بعيدا عن تحديد توسيع المستوطنات، يبدو أن سياسة الإنضباط الإسرائيلية الجديدة، التي اعلن عنها مسؤولين في القدس في الأسبوع الماضي، تمكّن البناء المكثف في مستوطنات الضفة الغربية. تشمل السياسة أطر غير معرفة، تسمح بإستثناءات حتى ضمن سياق هذه الأطر غير المعرفة ولم يتم المصادقة عليها بشكل رسمي في كل الأحوال – حتى بعد سبعة ايام.

وأعلن مسؤولون صباح يوم الجمعة الماضي عن سياسة الحكومة الجديدة لفرض قيود “تحدد توسيع المستوطنات خارج اثر المستوطنات القائمة”.

والإدعاء بأن الحكومة تحترم قلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالنسبة للاستيطان، ومن اجل “تمكين تقدم عملية السلام”، التزم المسؤولون بشكل غير رسمي ببناء الحكومة فقط “داخل المناطق التي تم تطويرها سابقا”. وفي المناطق حيث لا يتمكن ذلك، لأسباب قانونية أو تقنية، اضاف المسؤولون، سيتم البناء في مناطق مجاورة بـ”خط البناء القائم”. اضافة الى ذلك، قال المسؤولون أن اسرائيل تتعهد عدم اقامة مستوطنات جديدة في الضفة الغربية أو ضم مستوطنات قائمة.

وورد أنه تم وضع القواعد الجديدة – التي تم الكشف عنها مجرد ساعات بعد مصادقة الوزراء على اقامة مستوطنة واحدة جديدة لسكان بؤرة عامونا الإستيطانية التي تم اخلائها – بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الامريكي دونالد ترامب في البيت الابيض، 15 فبراير 2017 (AFP/SAUL LOEB)

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الامريكي دونالد ترامب في البيت الابيض، 15 فبراير 2017 (AFP/SAUL LOEB)

ولكن ما يعتبر في بعض الدوائر كتنازل كبير من طرف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يعتبره آخرون كبدعة اعلامية خادعة.

“الحقيقة هي أن نتنياهو يخادع؛ السياسة الجديدة لا تشكل انضباط، بل تمنح الضوء الأخضر لموجة بناء يعرقل يقوض امكانية حل الدولتين”، كتبت حاغيت عوفران، محللة مخضرمة لتوسيع المستوطنات في جمعية السلام الآن، في صحيفة هآرتس يوم الخميس. “إن كان يمكن البناء في المناطق المبنية، بمحاذاته وبالقرب منها – اذا فعليا، يمكن البناء في كل مكان”، قالت.

وأي تحديد على البناء في الضفة الغربية قد يكون خطوة خطيرة لنتنياهو، الذي يترأس ما تعتبر اكثر حكومة يمينية في تاريخ البلاد. وعدم الإعلان رسميا عن قواعد الأسبوع الماضي، أو نشرها على أي موقع حكومي، او تأكيد نتنياهو عليه، قد يشير الى مدى قلقه من معارضة شركائه المتشددين في الإئتلاف علنيا لأي حديث علني حول فرض قيود على الإستيطان.

ولكن لم يحتج حزب (البيت اليهودي) أو مجلس يشاع الإستيطاني على القواعد الجديدة في الأيام التي تلت الإعلان عنها. بل أشادوا بما اعتبروه موافقة ضمنية من طرف البيت الأبيض لبناء عدد غير محدود من الوحدات السكنية الحديدة في اي مستوطنة قائمة.

’هذا الاتفاق يسمح للحكومة الإسرائيلية البناء بقدر ما تشاء’

وفعلا، مع الإنصياع لهذه القواعد الضبابية، مثل “الاثر” و”المناطق التي سبق تطويرها”، يمكن لإسرائيل نظريا بناء عشرات آلاف الوحدات السكنية الجديدة في بمحاذاة القدس الشرقية وفي 131 المستوطنات المعترف بها في الضفة الغربية.

“نظريا، هذا الإتفاق يسمح للحكومة الإسرائيلية البناء بقدر ما تشاء. لا يوجد حدود مبدئيا”، قالت عوفران لتايمز أوف اسرائيل الخميس.

وتعهد اسرائيل عدم توسيع “اثر” المستوطنات القائمة عديم المعنى، لأنه لم يتم تعريف هذا المصطلح رسميا ويمكن لإسرائيل ان تفسره بطريقة تسمح لها مصادرة أراضي واسعة، قالت.

رئيس الوزراء ارئيل شارون والرئيس الامريكي جورج دابليو بوش في البيت الابيض، ابريل 2004 (White House / Wikipedia Commons)

رئيس الوزراء ارئيل شارون والرئيس الامريكي جورج دابليو بوش في البيت الابيض، ابريل 2004 (White House / Wikipedia Commons)

وقالت أن اسرائيل “كانت في هذا الفيلم في الماضي”، متطرقة الى اتفاق مشابه لتحديد توسع المستوطنات سعت واشنطن والقدس لتحقيقه قبل عقد.

