الإنتفاضات، كما يعلمنا التاريخ، لم يعلن عنها؛ انها تحدث دون انذار. والأحداث المتسارعة في الأيام القليلة الماضية, يشعر وكانها بداية انتفاضة فلسطينية ثالثة.

كان ذلك حادث سيارة في غزة الذي أشعل الانتفاضة الأولى في ديسمبر 1987. حيث قتل أربعة عمال فلسطينيين في حادث تصادم مع شاحنة إسرائيلية جنوبي معبر إيرز. ولكن الشائعات انتشرت بسرعة بأن الوفيات حدثت عمدا، انتقاما لطعن شلومو ساكال, قبل ذلك بيومين, في السوق المركزي في غزة. أعمال الشغب عقب جنازة الرجال سرعان ما انتشرت من مخيمات اللاجئين في القطاع إلى الضفة الغربية، والقدس.

كانت الزيارة المتلفزة لزعيم المعارضة آنذاك, أرييل شارون للحرم الشريف – سببا لانتفاضة ثانية في أيلول 2000 – والتي بدأت مع أعمال شغب متفرقة في مختلف أنحاء الضفة الغربية، وسرعان ما تحولت إلى سلسلة تفجيرات انتحارية بشعة عبر إسرائيل. وكانت التوترات مرتفعة مسبقاً بعد انهيار محادثات السلام في كامب ديفيد شهرين قبل ذلك.

الانتفاضات الفلسطينية لم تحدث من فراغ. هناك دائما ظروف سياسية واجتماعية التي تعتبر برميل بارود عندما تشتعل الشرارة. ولكن هذه المرة هناك سبب للاعتقاد بأن الانتفاضة لن تتحول إلى انتفاضة كاملة.

عمال فلسطينيون يخترقون حاجز بيت لحم حيث كان يوقفهم الجيش الاسرائيلي في طريقم للصلاة في القدس ٣١ يناير ١٩٩٧ (ناتي شوحاط/ فلاش ٩٠)

عمال فلسطينيون يخترقون حاجز بيت لحم حيث كان يوقفهم الجيش الاسرائيلي في طريقم للصلاة في القدس ٣١ يناير ١٩٩٧ (ناتي شوحاط/ فلاش ٩٠)

تم العثور على جثة محمد أبو خضير, البالغ من العمر 16 عاما, محروقة في غابة القدس الغربية ساعات فقط بعد ترديد عصابات مراهقين ملتهبين وسط القدس, لشعارات عنصرية، باحثين عن عرب للاعتداء عليهم. كانت جنازات نفتالي فرانكل، جيل-عاد شاعر وايال يفراح جارية في موديعين، بعد ساعات من قيام رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتذكير بمذبحة كيشينيف, عام 1903, التي يروي عنها الشاعر حاييم نحمان بياليك الوطني: ‘انتقام متعطش للدماء كهذا, الفتنة والكراهية, لا يسببها الا الشيطان ‘.

ساعات بعد اكتشاف جثث المراهقين يوم الاثنين، قدم نوعام بيريل، رئيس بني عكيفا العالمية، أكبر حركة شباب قوميين متدينين في إسرائيل، صوت لصرخة الجمهور للانتقام لمقتل الثلاثة عندما كتب في الفيسبوك: ‘سيتم التكفير عن المهزلة بدم العدو، وليس بدموعنا. أمة كامله وآلاف السنين من التاريخ تطالب بالثأر ‘، منشور حذف واعتذر عنه في وقت لاحق.

فلسطينيون يرافقون محمد ابو خضير الى مثواه الاخير 4 يوليو 2014, شعفاط ( Ahmad Gharabli/AFP)

فلسطينيون يرافقون محمد ابو خضير الى مثواه الاخير 4 يوليو 2014, شعفاط ( Ahmad Gharabli/AFP)

في خضم كل هذا، لعب الساسة المحرضين دورا هداما، مع قيام العديد من كلا الجانبين بتأجيج نيران الغضب بدلا من الدعوة إلى الهدوء وضبط النفس.

‘في قلنسوة والمثلث [في وسط إسرائيل] يقومون بالهجوم على سيارات اليهود’، كتب وزير المواصلات يسرائيل كاتس (الليكود)، وذلك باستخدام مصطلح تقسيمي نازي لليهود لإرسالهم إلى الإبادة من اولئك المسخرين كعبيد. واضاف ‘في غزة، ان حماس يتجاهل الانذار، يطلق الصواريخ على بئر السبع ويضع شروط لوقف اطلاق النار. يربط شيء واحد بالآخر؛ الضعف يدعو للعدوان. كوزير بالحكومة أعارض سياسة ضبط النفس وأحارب لصالح موقفي في الحياة العامة والمحافل الحكومية. آمل أن أتمكن من إقناعكم’.

وقال عضو الكنيست إبراهيم صرصور (الحركة العربية للتغيير), ان ‘التصعيد الإسرائيلي’ هو ليس سوى محاولة متعمدة لتحويل الرأي العام عن المشاكل الاقتصادية في إسرائيل.

