نيويورك – يبدو أن بنيامين نتنياهو يعتقد أن دونالد ترامب هو الحلم الرئاسي الأمريكي الذي تحقق أمام عينيه.

يوم الأربعاء، في المكتب البيضاوي، يتوقع نتنياهو أن يجلس مع رئيس أمريكي ليس لديه أي أوهام حول أطماع إيران الفكرية والإقليمية، والذي لا يعتقد للحظة واحدة إنه سيكون بالإمكان جعل نظام آيات الله المتطرف أكثر اعتدالا من خلال كلمات دافئة وتخفيف للعقوبات. رئيس أمريكي يعتبر إسرائيل حليفا جريئا في الثقب الأسود الشرير الذي يُسمى الشرق الأوسط. رئيس أمريكي يحترم القوة، وبالتالي يقدّر إحياء نمو الدولة اليهودية أو عرض القوة.

وقد يكون نتنياهو محقا.

لكن نتنياهو يقود شعبا صاحب فطنة. ومواطنو إسرائيل، عندما سُئلوا قبل الإنتخابات الرئاسية الأمريكية حول الشخص الذي يفضلونه لقيادة أمريكا، فضلوا هيلاري كلينتون وبفارق واضح، حتى في الوقت الذي قالوا في بعض إستطلاعات الرأي إنهم يعتقدون أن دونالد ترامب سيكون رئيسا أفضل لإسرائيل. كيف يمكن تفسير ما يبدو كتناقض لا تفسير له؟ الإجابة بسيطة: يعتقد الإسرائيليون أنهم يدركون أين سيكونون مع الرئيسة كلينتون، وقد لا يكون ذلك رائعا ولكن لن يكون كارثيا على الأرجح. أما بالنسبة للرئيس ترامب، فهم رأوا أنه قد يكون الحليف الأفضل، وأكثر دعما لإسرائيل من كلينتون، لكنهم غير واثقين من ذلك. وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرجل الطامح بالرئاسة والذي لا يملك أي سجل، والذي على حد علمنا لم تطأ قدميه إسرائيل، أثارت قلقهم بكل تأكيد.عندما تكون دولة صغير تحاول رسم مسار ثابت في منطقة تشهد اضطرابا دائما، فإن معرفة أين تقف الأمور مع حليفك المركزي، الحليف الأهم لوجودك، هي أمر هام للغاية.

بعد ثلاثة أسابيع من تنصيبه، يحاول الرئيس ترامب تقديم علاجات سريعة لما يُنظر إليها على أنها أمراض أمريكا التي وعد بعلاجها خلال حملته الإنتخابية. لكن تبين له أن الأمر محبط كما كان متوقعا. بغض النظر عن قوة إرادتك وتصميمك، فإن حماية أمريكا والعالم الحر من الإرهاب الإسلامي المتطرف هي أمر لا يمكن تحقيقه في ليلة وضحاها من خلال فرض أمر حظر سفر على قائمة مشكوك فيها من الدول الإسلامية. لا يمكن تدمير تنظيم الدولة الإسلامية في شهر واحد. وإيران لن تعود بخنوع إلى الصندوق فقط لأنك غيرت لهجة أمريكا وأعدت فرض عقوبات ثانوية. طال انتظار طريقة تفكير جديدة، ولكن الكثير من تحديات أمريكا في العالم، تماما كالصعوبات التي تواجهها في الداخل، لا يمكن إصلاحها من خلال زيادة دراماتيكية في توقيع القلم الرئاسي على أوامر تنفيذية. الشيطان في التفاصيل. خير الأمور الوسط. وفي حين أن ترامب قد لا يريد أن يصدق بأن التعقيدات التي واجهها بهذه السرعة ليست من صنع قضاة ومشرعين وصحافييين كاذبين ومدّعين وغير وطنيين، فإن هذه التعقيدات حقيقية، والكثير منها قهرت أسلافه، وهناك ضرورة لحلها، وليس التذمر منها، إذا أراد أن ينجح.

