أجرى جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قضايا الشرق الأوسط، مقابلة مع قناة “سكاي نيوز” العربية يوم الاثنين حول اقتراح السلام القادم من الإدارة الأمريكية. لم يكشف عن أي تفاصيل، لكنه نطق بكلمة “الحدود”، التي كانت كافية لإرسال موجات صادمة عبر الأحزاب اليمينية في إسرائيل.

استشهد زعيم “اليمين الجديد” نفتالي بينيت بالمقابلة يوم الاثنين لتكرار ادعائه بأن ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “ينسقان” إطلاق خطة السلام المرتقبة.

“كلمات جاريد تثبت ما نعرفه من قبل: في اليوم التالي للانتخابات، سيضغط الأمريكيون على حكومة نتنياهو-لبيد-غانتس للسماح بإقامة دولة فلسطينية على الطريق رقم 6 والموافقة على تقسيم القدس، ونتنياهو سوف يجبر على الرضوخ”، قال بينيت.

كان بينيت يشير إلى تحالف مستقبلي محتمل (على الرغم من أنه غير محتمل على وجه الخصوص) لحزب الليكود الذي يتزعمه رئيس الوزراء مع الحزب “أزرق أبيض” الجديد الذي يرأسه يئير لبيد وبيني غانتس.

السيناريو المأساوي الذي يسمى “إنشاء دولة فلسطينية” لا يمكن منعه إلا بالتصويت لصالح حزبه، حسب قول بينيت.

“في الانتخابات المقبلة، السؤال المطروح هو ’اليمين أو فلسطين‘”، أضاف.

رد الليكود باتهام “اليمين الجديد” بإيذاء المعسكر القومي بدلا من مهاجمة خصومه “اليساريين”. وقال الحزب في بيان ان نتنياهو حمى “ارض اسرائيل ودولة اسرائيل ضد ادارة اوباما العدائية وسيواصل القيام بذلك مع ادارة ترامب الودية”.

رافي بيرتس، رئيس إتحاد الأحزاب اليمينية، ذلك الذي بناء على طلب من نتنياهو شمل الكهانيين من حزب “عوتسما يهوديت” – كان له رأي أيضا.

الحاخام رافي بيرتس يعقد مؤتمرا صحفيا في تل أبيب، 13 فبراير، 2019. (Flash90)

“عندما تحدث كوشنر عن إعادة رسم الحدود، أعادني إلى منزلي في عتسمونا [الذي كان موجودا في كتلة مستوطنة غوش قطيف، قبل فك الارتباط من غزة عام 2005] والصور القاسية التي طردنا فيها جنود الجيش الإسرائيلي أنا وعائلتي من منزلنا”، غرد.

هل أعلن كوشنر أن خطته للسلام سوف تستلزم اقتلاع المستوطنات؟ ليس على الاطلاق. في الواقع، أظهر الفحص الدقيق لتصريحات كوشنر أنه لم يذكر حتى لو بالتلميح انسحابات إقليمية إسرائيلية.

ماذا قال كوشنر في الواقع؟

قد يكون رد فعل الجناح اليميني المتسرع على مقابلة كوشنر له علاقة بحقيقة أن العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية (بما في ذلك التايمز أوف إسرائيل) ذكرت في البداية أن مستشار ترامب تحدث عن “إعادة رسم” حدود إسرائيل. لكنه لم يفعل ذلك. تحدث كوشنر بالإنجليزية، لكن قناة “سكاي نيوز” العربية بثت المقابلة مع الترجمة العربية المدبلجة خلال حديث كوشنر، وهنا تأتي عدم الدقة في العبارة “إعادة رسم”. لم تكن الاقتباسات الأصلية باللغة الإنجليزية متاحة على الفور.

ووفقا لنسخة كاملة نشرتها صحيفة “ذا ناشينال” يوم الثلاثاء، فإن ما قاله كوشنر بالفعل هو: “الخطة السياسية، وهي مفصلة للغاية، تتمحور في الحقيقة حول تأسيس الحدود وحل قضايا الوضع النهائي. الهدف من حل هذه الحدود هو حقا القضاء على الحدود. إذا كان بالإمكان القضاء على الحدود ليحل السلام، ويقل الخوف من الإرهاب، فيمكن أن يكون تدفق أكبر لحرية للبضائع، تدفق أكبر لحرية الأفراد، وهذا من شأنه أن يخلق المزيد من الفرص”.

قال كوشنر إن خطة السلام تريد مساعدة الفلسطينيين في الحصول على “ما كان بعيد المنال بالنسبة لهم منذ فترة طويلة”. لكنه لم يذكر صراحة دولة فلسطينية، كما أنه لم يوافق حتى على حل الدولتين بشكل واضح.

