هناك مفارقة تراجيدية في صفوف المنظمات غير الحكومية التي تعمل من أجل السلام والتعايش: عليها محاربة بعضها البعض من أجل الحصول على تمويل.

وبقدر الإصرار اللذي قد تتمتع به في حربها من أجل السلام، فإن المنظمات غير الحكومية ذات القاعدة الشعبية تعاني من سوء التجهيز في صراعها مع مشرعين أجانب للإبقاء على تدفق الأموال لاستمرارها بدفع الرواتب لموظفيها.

في محاولة للتخفيف من هذا التنازع فيما بينها وكذلك ضمان استمرار تدفق الأموال، اجتمعت أكثر من 90 منظمة بناء سلام إسرائيلية وفلسطينية وأردنية تحت مظلة منظمة دولية واحدة، “التحالف من أجل السلام في الشرق الأوسط”.

تعمل منظمة “التحالف من أجل السلام في الشرق الأوسط” (ALLMEP) في أروقة السلطة لضمان إستمرار المساعدات – وربما الأهم من ذلك – خلق فضاء محايد لمجموعات بناء سلام إسرائيلية-فلسطينية متنوعة للقاء والتعاون.

يوم الخميس الماضي للمرة الأولى، نظمت منظمة المظلة مؤتمرا التقى فيها أشخاص شاركوا في أنشطة المنظمات، وكذلك مسؤولين كبار من إسرائيل والضفة الغربية والأردن، لتشكيل شبكة علاقات وحضور ندوات تتعلق بمجموعات بناء السلام.

على الرغم من أن أهدافهم النهائية قد تكون مماثلة، فإن أعضاء هذه المنظمات غير الحكومية لا يعرفون بالضرورة أحدهم الآخر، ووسائلهم في إحداث تغيير متنوعة.

من خلال عمل بيئي مشترك مثل الحفاظ على المياه أو الزراعة، من خلال جهود تربوية وعلمية مشتركة، وجلسات صلاة مشتركة، ومشاريع تجارية مشتركة، والمجال الأكثر شعبية رياضات مشتركة – التنس والتايكوندو والسكواش وكرة السلة وكرة القدم كلهما كانت حاضرة هناك – تسعى كل مجموعة إلى رفع غصن الزيتون بطريقتها الخاصة.

حجر عند مدخل YMCA في القدس يحمل كلمات للورد إدموند ألنبي في 1933، سنة افتتاح المبنى. في 7 أبريل، 2016، ALLMEP نظمت مؤتمرا في YMCA لمنظمات سلام غير حكومية. (Dov Lieber/Times of Israel)

حجر عند مدخل YMCA في القدس يحمل كلمات للورد إدموند ألنبي في 1933، سنة افتتاح المبنى. في 7 أبريل، 2016، ALLMEP نظمت مؤتمرا في YMCA لمنظمات سلام غير حكومية. (Dov Lieber/Times of Israel)

بسبب الوضع الأمني الحالي في القدس – موجة من العنف متواصلة منذ ستة أشهر أُطلق عليها إسم “إنتفاضة الذئب الوحيد” والتي خلقت توترات شديدة بين سكان المدينة اليهود والعرب – فإن الحدث، الذي تم إجراؤه في YMCA وسط القدس، لم يكن مفتوحا للعامة.

على الرغم من الأجواء المسمومة والخطر المحتمل، قامت منظمات غير حكومية كثيرة بتسجيل مشاركتها في المؤتمر إلى درجة اضطر فيها المنظمون إلى إغلاق باب التسجيل قبل الموعد المحدد.

معرض مجموعة خريجي ALLMEP - القدس، 7 أبريل، 2016. [Photography by Nabil Darwish for ALLMEP, Copyright 2016 All rights reserved. Jerusalem International YMCA]

معرض مجموعة خريجي ALLMEP – القدس، 7 أبريل، 2016. [Photography by Nabil Darwish for ALLMEP, Copyright 2016 All rights reserved. Jerusalem International YMCA]

على طول قاعة الأعمدة في ساحة مبنى YMCA، كانت الطاولات مليئة ببطاقات العمل والنشرات وحتى كتب للأطفال مكتوبة باللغات العبرية والإنجليزية والعربية.