وهذا ما يعيدنا إلى نتنياهو وإسرائيل.

نتوقع ونأمل بأن يكون اللقاء الأول بين رئيس حكومتنا والرئيس دونالد ترامب دافئا ووديا بالفعل، على عكس الكثير من الإجتماعات المتوترة بين نتنياهو والرئيس أوباما، مع الإبتسامات الجامدة، ولغة الجسد المحرجة وحرب الكلمات بين الحين والآخر. لكن بعيدا عن الكاميرات هناك حاجة لوضع إستراتيجية وثيقة ومفصلة ومنسقة.

كلا الطرفين يبدي قلقا من الإتفاق مع إيران، ولكن أمريكا هي ليست الوحيدة التي وقّعت على الإتفاق، والإيرانيون هم أعداء مراوغون. فكيف إذا يمكن، مع هذا الإتفاق الغير كافي، لأمريكا ترامب كبح جماح أطماع نظام آيات الله النووي؟

ترامب، المحترف في عقد الصفقات، معجب بفكرة التوسط في أكثر الصفقات صعوبة، بين إسرائيل والفلسطينيين. يرغب نتنياهو تجنب دولة ثنائية القومية بين النهر والبحر، لكنه يؤمن بالمشروع الإستيطاني، ويدرك أن الرواية الفلسطينية تزداد عدائية تجاه إسرائيل، ويخشى من أن يرسخ الإرهاب وما هو أسوأ منه جذوره في أي منطقة تنسحب منها إسرائيل، وفيما يتعلق به، لا يرغب في أن يحل محله نفتالي بيينت من اليمين المتشدد أو يائير لابيد من اليمين الخفيف لسنوات عديدة. كيف يمكن التوفيق بين جميع هذه الطموحات المتعارضة، وضمان أهم مصالح إسرائيل وأمريكا؟ فيما يتعلق بالمستوطنات، قد تكون التفاهمات بين إدارة بوش وإسرائيل (في الأساس تأييد الكتل الإستيطانية، لكن عدم البناء خارجها) نموذجا بناء. فيما يتعلق بالعقبات أمام السلام، قد يكون التضخيم الإصطناعي لعدد اللاجئين الفلسطينيين في معطيات الأمم المتحدة مجالا قد يرغب ترامب، عاقد العزم على إعادة صياغة إتفاقيات أمريكا مع المنظمة الدولية، في التركيز عليه.

أكثر من ذلك بكثير عموما، على الإدارتين بدء العمل معا وبسرعة، والتواصل مع بلدان أخرى، على إستراتيجية لتهميش الروايات الإسلامية المتطرفة – التي ينشرها قادة سياسيون وروحيون ومرّبون وناشطون على مواقع التواصل الإجتماعي – التي تنتج الأمواج القادمة من الإرهابيين، وتجتاح إسرائيل وأمريكا وكل مكان آخر تقريبا.

هناك عمل جدي يجب القيام به. وليس فقط لغة خطاب تفيض بالمشاعر وتشويه سمعة المنتقدين.

لكن ما يُخشى منه هو أن تسود المخاوف السياسية الضيقة والسطحية على المدى القصير، في ما قد يتبين في نهاية المطاف بأنه رهان متهور عندما يتعلق الأمر بالدعم طويل الأمد لإسرائيل على طرفي الطيف السياسي في أمريكا. لكن العلامات المبكرة تشير إلى أن نتنياهو، الذي يبدو أنه أبعد ما يكون عن القيام بدور رجل الدولة والمستشار صاحب الخبرة لرئيس متهور وعديم الخبرة، يسمح لنفسه بالإنبهار بنجاح ترامب ضد كل الاحتمالات، ويسعى إلى محاكاة أساليب الرئيس الجديد، والأخطر من ذلك، يضع كل أوراقه وأرواق إسرائيل في سلة إدارة ترامب لدينا الآن نتنياهو يغرد مشيدا بترامب حول “افكاره العظيمة” في بناء الجدار، ويهاجم وسائل الإعلام لنقلها بصورة دقيقة ما قاله هو، ويقوم بصياغة أفكار مؤامرة سخيفة حول صحافة يسارية بلشفية تعمل على اغتيال شخصيته وتسعى إلى تجريمه بالفساد (ويتوقع أن ينسى الإسرائيليون أن سلفه ايهود أولمرت، الذي يقبع في السجن بعد إدانته بالفساد، كان محبوب اليسار عند سقوطه).