‘إن العدوان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين ليس مستغرباً’، كتب النائب الإسرائيلي في النشرة العربية يوم الجمعة. ‘رئيس هيئة الاركان وعدد كبير من الوزراء المقربين من نتنياهو هددوا بهذه الحرب منذ عدة أشهر. لم يكونوا في حاجة لذريعة؛ حاجة نتنياهو ليبرمان-بينيت لحرب ترفع أسهمه عند الرأي العام الإسرائيلي، وتحويل البوصلة من القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها إسرائيل’.

‘الجرأة العربية في القدس’، علق عضو الكنيست يوني خيتبون (هبايت هيهودي) على صفحته على الفيسبوك صباح اليوم الاحد، وذلك بعد جولة في حي بسغات زئيف في القدس شمال شرق المدينة. ‘بسبب أعمال الشغب العربية، حرق [الترام] والجنون، لقد منعوا قدرة 66،000 من السكان [من بسغات زئيف] عن الحركة. ينبغي أن يحدث عكس ذلك تماما. لقد وعدت بالعمل مع الشرطة ووزارة المواصلات لضرب المشاغبين وتحريك المواصلات في المدينة ‘.

في نفس الوقت تقريبا، عضوة الكنيست حنين زعبي (التجمع) نشرت فيديو ليهود يهتفون ‘الموت للعرب’ في شارع يافا في القدس يوم الخميس الماضي، على صفحة فيسبوك بعنوان ‘صور من الانتفاضة الثالثة.’

تروى للحظة، وانظر في المناخ الدبلوماسي. مفاوضات السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين انهارت في نيسان، ويشارك السماسرة الأمريكيين الآن في مرحلة ما بعد الموت، واصدار بيانات من اليأس والفزع. مع عدم وجود احتمال لاستئناف المحادثات في الأفق وعدم الثقة بين القادة الفلسطينيين والإسرائيليين في أعلى مستوياتها. بهذا الصدد، والظرف الحالي يذكرنا بشكل مخيف بسبتمبر 2000.

هناك نوعان من الاختلافات الرئيسية، ولكن. الأول والأهم، هو القائد الفلسطيني. محمود عباس، على عكس سلفه ياسر عرفات، لقد عارض دون خجل وبصراحة انتفاضة عنيفة جديدة. صحيح، لقد بقي قلقاً بصمت في الأيام القليلة الماضية بينما خرج العنف عن السيطرة، لكنه لم يتخلى أبدا عن الدعم السياسي أو اللوجستي للعنف مثل الذي شهدته إسرائيل في السنوات الأولى من العقد السابق.

ثانيا، المجتمع الفلسطيني لا يزال غير مستعد لإنتفاضة كاملة تتطلب المثابرة وقيادة عسكرية ذات قدرة، وهما شيئان يفتقدهما. كما قالت النائبة الفلسطينية خالدة جرار لصحيفة تابعة لحماس في أكتوبر الماضي، فإن التنسيق الأمني الممتاز بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، إلى جانب عدم وجود قيادة ميدانية فلسطينية (معمظمها تم إعتقاله أو قتله خلال الإنتفاضة الثانية)، يجعل من إحتمالات إنتفاضة جديدة وطويلة غير واردة.

في الوقت نفسه، تحاول بعض القيادات تهدئة الأرواح ومنع المزيد من التصعيد.

كتب وزير المالية على صفحته على الفيسبوك عصر يوم الأحد، “علينا إستعادة الهدوء، ولكن لا يمكن للحكومة التصرف كالمعلقين [على الإنترنت]”، وأضاف، “هدفنا هو إخماد النيران، وليس إشعالها… لا يمكن أن نسمح للمتطرفين، سواء كانوا يهودا أو عربا، أن يديروا دولة إسرائيل”.

وقام دوف حنين، عضو الكنيست اليهودي الوحيد في حزب الجبهة، بنشر صورة له على الفيسبوك خلال مسيرة يهودية-عربية مشتركة في حيفا وهو يحمل لافتة كُتب عليها “يرفض اليهود والعرب أن يكونوا أعداء”.

وكتب حنين، “إذا لم نقف معا ضد هذه الموجة الدنيئة من التحريض والكراهية، فقد تغرقنا جميعا”.

في هذه الأثناء، قام عضو الكنيست أحمد الطيبي، رئيس كتلة القائمة الموحدة والعربية للتغيير، بمحاولة غير متوازنة إلى حد ما دعا من خلالها إلى ضبط النفس.

وكتب الطيبي على صفحته على الفيسبوك، “من حقنا أن نغضب وأن نصرخ. التظاهر مسموح ومطلوب، ولكن الفوضى وتدمير المباني العامة في مدننا وقرانا غير مقبول، لأنها لنا وليست للفاشيين”، وتابع قائلا، “دعونا لا نقع في فخ [وزير الخارجية أفيغدور] ليبرمان وأمثاله”.