في حين أن حماس تبدي تحفظا في التباهي بالطائرات بدون طيار التي قامت بإرسالها إلى إسرائيل عدة مرات خلال العام المنصرم، يبدو أن الدولة اليهودية ليست الهدف الوحيد لأنشطة الطائرات المسيرة التابعة للحركة.

في ديسمبر الماضي، حظيت الطائرات بدون طيار بموقع الصدارة في عرض عسكري للإحتفال بالذكرى الـ27 لتأسيس الحركة، بما في ذلك طائرة مسيرة إدعت حماس أنها كانت تعمل خلال الصراع الأخير في الصيف الفائت. وأصبح واضحا للمسؤولين الإسرائيليين بأن جمع المعلومات الإستخباراتية لعمليات عسكرية ليس الهدف الوحيد لهذه الطائرات.

عندما تحطمت الطائرة المسيرة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع غزة قبل حوالي أسبوعين، قام مسؤولون عسكريون إسرائيليون بأخذها وقامت وكالات إستخباراتية عدة بدراستها، واكتشفوا أن الطائرة المسيرة، بالإضافة إلى رصدها للأحداث داخل إسرائيل، تقوم أيضا بتصوير الحدود مع مصر.

هذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها حماس بتشغيل طائرة بدون طيار داخل الأراضي المصرية. قبل أربعة أشهر، ذكرت صحيفة “الأسبوع” المصرية أن أجهزة الرادار المصرية رصدت تسلل ثلاث طائرات تجسس مسيرة بشكل متكرر من جنوب قطاع غزة. بحسب التقرير، وصلت الطائرات المسيرة بالقرب من العريش والشيخ زويد، حوالي 50 كيلومترا من جنوب قطاع غزة.

وجاء في التقرير أن قوات حرس الحدود المصرية فتحت النار على الطائرات المسيرة، ولكنها لم تنجح بإصابتها، حيث أنها كانت تحلق على ارتفاع حوالي 750 مترا.

مشاكل على حدود غزة-سيناء

إذا ما الذي تفعله طائرات مسيرة تابعة لحماس في عمق الأراضي المصرية؟ الجواب بسيط – إنها تتجسس على مصر، وتقوم بجمع المعلومات الإستخباراتية حول تحركات القوات المصرية على طول الحدود مع غزة.

هدف حماس ليس بالضرورة هجوم مسلح ضد مصر، وإنما تتبع تحركات القوات ومواقع الجيش وإنتشار قواته من أجل تمكين أعضاء في جناحها العسكري، “كتائب عز الدين القسام”، من الحفاظ على طرق التهريب مفتوحة بين سيناء وغزة. هذه الطرق حيوية لحماس على جانب واحد من الحدود، و”الدولة الإسلامية” على الجانب الآخر.

وهذا هو واحد من أكثر أسرار الجناح العسكري لحماس المحفوظة بعناية في الأشهر الأخيرة – تعاون وثيق مع عناصر “ولاية سيناء” التابع لتنظيم “الدولة الإسلامية”، والذي كان يُعرف في السابق بتنظيم “أنصار بيت المقدس”.

المسؤولون في الجيش المصري كانوا أول من فهم عمق هذه العلاقة. لهذا السبب تقوم مصر بإستثمار الكثير من طاقاتها في تدمير الأنفاق تحت الحدود وتضع حدا لعمليات التهريب من سيناء إلى غزة وبالعكس.

قوات الأمن المصرية قامت في العامين الأخيرين بتركيز نشاطها في سيناء في محاولة لعزل الركن الشمالي الشرقي من شبه الجزيرة. الهدف هو عزل المنطقة التي تضم العريش ورفح والشيخ زويد في سيناء من قطاع غزة ومن باقي شبه الجزيرة.

المشكلة هي أن هذه المنطقة تحمل أهمية إستراتيجية لحماس في غزة ولتنظيم “الدولة الإسلامية” في سيناء، سواء من الناحية الإقتصادية أو الأمنية. مسار التهريب بين قطاع غزة وسيناء يعطي كلا الجانبين إمدادات ثابتة من الأسلحة والقوات المقاتلة والمدربين والمستشارين، في حين يحقق أرباحا طائلة من صناعة التهريب في غزة.

بدأت المشاكل مع عناصر “الدولة الإسلامية” في سيناء وقادة الجناح العسكري التابع لحماس في غزة عندما بدأت مصر حربها ضد الأنفاق في منطقة محور فيلادلفيا في 2013. شكل ذلك تهديدا على مصالح التنظيمين اللذين أُجبرا على التعاون بينهما للتمسك بجزء من قدرتهما على الأقل في تهريب الأسلحة والعناصر إلى داخل قطاع غزة.