ما كان يقصده بالضبط بالقول “تأسيس الحدود” يبقى غامضا كما كان دائما.

مستشار البيت الابيض جاريد كوشنر يلتقي برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في رام الله، 24 اغسطس 2017 (courtesy, WAFA)

وقد انقسم الخبراء الإسرائيليون حول ما إذا كانت مقابلة كوشنر أخبارا جيدة أو أخبارا سيئة لنتنياهو. جادل البعض بأن إدارة ترامب بمطالبها الظاهرية من إسرائيل بتقديم تنازلات فهي تعمل لصالح نتنياهو، لأنها توفر له فرصة مثالية لتصوير نفسه على أنه رجل الدولة الوحيد الذي لديه ما يكفي من الثقل لمقاومة ضغط البيت الأبيض.

وقد اختلف آخرون، مفترضين أن رئيس الوزراء لا يريد أن تصبح عملية السلام قضية مركزية في الحملة الانتخابية، لأنه لا يملك سوى مواقف غامضة وأمل ضئيل في تلك القضية. وبالتالي فإن كوشنر الذي كان يتحدث، حتى ولو بشكل مبهم، وفي ما بدا أنه محاولة للحصول على دعم الشرق الأوسط للخطة، لم يكن مفيدا لنتنياهو، في رأيهم.

فريق كوشنر يقول إنه لن يعلن عن خطة السلام قبل انتخابات 9 أبريل، ولكن منذ يوم الاثنين أصبحت الخطة قضية رئيسية في الحملة الإنتخابية، بالأخص ما إذا كان نتنياهو يؤيدها أم لا.

ما هو موقف نتنياهو؟

في الواقع، فإن الكشف عن “صفقة القرن” الوشيك بقيادة ترامب (معاونوه يكرهون هذا المصطلح، لعلمهم أنه سيزيد من خيبة الأمل إذا فشلت الصفقة)، دفع نتنياهو، على الأقل حتى الآن، إلى إنهاء غموضه الطويل فيما يتعلق بآرائه حول حل الدولتين. الخلاصة: نتنياهو يعارض حل الدولتين.

في خطاب ألقاه في جامعة بار إيلان عام 2009، أعلن نتنياهو، الذي كان في السابق معارضا قويا للدولة الفلسطينية، للمرة الأولى عن قبوله من حيث المبدأ لدولة فلسطينية منزوعة السلاح تحت ظروف معينة.

ملصقات الحملة السياسية في القدس قبل انتخابات 2009. (Kobi Gideon/Flash90)

قبل أيام قليلة من انتخابات الكنيست في مارس 2015، غير آرائه، وقال أنه لن تقوم دولة فلسطينية تحت قيادته. بعد فترة وجيزة من الإنتخابات، مع النصر المضمون، تراجع وقال أنه مستعد من حيث المبدأ لفكرة دولتين لشعبين.

لكن بعد انتخاب ترامب رئيسا في أواخر عام 2017، تجنب بجهد اعتماد حل الدولتين. عندما سئل، أجاب بأنه يريد أن يتمكن الفلسطينيين من حكم أنفسهم دون أن يكون لديهم القدرة على تهديد إسرائيل، وتسائل عن نوع الدولة التي نتحدث عنها: اليمن أو كوستاريكا؟

لكن في خطاب ألقاه يوم الخميس الماضي وأدان فيه تحالف لبيد-غانتس الذي تم تشكيله حديثا، أدان نتنياهو صراحة الجهود الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية على أنها “حل فظيع”. ستقوم حكومة برئاسة غانتس ولبيد قريباًبالترويج لدولة فلسطينية “على مشارف “تل أبيب”، حذر نتنياهو. “الدولة الفلسطينية ستعرض وجودنا للخطر”.

هل ستكون لديه الجرأة السياسية ليقوم بنفس التصريح بمجرد الكشف عن خطة ترامب للسلام، على افتراض أنها تؤيد هذا التوجه (وبإفتراض أنه سيفوز بالانتخابات)؟ سوف نرى.

يوم الاثنين، وبمجرد تصحيح الخطأ في الترجمة، أصبح من الواضح أن كوشنر تعمد أن لا يكون دقيقا في الجواب على هذا السؤال، والإكتفاء بالقول إن التنازلات ستكون مطلوبة من كلا الجانبين. “هناك الموقف الإسرائيلي، هناك الموقف الفلسطيني ويجب أن تكون النتيجة في مكان ما في الوسط”، قال كوشنر.

لكن الإدارة التي لا تقول أي شيء على الإطلاق حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وعندما تقول تفعل ذلك بغموض، من الواضح أن ما تقوله كافيا للتأثير داخل إسرائيل قبيل الانتخابات.