حلحول، الضفة الغربية – في عيادة طبية صغيرة في شمال غرب الخليل، استقبل العشرات من أفراد عائلة أبو عصبة الأربعاء جثمان فقيدهم الغالي، محمود ابو عصبة، الذي قُتل جراء سقوط صاروخ تم إطلاقه من غزة في وقت سابق من الأسبوع.

انفجرت نهال أبو عصبة فورا بالبكاء وانهارت على الأرض عندما رأت جثمان ابنها البالغ من العمر 48 عاما. قام أفراد من عائلتها برفعها ومساعدتها على الجلوس على كرسي قريب.

“محمود… محمود” صرخت الأم في الوقت الذي قام فيه أفراد الطاقم الطبي بحمل جثمانه إلى داخل العيادة في بلدة حلحلول في الضفة الغربية لغسله ولفه بقماشة بيضاء.

في وقت لاحق حمل أفراد من العائلة وسكان محليين الجثمان إلى مسجد النبي يونس في حلحول، حيث أجريت الصلاة التقليدية على روحه قبل أن يوارى جثمانه الثرى في مقبرة قريبة، إلى جانب جده.

الجنازة كانت خالية تقريبا من الهتافات وأعلام الفصائل الشائعة في جنازات فلسطينيين يُقتلون في أحداث مرتبطة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، لكن تم وضع الكوفية التقليدية على جثمان محمود.

ولم يحضر أي مسؤول من السلطة الفلسطينية مراسم الجنازة. على النقيض من ذلك، قبل شهر، شارك العديد من المسؤولين رفيعي المستوى في السلطة الفلسطينية في جنازة فلسطينية يُزعم أنها قُتلت بأيدي مستوطنين في شمال الضفة الغربية. عدد قليل من الصحافيين غطى الحدث.

وكان محمود أبو عصبة، وهو فلسطيني من سكان حلحول، مقاولا يحمل تصريحا للعمل في إسرائيل، حيث قضى معظم وقته.

في وقت متأخر من ليلة الإثنين لقي محمود مصرعه، وأصيبت سيدة فلسطينية بجروح خطيرة، بعد أن سقط صاروخ أطلقه مسلحون من غزة مباشرة على مبنى شقق سكنية في أشكلون حيث تواجد الإثنان. الهجوم جاء خلال فترة 24 ساعة من العنف الشديد التي شهدت إطلاق أكثر من 400 صاروخ من غزة باتجاه إسرائيل.

وقام الجيش الإسرائيلي بشن غارات جوية على بنى تحتية تابعة لحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في القطاع الساحلي، بحسب ما أعلن الجيش.

وفي غلطة لاقت إنتقادات شديدة، لم تلاحظ قوات الإنقاذ الشقة التي تواجد فيها محمود والمرأة. المنقذون قاموا بتمشيط المبنى بحثا عن ضحايا وإخلاء عدد من المصابين، لكنهم غادروه من دون العثور على أبو عصبة والمرأة. عًثر على الاثنين بعد أكثر من ساعة من وقوع الصاروخ من قبل شلومو لانكري، وهو من السكان المحليين.

عُثر على أبو عصبة ميتا داخل المنزل. السيدة، التي لم يتم الكشف عن هويتها، تم اكتشافها وهي على قيد الحياة ونقلها إلى “مركز برزيلاي الطبي” في أشكلون، بعد ظهر الثلاثاء كانت في حالة متوسطة، بحسب متحدثة باسم المركز الطبي.

محمود أبو عصبة (48 عاما)، من بلدة حلحول في شمال الخليل، قُتل يوم الإثنين في 12 نوفمبر، 2018، عندما سقط صاروخ أطلقه مسلحون من غزة على منزل في مدينة أشكلون الساحلية في جنوب إسرائيل. (Twitter screen capture)

محمود كان المدني الوحيد الذي قُتل في إسرائيل خلال التصعيد الحاد في العنف عبر الحدود بين يومي الأحد والثلاثاء.

بعد أن سارت عملية إسرائيلية بشكل خاطئ في غزة يوم الأحد وأسفرت عن مقتل ضابط إسرائيلي وسبعة مقاتلين فلسطينيين، أطلقت الفصائل الفلسطينية في القطاع الساحلي مئات الصواريخ والقذائف باتجاه إسرائيل. الجيش الإسرائيلي رد باستهداف بنى تحتي لحركتي حماس والجهاد الإسلامي.

لسخرية القدر، فإن الشخص الوحيد الذي قُتل في هذا الهجوم الصاروخي كان فلسطينيا – شخص تحدثت تقارير عن مقته للصراع العنيف.