العلاقات البدوية

ولكن المصالح المشتركة ليست العامل الوحيد في هذا التقارب. ينشط أعضاء من القبائل البدوية على جانبي الحدود، سواء في غزة أو في مصر.

المثال الأكثر وضوحا هو شادي المنيعي، أحد أعضاء هذه القبائل، وواحد من أكثر العناصر الإرهابية المعروفة في سيناء. إختبأ المنيعي في غزة تحت حماية رؤساء الجناح العسكري لحماس.

الرغبة المشتركة في حماية طرق التهريب والحاجة إلى علاقات جيدة مع هذه العشيرة دفعا إلى توثيق العلاقات بين قيادة “الدولة الإسلامية” في سيناء وقادة الجناح العسكري لحركة حماس.

وتتجلى هذه العلاقة في عدد من الطرق:

أولا، أعضاء “عز الدين القسام” ساعدوا على تدريب وتجهيز عناصر تابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية” في غزة وسيناء. إحدى الشخصيات الأكثر شهرة – بحسب منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية الميجر جنرال يوآف مردخاي – هو عبد الإله قشطة، عضو سابق رفيع في الجناح العسكري لحماس والذي أُرسل من قبل حماس إلى سيناء. كان قشطة رجل حماس المسؤول عن مهاجمة الدبابات الإسرائيلية، وكذلك إستخدام المتفجرات المعقدة. ساءت العلاقات بين قشطة وحماس وأعلن في أعقاب ذلك نيته الإنضمام إلى لجان المقاومة الشعبية، ولكن على مدى العام المنصرم يقوم بتدريب مقاتلي “الدولة الإسلامية” في سيناء وعلى إستخدام أسلحة متطورة مضادة للدبابات.

ثانيا، جهود “الدولة الإسلامية” على مدى الأشهر القليلة الماضية في سيناء ليصبح كيانا مؤسسيا وراسخا، والتي أثبتتها أنشطة عناصره الأخيرة، متأثرة إلى حد ما من قادة الجناح العسكري لحماس. مجرد لمحة خاطفة على مظهر هؤلاء العناصر وطريقة لباسهم تظهر مدى التطور التي يمر بها تنظيم “الدولة الإسلامية” في منطقة سيناء – ولديهم حماس في غزة ليشكروها على معظم هذا التطور، حيث أن بوجودهم هناك وخلال خضوعهم لتدريبات ودراسات عسكرية مع حماس في القطاع، أكتسب قادة “الدولة الإسلامية” المذاهب العسكرية التي يقومون بنقلها لعناصرهم في سيناء.

ثالثا، حماس تقوم بنقل مصابين من “الدولة الإسلامية” إلى مستشفيات في قطاع غزة، حيث تتم معالجتهم تحت إشراف حماس. الأعداد ليست بكبيرة، ولا يتم ذلك بشكل منتظم. قلة مختارة فقط تحصل على العلاج، وفقط إذا سمحت حالتهم بذلك – أعضاء من القبيلة أو العشيرة الصحيحة، أو أشخاص يُعتبرون مقربين لقادة الجناح العسكري لحماس.

الهجوم الإرهابي

الهجوم الإرهابي الذي وقع في 1 يوليو على يد عانصر تابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية” في شمال سيناء وأسفر عن مقتل عشرات من الجنود المصريين لم يكن مفاجئا للإسرائيليين أو المصريين. توقعت أجهزة المخابرات المصرية بأن إرهابيين سيحاولون تنفيذ هجوم إرهابي على نطاق واسع خلال شهر رمضان. ولكن في هذه الحالة، كانت هناك أكثر من مجرد معلومات إستخباراتية عامة حول النية لتنفيذ هجوم إرهابي، وشوهد عناصر “الدولة الإسلامية” وهو يقومون بإستعداداتهم قبل 24 ساعة.

الهجوم يُعتبر ناجحا فقط على المستوى النفسي، حيث يقوم “الدولة الإسلامية” ببعث رسالة واضحة للجيش المصري بأنه قادر على مهاجمة عدة أهداف بشكل متزامن وقتل عدد كبير من الجنود. ولكن على المستوى العملي، لم يكن هذا الهجوم ناجحا بالنسبة للتنظيم، بعبارة ملطفة. حوالي 250 عنصرا من “الدولة الإسلامية” قُتلوا خلال الغارة، وهو رقم كبير نسبة إلى العدد الصغير نسبيا للقوات المقاتلة (حوالي 1,000) التابعة للمجموعة في سيناء.