والأكثر خطورة مما سبق هو أن سفير نتنياهو في الولايات المتحدة يمنح ختم الموافقة على ستيف بانون المثير للجدل، والتزام رئيس الوزراء الصمت حول أمر منع الدخول إلى الولايات المتحدة على مجموعات كاملة من المواطنين، ورفض مشين لتصحيح بيان رئاسي بمناسبة اليوم الدولي لذكرى المحرقة الذي لم يأت على ذكر الإبادة الجماعية التي ارتكبها النازيون ضد الشعب اليهودي.

الرقاصات تتأرجح في السياسة. ويا إلهي كيف تأرجح الرقاص في الولايات المتحدة الأمريكية. مع ذلك، مصلحة إسرائيل تعتمد على علاقة ثابتة وموثوقة مع الولايات المتحدة بغض النظر عمن كان في البيت الأبيض في العام الماضي، ومن فيه هذا العام، ومن سيصل إليه في العام المقبل. أن نسمح بان يُنظر لإسرائيل على أنها حليف يفرط في التشجيع وغير ناقد لأي إدارة، على الأقل إدارة تثير إنقساما كبيرا بين الأمريكيين، قد يكون خطأ لأجيال قادمة.

في أسابيعه الثلاثة الأولى في المكتب البيضاوي، أصبح دونالد ترامب أكثر رئيس مثير للصدمة في تاريخ أمريكا، والبلاد في حالة غضب. فلقد أظهر إستعدادا لتحريف الحقائق، إزداراء لدور الصحافة الحيوي ككلب حراسة للديمقراطية، وعدم إحترام للنظام القضائي، بصورة تدخل أمريكا في حالة فزع، وتجدر الإشارة إلى أنها فاقت أي شيء حاوله سياسيون في إسرائيل، حتى الآن على الأقل.

قد يعتقد بنيامين نتنياهو أن دونالد ترامب هو حلمه الرئاسي الأمريكي الذي تحقق أمام عينية. قد ينجح ترامب في تحدي منتقديه وحتى التفوق على توقعات مؤيديه؛ ولكنه قد يتحول أيضا إلى كابوس أمريكا المطلق، تاركا الكثير من الدمار من وراءه. لكن ما هو أكيد أن ترامب ليس شخصية موحدة ولا توافقية.

إذا قام نتنياهو بوضع إسرائيل بتودد ومن دون أي نقد في ركن ترامب، فهو يخاطر في إبعاد إسرائيل عن القيادة الأمريكية التي ستليه. بذلك سيكون عمل على تقويض دعم الحزبين القوي لإسرائيل على نطاق من شأنه تقزيم تأثير الخطاب الذي ألقاه في الكونغرس في مارس 2015 ضد الإتفاق النووي مع إيران وفي تحد لأوباما. كذلك سيتسبب، وليس من غير قصد، بتعميق نفور قسم كبير من الجالية اليهودية الأمريكية من إسرائيل.

وعندما يتأرجح رقاص السياسة الأمريكية من جديد، وهو ما سيحدث بالتأكيد، ستكون العواقب على العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية كارثية. وبإستخدام أكثر كلمة يخشاها نتنياهو وبحق، سيؤدي ذلك إلى إضعاف إسرائيل.