قد لانكون قد وصلنا بعد إلى خضم إنتفاضة ثالثة بالكامل. من الممكن أن الخطوات القادمة التي ستتخذها السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، على التوالي، ستعمل على تهدئة التوتر وقمع الإضطرابات في الأيام المقبلة. ولكن سلسلة الأحداث في الأيام القليلة السابقة لا توحي بالتفاؤل.

حوادث العنف المتعددة وأعمال الشغب والإصابات والقتلى على الجانبين بدأت تُسمع وتبدو كبداية لثورة فلسطينية مستمرة، “إنتفاضة”.

حتى صباح الأحد، بعد يوم من هجومين منفصلين في البلدة القديمة في القدس اللذين أسفرا عن مقتل إسرائيليين وإصابة ثلاثة، من بينهم طفل في الثانية من عمره، بدا أن الوضع في السياق الأوسع كان تحت السيطرة نسبيا، وأن الهجمات الإجرامية كانت أحداث معزولة ل”أفراد” من دون دعم الشارع الفلسطيني – “إنتفاضة خاصة”، كما وصفها الصحافي الفلسطيني المخضرم ومراسل وكالة أسوشيتد برس، محمد ضراغمة. ولكن يبدو أن المعادلة تغيرت منذ ذلك الوقت.

بداية، لم تخف حدة الإحتجاجات في القدس. في الواقع، منذ عيد رأس السنة اليهودية في الشهر الماضي شهدت العاصمة ما يبدو كثورة شعبية – مواجهات عنيفة بين محتجين فلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية، وإلقاء حجارة وزجاجات حارقة. إضطرايات متواصلة في الشوارع. ولكن موجة الإحتجاج في القدس الشرقية توقفت عند الجدار الفاصل ولم تصل إلى الضفة الغربية. السكان الفلسطينيون هناك رفضوا الإنضمام إلى الإحتجاجات، ويعود جزء كبير من ذلك للسلطة الفلسطينينة ولكن أيضا لعدم مبالاة الشارع. ظاهرة مماثلة كانت واضحة في العام الماضي بعد جريمة قتل الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير؛ لم تصل الإحتجاجات إلى ما وراء القدس الشرقية.

ولكن في اليومين الماضيين، تغيرت الأمور. فنحن لم نعد نتحدث عن هجمات لأفراد، ولكن عن مشاركة المئات وأحيانا الآلاف في إحتجاجات الضفة الغربية، من جنين في الشمال إلى الخليل في الجنوب.

بحسب معطيات إسرائيلية، شارك في الإحتجاجات في الضفة الغربية يومي الأحد والإثنين 3,000 شخص، في حين أن السلطة الفلسطينية قدرت أن الأعداد كانت أكبر من ذلك. قُتل فتى (12 عاما) وشاب (18 عاما) فلسطينيان بنار الجيش الإسرائيلي، وأُصيب العشرات. بحسب “الهلال الأحمر الفلسطيني”، إحتاج المئات للعلاج.

لم يكن ذلك “مجرد يوم آخر” من الإحتجاجات في الضفة الغربية. هذه الأرقام قد تؤدي بسهولة إلى فقدان السيطرة من جانب السلطة الفلسطينية وإلى مواجهة أوسع نطاقا.

عنصر آخر هو مشاركة الوسط العربي في إسرائيل. على الرغم من أن المظاهرات يوم الإثنين كانت هادئة نسبيا، شهدت الناصرة بعض حوادث العنف. كما رأينا خلال أحداث أكتوبر 2000، فإن الإحتجاجات داخل الخط الأخضر قد تؤثر سلبا على الضفة الغربية.

السلطة الفلسطينية لم تقم بوقف العمليات الأمنية، حتى الآن. يوم الإثنين دعا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى إجتماع طارئ لقادة الأجهزة الأمنية في محاولة لإستعادة الهدوء في الضفة الغربية. تبادلت إسرائيل والسلطة الفلسطينية رسائل تهدئة خلال اليومين الماضيين وأعربت كل منهما عن رغبتهما في تجنب المزيد من المواجهات العنيفة. ولكن من غير الواضح إذا كان لأي طرف القدرة على فعل ذلك في هذه المرحلة.