وفشل تنظيم “الدولة الإسلامية” أيضا في وضع موطئ قدم له في المنطقة بين شيخ زويد ورفح. يواصل الجيش المصري إظهار أن الأمور تحت سيطرته حتى في مناطق تعاني من الإرهاب في شمال شرق سيناء.

ولكن للجيش المصري مشاكل أكثر من تلك التي يواجهها حاليا. أثبتت النظرة الإستراتيجية التي وجهت أنشطته – عزل الجزء الشمالي الشرقي من سيناء والسيطرة على ما تبقى من أراض – أنها خطرة. لا يمكن للجيش المصري الإستمرار في السماح لعناصر “الدولة الإسلامية” العمل في منطقة الشيخ زويد من دون رادع، وسيكون عليه ضربهم هناك في الوقت الذي يعمل فيه على منعهم من السيطرة على المزيد من المساحات في مناطق أخرى.

المشكلة الثانية، وقد تكون الأصعب، تكمن في الدعم الذي يحصل عليه تنظيم “الدولة الإسلامية” من السكان البدو. الكثيرون من عناصر “الدولة الإسلامية” في سيناء، وهم من السكان المحلييين، من النواة الصلبة للجماعة، على الرغم من إنضام سعوديين وليبيين ومصريين إلى التنظيم أيضا.

معظم القبائل في شبه جزيرة سيناء تقدم الدعم الأيديولوجي أو العملي لتنظيم “الدولة الإسلامية” – ويعود ذلك بالأساس للعداء الذي يشعرون به تجاه الجيش المصري، الذي يتعامل معهم كمواطنيين من الدرجة الثانية، أكثر من حبهم للتنظيم. قبائل السواركة والبريكات والمنيعي، من بين أكبر القبائل في سيناء، بالإضافة إلى قبائل أخرى، تُعتبر من مناصري “الدولة الإسلامية”.

يتساءل مسؤولون في الإستخبارات المصرية بأنفسهم حول مدى ما تعرفه قيادة حماس بالفعل حول كل هذا التعاون. والإجابة على هذا السؤال تعتمد على سؤال آخر: من بالضبط الذي يقوم بإتخاذ القرار داخل قيادة حماس في غزة – الجناح العسكري أم السياسي، أم كلاهما؟

الإجابة على السؤال الأول واضحة إلى حد ما. تعرف قيادة الجناح العسكري للحركة عن التعاون بين “الدولة الإسلامية” وعناصرها وتوافق عليها. إحتمال عدم معرفة قادة الجناح العسكري عن ذلك غير واردة. الحديث يدور عن حركة ذات هرمية واضحة، مدربة على إطاعة الأوامر.

على سبيل المثال، لم يطلق عناصر “كتائب عز الدين القسام” طلقة واحدة باتجاه إسرائيل منذ نهاية الحرب في شهر أغسطس الفائت. لماذا؟ لأن هناك أوامر بألا يفعلوا ذلك. علاقة تعاون وثيقه كهذه بين حماس وتنظيم “الدولة الإسلامية” لا يمكن أن تكون من دون موافقة القيادة العسكرية العليا، رجال مثل محمد ضيف ومروان عيسى ويحيى سنوار وغيرهم.

لا شك هناك بأن توازن القوى الداخلي في حماس شهد تغييرا كبيرا على مدى العقد الأخير. لا يوجد للجناح العسكري للحركة شخصيات روحية أو سياسية مؤثرة كتلك التي عملت في غزة في الماضي، أمثال الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي. ارتفعت مكانة الجناح العسكري للحركة بعد عملية “الجرف الصامد”، ويُعتقد أن للعناصر فيها (بالأخص محمد ضيف) سلطة سياسية مماثلة لتلك التي يتمتع بها رئيس الوزراء السابق في غزة، إسماعيل هنية.

من المفارقات أن التنسيق الوثيق بين الجناح العسكري لحماس وتنظيم “الدولة الإسلامية” في سيناء لا يخفف من الجهود المكثفة التي تبذلها حماس ضد السلفيين بأسلوب “الدولة الإسلامية” الذين نشأوا داخل القطاع. حتى في الوقت الذي يقوم فيه الجناح العسكري بالتعاون مع الجهاديين في سيناء، يقوم أعضاء الحركة بمحاربة خصومهم الأيديولوجيين في غزة. كيف تنجح الحركة بالتوفيق بين السياستين؟ في الشرق الأوسط المعاصر كل شيء ممكن.