على إحدى الطاولات جلست ضحى ألما (20 عاما) من حي بيت صفافا في القدس.

على مدى الأعوام التسعة الأخيرة، كانت ألما ولا تزال ناشطة في “لاعبون من أجل السلام”، وهي مجموعة تجمع إسرائيليين وفلسطينيين معا من خلال لعبة كرة السلة.

قبل عامين، فازت فريقها العربي-اليهودي المشترك، بعكس كل التوقعات وفي مواجهة جدار من التشاؤم، بكأس بطولة الفتيات تحت سن 19 بكرة السلة.

اليوم، تواجه ناشطة السلام الشابة تحديين.

الأول، موجة العنف الحالية عرضتها لإنتقادات من قبل أصدقائها الفلسطينيين بسبب لقائها مع أصدقائها اليهود.

تقول، “يقولون بأننا نخون وننسى شعبنا. ولكن العنف لا يقودنا إلى أي مكان سوى المزيد من العنف والمزيد من القتلى”.

“العنف” كما تقول، “هو الطريق الأسهل. نحن نسير في الطريق الطويل والصعب لتحسين الأمور للجميع”.

ضحى ألما، 20 عاما، في ساحة YMCA في 7 أبريل، خلال مؤتمرALLMEP. ألما هي لاعبة ومدربة في منظمة "لاعبو السلام" غير الحكومية، التي تجمع بين فلسطينيين وإسرائيليين من خلال كرة السلة. (Dov Lieber/Times of Israel)

ضحى ألما، 20 عاما، في ساحة YMCA في 7 أبريل، خلال مؤتمرALLMEP. ألما هي لاعبة ومدربة في منظمة “لاعبو السلام” غير الحكومية، التي تجمع بين فلسطينيين وإسرائيليين من خلال كرة السلة. (Dov Lieber/Times of Israel)

التحدي الثاني الذي تواجهه اليوم هو حقيقة أن معظم أصدقائها اليهود يخدمون اليوم في الجيش الإسرائيلي.

بعض أصدقائها العرب يقولون لها بأن رفاقها اليهود، الذين تلتقي معهم عندما لا يكونوا بزيهم العسكري، سينقلبون ضدها في الجيش ويبدؤون بكره الفلسطينيين.

حتى لو تغيرت قيم أصدقائها في الجيش، تؤمن ألما بأن الوقت الذي قضوه معا غير بشكل دائم عقليتهم تجاه الفلسطينيين.

وقالت: “أفضل أن يقف شخص من ’لاعبو السلام’ على الحاجز بدلا من شخص لم يلتق بفلسطينيين أبدا. سيتعاملون معنا كبشر” .

أكثر من مجرد ’صحن حمص’

يقول جول براونولد، المدير التنفيذي لمنظمة ALLMEP، أن للمؤتمر رسالة شاملة واحد: لتغيير صورة أن هذه المنظمات غير الحكومية تقوم بمجرد أمور “لطيفة”.

ويقول: “هذه الأمور تهم حقا حياة الناس”.

ليصبحوا أعضاء في المنظمة، على المنظمات غير الحكومية التوقيع على إتفاق تعلن فيه التزامها بتغيير الوضع الراهن.

في المقابل، يحظى الأعضاء بتمثيل من قبل أعضاء لوبي ALLMEP في واشنطن.

الكثير من الأموال الممنوحة لمنظمات غير حكومية كهذه في الضفة الغربية وغزة وإسرائيل تأتي من برنامج إدارة النزاعات والتخفيف من آثارها (CMM) التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (US AID)، والذي يتم إعادة تقييمه كل عام من قبل الكونغرس، وكذلك من منح يقدمها الإتحاد الأوروبي.