عمل أبو عصبة في إسرائيل في السنوات ال15 الأخيرة تقريبا، بحسب عمه عماد أبو عصبة.

وقال عماد، الذي يملك شركة لتأجير السيارات، في محادثة هاتفية الثلاثاء: “كان يذهب إلى إسرائيل الأحد ويعود إلى حلحول يوم الجمعة. كان هذا روتينه الأسبوعي”.

نجل أبو عصبة، بشير، قال لموقع “واينت” الإخباري إن لوالده الكثير من الأصدقاء اليهود وأنه كان قلقا جدا من اندلاع العنف. بشير قال أيضا إنه اعتزم العودة إلى حلحول يوم الثلاثاء.

المنشور الأخير لأبو عصبة على موقع “فيسبوك” كان مقطع فيديو لصاروخ يتم إعتراضه في أشدود كما أشار.

وكتب “أشدود الآن. لطفا يا الله!”

عماد أيضا قال إن العائلة تعارض الهجمات الصاروخية على إسرائيل والغارات الإسرائيلية في غزة.

عماد أبو عصبة يجلس على الرصيف بالقرب من مسجد النبي يونس في بلدة حلحول في الضفة الغربية، 14 نوفمبر، 2018. (Adam Rasgon/Times of Israel)

وقال يوم الثلاثاء “لقد كتب الله لمحمود ما حدث معه. ولكننا ضد الهجمات الصاروخية والغارات على غزة. نريد أن تتوقف جميعها لأننا لا نريد رؤية المزيد من الضحايا”.

وقال عماد إن محمود ترك وراءه زوجة وابنتين تدرسان في جامعتين محليتين وثلاثة أبناء، من بينهم شاب يتعلم في أكاديمية عسكرية في روسيا على حساب السلطة الفلسطينية وطفل يبلغ من العمر 5 سنوات.

وقال أشرف المصري (43 عاما)، ابن عم القتيل، “لقد كان محمود مثل أخي. لقد كان أحد هؤلاء الأشخاص الذي يجلبون معهم الإثارة والطاقة للمناسبات العائلية وحفلات الزفاف”.

ووصف أشرف محمود أيضا بأنه كان شخصا كريما دعم أفراد عائلته وأصدقائه.

وقال “عندما علم قبل بضعة أسابيع بأن أحد أبناء عموميته يحتاج إلى زراعة كبد، قام بكل الفحوصات الضروية لمعرفة ما إذا كان يمكنه التبرع بجزء من كبده. لقد قام بكل الفحوصات من دون حتى أن يبلغنا مسبقا”.

تعتزم الوكالة اليهودية إرسال دعم لعائلة محمود من صندوقها لضحايا الإرهاب، بحسب ما أكده متحدث باسم يتسحاق هرتسوغ، رئيس الوكالة، في محادثة هاتفية.

صحيفة “نيويورك تايمز” كانت أول من كشف عن أن الوكالة اليهودية تعتزم إرسال أموال لعائلة أبو عصبة التي ستكون أول عائلة غير إسرائيلية تحصل على أموال من صندوق الوكالة “في السنوات الأخيرة”، بحسب ما قاله المتحدث.

ردا على سؤال حول ما إذا كانوا سيقبلون بهذا الدعم المالي، قال عماد ووالد محمود، عبد الرحيم، وأفراد آخرون في العائلة إنهم سيقبلون بها، لكنهم أشاروا إلى أن الوكالة اليهودية لم تقم بالتواصل معهم حتى الآن.

ولم يصدر رد فوري من انتصار الوزير، رئيس الهيئة المسؤولة في منظمة التحرير الفلسطينية عن الدفعات لعائلات “الشهداء” الفلسطينيين، على سؤال حول ما إذا كان يحق لعائلة أبو عصبة الحصول على دعم من المؤسسة.

أفراد عائلة أبو عضبة يستقبلون جثمان محمود أبو عصبة في عيادة طبية في بلدة حلحول في الضفة الغربية. (Adam Rasgon/Times of Israel)

وقال عماد وأشرف وأفراد آخرون من العائلة أيضا إنهم لا يعرفون من هي المرأة التي كانت في الشقة مع محمود عند سقوط الصاروخ. صحيفة “نيويورك تايمز” ذكرت أنها زوجة محمود الثانية، التي تزوج منها قبل نحو ستة أشهر.

بعد أن ووري جثمان أبو عصبة الثرى الأربعاء، احنتشد أفراد العائلة في قاعة للمشاركة في وجبة أرز أصفر ولحم بقر.

متحدثا خارج القاعة، رثى أشرف غياب محمود.

وقال: “لقد كان مهما لي وللناس هنا. لست متأكدا مما سنفعله من دونه”.