أ ف ب – أعطى المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية في ايران إشارات لتحول حاسم في دفة العلاقات شرقا نحو الصين وروسيا، مبينا أن الصبر بدأ ينفد في ما يتعلق بالتقارب مع الغرب.

وكان بين أبرز الشعارات خلال ثورة عام 1979 الاسلامية “لا شرق ولا غرب”، وهو تعهد بأن طهران لن تفاضل بين قطبي العالم آنذاك، الولايات المتحدة الرأسمالية او الاتحاد السوفييتي الشيوعي.

ولذلك كان من المستغرب سماع المرشد الاعلى الايراني آية الله علي خامنئي يعلن في 19 فبراير انه “في السياسة الخارجية، أولوياتنا اليوم تتضمن تفضيل الشرق على الغرب”.

لكن بالنسبة للمحللين، فإن هذا لا يغير الفكرة الاساسية بأن ايران ترفض الوقوع تحت تأثير القوى الخارجية.

ومع ذلك، فإنه لا يعني ايضا ان المحاولة الاخيرة لإحداث انفراج مع الولايات المتحدة والمتمثلة بالاتفاق النووي الذي وافقت طهران بموجبه على وضع قيود على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات بدأ يفقد زخمه.

وتقول ايللي جيرانمايه من المجلس الاوروبي للعلاقات الخارجية ان “خامنئي حدد بشكل متكرر ان الاتفاق النووي كان اختبارا لمعرفة ان كانت المفاوضات مع الغرب يمكن ان تثمر عن نتائج ايجابية بالنسبة لايران”.

وأضافت: “القيادة (الايرانية) تدرك ان الولايات المتحدة تتصرف بسوء نية في ما يخص الاتفاق. تصريح خامنئي يشير الى ضوء اخضر للنظام الايراني لبذل جهود دبلوماسية اكبر من أجل تعميق الروابط مع الصين وروسيا”.

وتأتي تصريحات خامنئي في فترة حساسة وسط تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتمزيق الاتفاق وإعادة فرض عقوبات ما لم توافق ايران على الحد من برنامجها الصاروخي و”أنشطتها المزعزعة للاستقرار” في الشرق الأوسط.

وحتى قبل وصول ترامب إلى السلطة، كانت ايران تشعر بأن واشنطن تنتهك ما يتعلق بها في الاتفاق حيث بات واضحا أن العقوبات الأميركية المتبقية ستستمر في عرقلة العلاقات المصرفية والاستثمارات الأجنبية وستمنع حتى الشركات التكنولوجية الإيرانية الناشئة من مشاركة منتجاتها في أسواق التطبيقات.

وتصر طهران على أن ذلك ينتهك بندا يشير إلى أن على الولايات المتحدة “الابتعاد عن أي سياسة تهدف تحديدا غلى التأثير بشكل مباشر وسلبي على تطبيع العلاقات التجارية والاقتصادية مع ايران”.

وقال المحلل السياسي في جامعة طهران محمد مارندي: “من اليوم الأول، بدأت الولايات المتحدة وإدارة (الرئيس السابق باراك) أوباما بانتهاك نص وروح الاتفاق”.

وأوضح أن تصريح خامنئي الأخير اعتراف بحقيقة بسيطة مفادها أن العلاقات مع دول الشرق أقوى بكثير، تحديدا في ظل التحالف بين ايران وروسيا في سوريا.

وقال: “بات العالم مختلفا للغاية. علاقة ايران مع روسيا والصين وعدد متزايد من الدول الآسيوية أفضل بكثير من علاقتها بالغرب كونهم يعاملوننا بطريقة أفضل بكثير”.

وأكد قائلا: “نحن شركاء مع روسيا في سوريا. لسنا تابعين لها”.

’نهج براغماتي’

وكان الغضب من التدخل الأجنبي محركا رئيسيا للثورة الإسلامية عام 1979 بعد أكثر من قرن من المؤامرات والانقلابات واستغلال الموارد من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا.

لكن رغم وصفها من قبل معارضيها بأنها عقائدية ومتصلبة، كانت الجمهورية الإسلامية التي تمخضت عن الثورة أظهرت مرونة مفاجئة في سياستها الخارجية.

وقالت جيرانمايه “في محطات محددة منذ العام 1979، تبنت ايران نهجا براغماتيا في تعاملاتها مع الولايات المتحدة عندما كان ذلك ضروريا أو في مصلحتها”.

وفي هذا السياق، أشارت إلى اتفاق “ايران كونترا” للأسلحة الذي أبرم في ثمانينات القرن الماضي والتعاون في افغانستان عام 2001 إضافة إلى الاتفاق النووي.

ومع ذلك، يرفض كثيرون في واشنطن قبول فكرة أن ايران كانت جدية في أي وقت مضى بشأن التقارب.

وأصدر معهد “أميريكان انتربرايز انستيتيوت” للأبحاث سلسلة مقالات هذا الشهر تدعو إلى “سياسة أكثر تصادمية تجاه ايران” بما في ذلك تغيير النظام.

وكان التبرير الأساسي هو أن “من يديرون سياسة ايران الخارجية غير مهتمين بإقامة علاقة أفضل” مع واشنطن.

لكن في خطاب ألقاه في نيسان/ابريل 2015، قبل ثلاثة أشهر من توقيع الاتفاق النووي، قال خامنئي بشكل واضح أنه بإمكان الاتفاق أن يؤدي إلى تحسين العلاقات.

وقال المرشد الأعلى: “إذا توقف الجانب الآخر عن تعنته المعتاد، سيشكل ذلك تجربة لنا وسنكتشف بأنه بإمكاننا التفاوض معه على أمور أخرى كذلك”.

وانتعشت مبيعات ايران النفطية منذ الاتفاق في حين ازدادت تجارتها مع أوروبا.

لكن التهديد بعقوبات أميركية أدى إلى تراجع الكثير من المستثمرين الأجانب والمصارف الكبرى عن رغبتها في التعامل مع ايران.

ولا تزال الشركات والحكومات الأوروبية أكثر ضعفا أمام ضغوطات واشنطن من نظيراتها الروسية والصينية.

وفي هذا السياق، اعتبر مارندي أنه “إذا لم يمتلك الأوروبيون الشجاعة للوقوف في وجه الولايات المتحدة، فعليهم ألا يتوقعوا بأن يكونوا شركاء لنا”.

وأضاف: “إذا كانت بعض الأبواب مغلقة وأخرى مفتوحة، فلن ننتظر خارج الأبواب المغلقة إلى ما لا نهاية”.