأتون إلى تأشيرات سياحية ويمكنهم البقاء في البلاد حتى تقرر وزارة الداخلية ملفاتهم، وهي عملية قد تستغرق سنوات بسبب تراكم طلبات طالبي اللجوء الأفارقة.

طابور الانتظار في وقت متأخر من الليل خارج مكتب هيئة الهجرة والسكان في جنوب تل أبيب ، 29 سبتمبر 2017. (Luke Tress/Times of Israel)

في فبراير، أفادت هيئة الهجرة والسكان أن هناك تراكما يضم ما يقرب من 8800 طلب لجوء. بين عامي 2009-2017، فتح 15,400 شخص ملفات طلب اللجوء لدى المكتب. رفضت إسرائيل منح اللجوء لـ ـ6600 شخص. منذ شهر فبراير، وقام آلاف الأشخاص بفتح طلبات جديدة.

يأمل مايكل ولفشيتز أن تكون الشائعات التي تقول إن نتنياهو يعيد النظر في صفقة المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد أثبتت صحتها. الصفقة التي اقترحها نتنياهو في الثاني من أبريل وقام بإلغاءها الساعات التي تلت ذلك، ستعيد توطين حوالي 16,000 من طالبي اللجوء في بلدان ثالثة في أوروبا وأمريكا الشمالية مقابل الحصول على وضع دائم لحوالي 20,000 طالب لجوء للبقاء في إسرائيل.

يوم الثلاثاء، قدم 64 من رجال الأعمال الإسرائيليين البارزين اقتراحا إلى الحكومة لحل قضية طالبي اللجوء الذين يتمركزون في أفقر أحياء تل أبيب، حسبما أفادت صحيفة “هآرتس”. وشجع الاقتراح نتنياهو على قبول صفقة المفوضية، وتفريق طالبي اللجوء في جميع أنحاء إسرائيل بحيث لا يتجاوز عددهم 1% من أي مجتمع، وتشجيع طالبي اللجوء، بدلا من العمال الأجانب، على العمل في الصناعات التي تعاني من نقص في القوى العاملة مثل الزراعة والرعاية الصحية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الرسالة، التي ضمت الموقعين عليها مديرين سابقين لمكتب رئيس الوزراء، وأمنون نيوباخ، رئيس بورصة تل أبيب، شجعت الحكومة على اتخاذ إجراءات ملموسة لإعادة تأهيل جنوب تل أبيب. ذكرت الرسالة إن تشجيع طالبي اللجوء للعمل في صناعات تعاني من نقص يبلغ 3.3 مليار شيقل سنويًقا وزيادة إيرادات ضرائب الدخل بمبلغ 159 مليون شيقل وإيرادات مؤسسة التأمين الوطني بمبلغ 110 ملايين شيقل.وبموجب هذا الاقتراح، يمكن للمستشفيات التي تعالج حالياً ملتمسي اللجوء دون تأمين كامل أن تقلل من ديونها غير القابلة للاسترداد بقيمة 10 ملايين شيقل.

وتأمل ليفشيتز في أن الرسالة، التي تركز على الفائدة الاقتصادية التي يمكن أن يجلبها طالبي اللجوء إلى إسرائيل، ستجعل الناس يعيدون النظر في معارضتهم للأفارقة. وبإعتبارها ابنة ناجين من المحرقة، قالت إنها ما زالت تشعر بالغضب تجاه الدول التي رفضت والديها بعد الحرب العالمية الثانية، وتأمل بأن لا ترتكب إسرائيل نفس الخطأ.

“هل نحن جزء من عائلة الأمم أم لا؟ هناك 65 مليون لاجئ في العالم، لماذا لا تستطيع دولة إنسانية متقدمة مثل إسرائيل التعامل مع 35,000 لاجئ؟”، سألت.

وقالت ليفشيتز إن قضية الترحيل مثيرة للجدل إلى حد كبير لأنها تقطع جوهر هوية إسرائيل ذاتها. “إنه صراع يجبر إسرائيل على أن تسأل: “من نحن؟” أي نوع أمة نريد أن نكون؟”