أ ف ب – غداة يوم استفتاء تاريخي متوتر في كركوك، يرفض أبناء المكون العربي الذين قاطعت غالبيتهم عملية التصويت، الحديث عن شعور بالخوف من أي تهديدات قد تمس وجودهم في المحافظة النفطية التي توجد فيها مصالحهم وعائلاتهم.

يقول عضو مجلس محافظة كركوك عن المكون العربي الشيخ برهان العاصي لوكالة فرانس برس إن “العرب رافضون للاستفتاء. كركوك فيها مكونات رئيسية ولا يجوز تجاوز رأيها”.

لكن العاصي يحاول مع ذلك التخفيف من حدة التوتر قائلا “لنكن صادقين. أبناء كركوك لا يطلبون شيئاً غير التعايش. جميعهم لديهم مصالح”.

وتعد كركوك من أبرز المناطق المتنازع عليها بين حكومتي بغداد وإقليم كردستان. وتصاعد التوتر في المحافظة بعيد الاعلان عن ضمها الى المناطق التي سيجري فيها الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان، الذي دعا إليه الرئيس مسعود بارزاني، ما أثار غضب بغداد ودفعها إلى إقالة المحافظ.

وفي يوم الاستفتاء وقبل نحو ساعتين من إغلاق مراكز الاقتراع، أمرت سلطات المحافظة الغنية بالنفط بفرض حظر للتجول في وسط المدينة وجنوبها، حيث العرب والتركمان، خوفاً من أي حزازات مع الأكراد المحتفلين.

ولكن مع الفجر الجديد في المدينة، ورفع حظر التجول، بدت الحياة طبيعية جدا داخل الأحياء، مع افتتاح المحال لأبوابها وعودة السكان إلى أعمالهم، خصوصا العرب منهم.

وسرت شائعات في كركوك التي يطلق عليها الاكراد اسم “قدس كردستان” تفيد بأن أكراد المدينة سينتقمون ممن لم يشارك في عملية التصويت، لكن “أحداً لم يطرق بابنا أو يجبرنا على أي شيء”، وفق ما يشير محمد الموفق لفرانس برس.

رجل كردي عراقي يدلي بصوته في الإستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراقفي مدينة كركوك شمال العراق، في 25 سبتمبر، 2017. AFP PHOTO / AHMAD AL-RUBAYE

رجل كردي عراقي يدلي بصوته في الإستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراقفي مدينة كركوك شمال العراق، في 25 سبتمبر، 2017. AFP PHOTO / AHMAD AL-RUBAYE

يقول العربي الموفق داخل مقهى الصالحي في منطقة دوميز التي يقطنها عرب وتركمان “نحن لم نقترع، لا أحد من عائلتي اقترع. هذا شأن كردي وهو حقهم. لنرى كيف ستجري الأمور ولا يهمنا ان كنا تابعين لبغداد أو كردستان، ما يهمنا هو لقمة عيشنا”.

لكن المكون العربي يجمع على تحميل بغداد مسؤولية ضعفهم في المدينة.

ولوحت بغداد بإرسال قواتها لحفظ الأمن في المناطق المتنازع عليها، في رد فعل على إجراء الاستفتاء فيها. وفي هذا السياق يشير العاصي بالقول “نحن كمواطنين في كركوك نعمل من أجل عراق موحد. الخلافات السياسية تتحملها حكومة بغداد المركزية”.

ويضيف “نتمنى عدم التصعيد، يفترض أن تحل بغداد المشاكل قبل حدوثها”.

“كارثة”

وإضافة إلى كركوك، يسود التوتر مناطق أخرى في محافظات نينوى وديالى وصلاح الدين. وتسيطر قوات البشمركة الكردية على تلك المناطق منذ العام ٢٠١٤، في أعقاب الفوضى التي سادت البلاد مع الهجوم الواسع الذي شنه تنظيم الدولة الإسلامية.

في محافظة ديالى، شمال بغداد، والتي تطالب حكومة كردستان بمناطق فيها، يعرب كثيرون عن خوفهم من وقوع اشتباكات بين العرب والأكراد.