وفي عام 2004، اعترف الرئيس الامريكي حينها جورج بوس أن اسرائيل سوف تحتفظ بالكتل الإستيطانية في أي اتفاق سلام مستقبلي وارسل سفيره الى تل ابيب، دان كورتسر، للتفاوض مع اسرائيل حول نظام لتنظيم البناء في المناطق المتبقية في الضفة الغربية.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلتقي مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 15 يونيو 2008 (Omar Rashidi/Flash90)

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلتقي مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس في مدينة رام الله بالضفة الغربية، 15 يونيو 2008 (Omar Rashidi/Flash90)

وفي رسالة الى مستشارة الأمن القومي حينها كونداليزا رايس، تعهد رئيس هيئة أركان الجيش تحت حكومة ارئيل شارون، دوف فايسغلاس، بذل المجهود لل”التعريف بشكل افضل خط بناء المستوطنات في يهودا والسامرة”، الاسم التوراتي للضفة الغربية.

ووافق الطواقم الإسرائيلية والأمريكية على أنهم سوف “يراجعون صور جوية للمستوطنات ويحددون سوية خط البناء لكل مستوطنة”، وفقا للرسالة.

وتفاوض كورتسر مع فايسغلاس وجنرال اسرائيلي متقاعد، باروخ شبيغل، حول المناطق التي يمكن لإسرائيل البناء فيها.

“ولكن مباحثاتنا لن تأتي بنتيجة”، قال كورتسر خلال مقابلة يوم الخميس. “المشاكل التقنية في هذه المسائل معقدة جدا. لدى كل مستوطنة اراضي مخصصة لها الأكبر بكثير من اثرها الفعلي”، قال. متطرقا الى الحدود البلدية للمستوطنات. “وداخل اثر كل مستوطنة، هناك عدة طرق لتحديد خط البناء”.

على سبيل المثال، لم يتمكن الطواقم الإسرائيلية والأمريكية الإتفاق إن كان “خط البناء” يتطرق فقط الى المنازل أم ايضا الى المنشآت الزراعية، المباني في المناطق الصناعية، محطات الوقود او المتاجر الواقعة عند مدخل مستوطنة او بين مستوطنتين، قال كورتسر. وطريقة تعريف هذه المصطلحات تؤثر بشكل كبير على مساحة الاراضي التي يمكن استخدامها للبناء، قال.

“عندما تشمل أي شيء غير المنازل في المستوطنة، انت تزيد من مساحة الأراضي بشكل ضخم”، قال كورتسر. “ما تظنوا انه تباطؤ في الاستيطان، لأنه يمكنك البناء فقط داخل خط البناء، يمكن بالفعل، بحسب تعريف اوسع للمصطلح، ان يمكّن انفجار في الإستيطان”.

“إنه النقاش حول الخطوط – مع محاولة المستوطنين استغلال اي ثغرة يمكنهم العثور عليها من أجل توسيع المستوطنات اكثر – الذي قاد الإدارات الأمريكية السابقة الى مصيدة المفاوضات اللانهائية وغير قابلة للحل حول طريقة تعريف ما البناء ’داخل’ المستوطنات يعني”، وفقا لبناء صدر على موقع السلام الآن.

“هذا ليس نقاش حول الكلمات. العديد نمن المستوطنات لديها ’حارات’ بعيدة جدا، التي في حال استخدامها في تعريف ’خط البناء’، يمكن أن تؤدي الى توسيع ضخم للمستوطنات يمكنها بالنمو عدة اضعاف”.

وفي عام 2004، لم يتم التوصل الى اتفاق وطلبت الولايات المتحدة في نهاية الأمر من اسرائيل التوقف عن البناء في اي مكان خارج الكتل الاستيطانية.

مستشار ومبعوث الرئيس الامريكي للمفاوضات الدولية، جيسون غرينبلات، يلتقي برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مكتب رئيس الوزراء في القدس، 13 مارس 2017 (Matty Stern/US Embassy Tel Aviv)

مستشار ومبعوث الرئيس الامريكي للمفاوضات الدولية، جيسون غرينبلات، يلتقي برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مكتب رئيس الوزراء في القدس، 13 مارس 2017 (Matty Stern/US Embassy Tel Aviv)

“تجميد” البناء الذي تم الإعلان عنه في الاسبوع الماضي، إن تم تنسيقه مع مبعوث ترامب الخاص للمفاوضات الدولية جيسون غرينبلات أم لا، لا يعرف مصطلحات مثل “الاثر” أو “خط البناء، ولكنه ايضا يسمح باستثناءات في الحالات التي فيها يكون البناء ضمن هذه المعايير الضبابية مستحيل.

ويبدو أن هذا يمنح اسرائيل ليونة كبيرة في تحديد اين يمكنها البناء، قال كورتسر، الذي يدرس دراسات سياسة الشرق الأوسط في جامعة برينستون.

“خلاصة الامر هنا هي أن المسائل تقنية جدا لدرجة انه يمكن للجميع اصدار تصريحات عامة تبدو ايجابية ولنها ليست كذلك بالفعل”، قال كورتسر.

وأضاف كورتسر أنه نظرا لعدم قدرة اسرائيل البناء في المنطقة A في الضفة الغربية (المدن الفلسطينية الكبيرة الخاضعة لسيطرة فلسطينية) والمنطقة B (الخاضعة لسيطرة مدنية فلسطينية وسيطرة امنية اسرائيلية)، أو اقامة مستوطنات او بؤر استيطانية جديدة، من غير الدقيق الادعاء انه يمكن لإسرائيل الإستيطان بشكل “غير محدود”. ولكن “هذا يمكّن توسيع ضخم للمستوطنات”.