لم نصل حتى الآن إلى نقطة اللاعودة. ما زال بإمكان الجانبين تهدئة لهيب النيران. ولكن في هذه المرحلة، الأحداث التي تمكنت السلطة الفلسطينية وإسرائيل من إحتوائها في السابق – هجمات فلسطينية أو إسرائيلية، مواجهات في الحرم القدسي، وما إلى ذلك – قد تكون الشرارة التي ستشعل تصعيدا كبيرا.

الكثير من المحتجين يحتقرون السلطة الفلسطينية وقيادتها، والسؤال الرئيسي الآن هو ما إذا كان أولئك الذين يخدمون في أجهزة الأمن سيواصلون الإمتثال للأوامر الصادرة عن المقاطعة في رام الله. معظم عمليات إطلاق النار في الضفة الغربية كانت من تنفيذ حركة حماس، ولكن معظم الأسلحة في الضفة بين أيدي حركة فتح. هل ستختار فتح الإنضمام إلى العنف في مرحلة ما؟

يوم الأحد، تعرض قائد فرقة يهودا والسامرة في الجيش الإسرائيلي لإطلاق النار من قبل مجهولين في رام الله. هل من الممكن أن عباس بدأ يفقد السيطرة على أتباعه؟

التحذيرات كانت موجودة دائما

هذه التطورات لم تفاجئ خبراء الأمن الإسرائيليين. شهد العام الماضي تحذيرات تقريبا من كل هيئة رسمية تعمل في الأراضي الفلسطينية بأن تصعيدا في العنف هو أمر متوقع.

جميعهم حذروا من أن الوضع الراهن في الضفة الغربية آخذ بالتغير ومن الممكن توقع إزدياد في الهجمات الإرهابية.

الكثير من هذه الأجهزة شددت على دور عباس والسلطة الفلسطينية في الحفاظ على الهدوء النسبي في الضفة الغربية. ولكن القيادة السياسية في إسرائيل إختارت كما يبدو تجاهل هذه الرسالة.

وافق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه موشيه يعالون على تخفيف بعض القيود الإقتصادية المفروضة على السلطة الفلسطينية. ولكنهما رفضا إتخاذ خطوات جدية أكثر لتعزيز مكانة عباس، ولا سيما ما يشمل خطوات كان من شأنها أن تمكن من إستئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية.

مرة تلو الأخرى، بما في ذلك هذا الأسبوع، وصفوا عباس بأنها محرض وداعم للإرهاب. حتى عندما وصف رئيس جهاز الشاباك، يورام كوهين، رئيس السلطة الفلسطينية بأنه “جزء من الحل، وليس المشكلة”، واصلوا تحميل عباس المسؤولية.

لم يلقي عباس بـ”القنبلة” التي توعد بها في الأمم المتحدة. ولم يعلن عن إلغاء إتفاق أوسلو، وقال فقط بشكل مبهم أنه لم يعد يرى السلطة الفلسطينية ملتزمة به. لم يعلن كذلك عن إستقالته. صحيح أنه اتهم إسرائيل بالمس بقدسية الحرم القدسي، ولكنه كان قد أدلى بخطابات لاذعة أكثر في الماضي.

ولكن عندها جاء الهجوم الدامي في الضفة الغربية، والذي قُتل فيها نعمة وإيتام هينكين أمام أعين أطفالهم، تم تحميل عباس مرة أخرى مسوؤلية العنف.

نشطاء حماس الذين نفذوا الهجوم لم يرغبوا فقط بإثارة إنتفاضة. فقد أردوا أيضا إلحاق الضرر بعلاقة إسرائيل بالسلطة الفلسطينية وإضعاف عباس. يبدو حتى الآن بأنهم نجحوا في تحقيق أهدافهم الثلاثة.