داخل ديوانه، حيث يستقبل ضيوفه في منزله بمندلي قرب الحدود الإيرانية، لا يخفي الشيخ هيثم الحوم، زعيم إحدى القبائل العربية السنية الكبيرة في منطقة الندى، خشيته.

يقول هذا الرجل الذي يرتدي اللباس القبلي التقليدي “نخشى وقوع اشتباكات بين الجيش العراقي والبشمركة بعد قرار البرلمان”.

وتتمركز البشمركة في ديالى بشكل رئيسي داخل خانقين وجلولاء، فيما تخضع المناطق الأخرى لسيطرة الجيش والشرطة.

اكراد عراقيون يصلون للتصويت في الاستفتاء حول استقلال اقليم كردستان في اريبل، 25 سبتمبر 2017 (AFP/SAFIN HAMED)

اكراد عراقيون يصلون للتصويت في الاستفتاء حول استقلال اقليم كردستان في اربيل، 25 سبتمبر 2017 (AFP/SAFIN HAMED)

إلى الجنوب قليلا، وتحديدا في منطقة السعدية، يعرب عبدالله الزرقوشي زعيم عشيرة كردية شيعية عن المخاوف نفسها.

ويقول لوكالة فرانس برس “لقد قمنا بتعزيز الإجراءات الأمنية ونشرنا قواتنا التابعة للحشد الشعبي في محيط السعدية”.

ويضيف وهو يرتدي جلابيته البيضاء “في الماضي منعنا داعش من الدخول، وسنمنع أي شخص من الدخول إلينا”.

حتى خانقين، ذات الغالبية الكردية، تسعى إلى تجنب الفوضى.

يوضح بائع الخضار دلشاد دلير (٤٠ عاما) “اذا كنا صوتنا لانفصال اقليم كردستان فهذا لا يعني باننا نريد حروبا ودماء بيننا وبين القوات الامنية من الحكومة المركزية”.

وفي محافظة نينوى الشمالية، عومل مسيحيون من الحمدانية بطريقة سيئة على أحد حواجز الحشد الشعبي.

ويقول أحد المواطنين المسيحيين “كانوا يفحصون أصابعنا ليروا إذا ما كان عليها حبر” يجبر عليه الناخبون بعد الادلاء بأصواتهم منعاً لعمليات التزوير.

ويضيف “من يجدون حبرا على اصبعه، يذلونه”.

من جهة ثانية، يشير المواطن الايزيدي خليل جمعة (٤٥ عاما) والآتي من بعشيقة شرق الموصل، إن “الاهالي لم يعد يهمهم من يحكم او يحفظ امن المنطقة بقدر ما يهمهم ان يعيشوا بسلام وامان، رغم انهم متخوفون من عودة الاشتباكات والاضطربات مرة اخرى للمنطقة “.

وعلى مقربة منه، في برطلة شرق الموصل، يؤكد يوسف الشبكي من الأقلية الشبكية، “اليوم نحن نشعر بقلق من تطورات الاحداث في سهل نينوى والمناطق المتنازع عليها في نينوى التي تضم العديد من الاقليات وعانت كثيرا خلال السنوات الماضية ولم تحصل على الحماية اللازمة سواء من حكومة بغداد او اقليم كردستان” .

ويضيف أن “أفضل حل لتامين حماية المناطق المتنازع عليها هو بوجود قوات امنية مشتركة من الطرفين تحت رعاية الامم المتحدة وتدار من قبل غرفة عمليات مشتركة”.

وفي منطقة اخرى، طوز خرماتو التابعة لمحافظة صلاح الدين شمال بغداد، ذات الغالبية التركمانية والأقلية الكردية، يقول عضو المجلس البلدي يعرب سعيد محمد “تخوفنا فقط من ان تحصل شرارة بين البشمركة والقوات الحكومية. عندها ستحصل كارثة لا سمح الله ويسقط ضحايا من الطرفين”.