هذا العام، وفي شهادة على عمل ALLMEP، خصص الكونغرس 10 مليون دولار لمنح برنامج CMM لمنظمات تعايش إسرائيلية-فلسطينية غير حكومية. هذا هو الجزء الأكبر مما  مجموعه 26 مليون دولار تخصصها الحكوة الأمريكية للصراعات العالمية.

توقع براونولد بأن ثلث المجموعات القادمة إلى القدس ستكون من الضفة الغربية. يبدو، على الرغم من ذلك، أن الأغلبية هم من العرب.

تصف هدى أبو عرقوب، مديرة أقليمية ميدانية لمنظمة ALLMEP ومدرسة سابقة للغة الإنجليزية من قرية الدرة بالضفة الغربية، مساعي صنع السلام الغير جدية بأنه “حوار صحن حمص”.

هدى أبو عرقوب، المديرة الإقليمية لمنظمة "تحالف من أجل السلام في الشرق الأوسط". (Credit: ALLMEP website)

هدى أبو عرقوب، المديرة الإقليمية لمنظمة “تحالف من أجل السلام في الشرق الأوسط”. (Credit: ALLMEP website)

“على سبيل المثال”، كما تقول أبو عرقوب، “شيء شبيه بنساء يلتقين حول صحون حمص ويتحدثن عن تجربة الأمومة”.

عملها مع  ALLMEP، كما تقول، هو “حوار يأخذنا من الحديث إلى السير؛ حوار يعمل نحو بناء علاقات ثقة حقيقية”.

للتقدم إلى ما بعد صنع السلام من خلال مشاركة صحن حمص، يضم المؤتمر خبراء، من ضمنه  ر. ديفيد هاردين، مدير بعثة  USAID في المنطقة، وكذلك ريتشارد بوانغان، قنصل العلاقات العامة والدبلوماسية العامة في القنصلية الأمريكية في القدس.

بالإضافة إلى ذلك، العشرات من المبدعين المتميزين من قائمة “فوربس إسرائيل” لـ -30 شخصية قيادية تحت سن الـ -30 – وهي مجموعة تضم حوالي 60 إسرائيليا تتوقع لهم المجلة بأن يكونوا رائدين في مجالاتهم – سيتحدثون عن خبراتهم في المؤتمر.

تقف وراء سعي أبو عرقوب لصنع سلام جدي فلسفة تتطلب نجاحها من أجل الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.

المديرة الإقليمية لمنظمة  ALLMEP هي من أشد المؤمنين بأفكار المفكر البرازيلي باولو فريري، المغلفة في كتابه “تربية المقهورين” (Pedagogy of the Oppressed).

تصف فلسفة فريري بأنها “مسؤولية المقهورين في تحرير أنفسهم، وبالتالي، تحرير الظالم كذلك”.

أحد الأمثلة التي تعطيها على فلسفتها في العمل هي عندما قال لها مرة أحد الناجين من المحرقة أن عليها ترك الضفة الغربية والذهاب للعيش في مكة.

ردها للرجل كان، “كنت سأقبل ذلك من كل شخص آخر في العالم ولكن ليس منك أنت. هذا هو نوع الخطاب الذي أدى إلى هلاكم”، وأضافـت: “بعد ذلك بكى الرجل واعترف بأن كلماته جاءت من شعور بالخوف من تعرض شعبه مرة أخرى للهلاك”.

أبو عرقوب تصر على أنها “تقاوم” الظلم ليس فقط من إسرائيل، بل من داخل المجتمع الفلسطيني أيضا.

“المقاومة” هو مصطلح يستخدمه العرب أحيانا، وخاصة الفلسطينيين، ككناية عن صراع عنيف.

لكن أبو عرقوب هي من أنصار فكرة أن “الحوار هو أيضا شكل من أشكال المقاومة”.

على عكس معظم الأشخاص الذي تمت مقابلتهم في المؤتمر والذين اشتكوا من إستهدافهم من قبل مجموعات معارضة للتطبيع في الضفة الغربية، تقول أبو عرقوب بأنه حتى الآن لم يصفها أحد بـ”العميلة” مع الإسرائيليين.

“في الواقع”، كما تقول، “أصدقائي المقربين يعتقدون بأن هذه هي إحدى الطرق من أجل الإنخراط وإيصال القضية الفلسطينية إلى وعي الإسرائيليين”.

’سنفعل أي شيء من الممكن أن يعود بالفائدة على مجتمعنا’

طاولة سوزان قصاص (24 عاما)، صيدلانية تعمل في أبو ديس، كانت مغطاة بمنتجات تطريز فلسطيني.

منذ سن الـ -14، تتطوع قصاص في مركز الشروق النسائي، الذي يعمل على تمكين النساء الفلسطينيات إقتصاديا من خلال تعليمهن تسويق حرف مثل التطريز والطبح لمساعدتهن على إعالة أسرهن.

سوزان قصاص (من اليسار) ممثلة مركز الشروق النساء الفلسطيني في 7 أبريل، في مؤتمر "تحالف من أجل السلام في الشرق الأوسط" في القدس. (Dov Lieber/Times of Israel)

سوزان قصاص (من اليسار) ممثلة مركز الشروق النساء الفلسطيني في 7 أبريل، في مؤتمر “تحالف من أجل السلام في الشرق الأوسط” في القدس. (Dov Lieber/Times of Israel)

المركز يوفر للنساء المواد الخام للطبع والقماش ويطلب منهن جزءا صغيرا فقط من أرباحهن لتغطية النفقات العامة.

تقول قصاص أن الكثير من النساء اللواتي تساعدهن لم ينهين دراستهن الثانوية، وقد يكون لبعضهن أزواج مرضى غير قادرين على العمل.

تقول الصيدلانية بأنها لم تعمل كثيرا مع المركز مؤخرا، ويعود ذلك في جزء منه إلى أنها متزوجة حديثا وحامل. ولكن عند سماعها عن مؤتمر ALLMEP، قررت العودة إلى اللعبة لمدة يوم واحد على الأقل.

والدة قصاص من حي أبو طور في القدس ووالدها، على الرغم بأنه من يافا في الأصل، يحمل هوية فلسطينية من الضفة الغربية. اليوم، يعيش والداها في أبو طور، ولكن قصاص تقول بأن وزراة الداخلية الإسرائيلية لم تستجب لطلباتها بمنحها تصريح للعيش في القدس. تقول أنها لا تعرف السبب وأنها عاشت وحيدة لسنوات في بيت العائلة في العيزررية، وهي بلدة تقع شرقي القدس.

إذا كانت تجربتها مع البيروقراطية الإسرائيلية قد سببت لها الكثير من المرارة، فهي تعرف إخفاء ذلك بصورة ممتازة.

على الرغم من أن المركز الذي تمثله في مؤتمر ALLMEP يهدف في الأساس إلى تمكين النساء الفلسطينيات، تدير المنظمة غير الحكومية التي تعمل فيها مشروعا يجمع أطفالا فلسطينيين من محيط العيزرية بأطفال إسرائيليين في القدس.

وتقول قصاص، “إنه شيء إضافي. سنفعل أي شيء من الممكن أن يعود بالفائدة على مجتمعنا”.

المركز سينطلق أيضا بمشروع جديد لمساعدة النساء الفلسطينيات اللواتي يعانين من مرض سرطان الثدي.

من النقطة التي تجلس فيها قصاص خلال اللقاء، بإمكانها رؤية كل الطاولات التي تمثل منظمات غير حكومية تختص بصنع السلام.

قالت، بعد تفقد محيطها، “لكل منظمة دورها، وطريقتها الخاصة. ولكن يسعدني بأننا  هنا نعمل جميعا من أجل الهدف ذاته معا”.