لو تابع شخص أجنبي مواقع التواصل الإجتماعي ووسائل الإعلام في إسرائيل في الأيام التي تلت الإنتخابات، فسيعتقد أن الزمن توقف في مكان ما في سنوات الخمسين.

فجأة عادت لهجة الخطاب العام إلى الحديث عن “نحن” و”هم”، “السود” ضد “البيض” – وليس في إشارة إلى العداء بين العرب واليهود، بل بين الأشكناز (من الأصول الأوروبية) والمزراحيم (من الأصول الشرق أوسطية ومن غرب أفريقيا).

يطلق عدد كبير من “المثقفين” من أصل أشكنازي وبروفسور لا يتسم بالحكمة الإعلامية تصريحات عنصرية عن المهاجرين الذين أتوا من الدول العربية وغرب أفريقيا، والمزراحيم يحتفلون بـ”انتصارهم” على الأشكناز في الإنتخابات الأخيرة، وكأن شيئا لم يتغير.

ما الذي حدث هنا بحق السماء؟ هل كانت هذه العنصرية دائما هنا، وتم إخفاؤها بواسطة أسطورة “جمع شمل المنفيين”؟ وما علاقة ذلك بنتائج الإنتخابات التي كان من الصعب علينا رؤيتها مسبقا، أو لم نرها أبدا، في الإعلام؟

كصحافي، علي البدء بعالم الإعلام. لنجري اختبار صغيرا. بين الصحافيين، ما هي نسبة المزراحيم مقارنة بالأشكناز؟ كم عدد الذين يعيشون في تل أبيب منهم، وكم منهم يعيش في النواحي؟ ما هو مدى عزلتنا، نحن في الإعلام، عن الناس؟

لدي شعور (لم أقم بالعد، أعترف بذلك، ولكن كل صحافي إسرائيلي على دراية تامة بهذه الحالة القاتمة) بأن الغالبية العظمى من الصحافيين هم أصحاب خلفية أشكنازية، ويقيمون في تل أبيب ويعيشون في فقاعة يسارية. نحب أن نستمع إلى نفس البرامج الإذاعية التي لا يستمع إليها أحد في النواحي، ومشاهدة البرامج الإخبارية الرائعة التي لا يشاهدها أحد تقريبا، وقراءة ما تُسمى بصحيفة “الأشخاص المفكرين” (هآرتس) على الرغم من أن كل العلاقة بينها وبين دولة إسرائيل هي من قبيل الصدفة البحتة. ما زلنا نجلس في المقهى وسط تل أبيب ونتحدث من دون توقف عن بيبي وزوجته من دون أن ندرك أن الدولة بمعظمها معجبة بهما.

ربما يعود سبب ذلك إلى أننا منقطعين عن دولة إسرائيل ووجهنا الراديو على دولة تل أبيب. ليست لدينا أدنى فكرة على ما يحدث في بات يم وحولون وأشدود، ناهيك عن نتيفوت وسديروت وكريات شمونا.

لحسن حظ الليكود، لا توجد لحزبي العمل وميرتس أيضا أدنى فكرة عما يحدث هناك.

يتواصل طبخ الشعور بالحرمان في هذه الأماكن على نار هادئة ويتغلب ذلك على كل المشاعر العقلانية الأخرى. حتى لو خذلهم بيبي وأهملهم وحافظ على الفوارق الإجتماعة والإقتصادية بينهم وبين المركز، يعرف الأشخاص هناك أن “الأشكناز من العمل” سيخذلونهم أكثر. هم يدركون أنه في نهاية المطاف، سيرسلون يائير غاربوز ليشتكي من أولئك الذين يقبلون الميزوزا (تعويدة يتم تعليقها على الباب عند اليهود)، كما لو أن هذا دليل على أن “هم”، الأشكناز، لن يقبلوا بهم أبدا.

انظروا إلى الأرقام التي حصل عليها الليكود في هذه المدن، وستفهمون كل الحكاية. سديروت – نعم، سديروت من بين كل الأماكن، المدينة التي أصبحت هدفا لحماس، المدينة التي لم ينجح نتنياهو أبدا في إيجاد حل للتهديد عليها من غزة، صوتت بشكل كبير لحزب الليكود: 42.85%، مقارنة بـ 7.49% للمعكسر الصهيوني الذي حل رابعا. فاز الليكود أيضا في أشدود وبئر السبع وكريات ملئاخي ونتيفوت ومدن كثيرة أخرى للطبقات الوسطى والدنيا. تلقت الكثير منها أصعب الضربات خلال الحرب الأخيرة، وستكون عرضة لضربات صعبة خلال الأعوام القليلة القادمة. لقد صوتوا لبيبي.

لماذا صوتوا لبيبي؟ على الأرجح فإن السبب كان الخوف “منهم”، من الآخرين، العرب، الذين جعلوهم يتدفقون إلى الشوراع للتصويت ككتلة واحدة لنتنياهو، الذي لا يتحدث فقط الانجليزية بطلاقة، ولكنه يتحدث لغة المزاحيم أيضا بطلاقة. على الرغم من أن نتنياهو بنفسه هو منتج لنخبة القدس، ووُلد في حي رحافيا الراقي وهو ابن لبروفسور، فقد نجح في جعلهم يرونه كقائد شرعي. فهو لم “يتحدث بضعف” مثل يتسحاق هرتسوغ. بدلا من ذلك، تحدث “لغة المزراحيم بطلاقة” – لقد استخدم أكثر أنواع الخوف بدائية: الخوف من العرب.

للأسف، بالنسبة للكثيرين من الأشخاص من أصول شرقية وخاصة من بلدات التطوير، فإن الخوف من الآخر، وخاصة من العرب، ازداد مع السنين، في حين أن إعلانات الحملة الإنتخابية لمعسكر يسار-المركز ركزت على الوضع الإقتصادي. خلال الحملة الإنتخابية، كان بالإمكان رؤية علامات الدعوة إلى إسقاط نتنياهو بسبب أزمة السكن وقضايا عدالة اجتماعية أخرى في كل زاوية من تل أبيب تقريبا. بالكاد رأيت علامات كهذه تقريبا في القدس، حيث وُلدت، أو في بئر السبع. في كثير من المرات، سمعت أن هرتسوغ وليفني يعطيان مناطق النواحي مساحة واسعة؛ على الأقل، هذا كان شعور الأشخاص الذين يعيشون هناك.

من الممكن أن اليسار وحزب العمل خسروا بلدات التطوير والنواحي منذ فترة طويلة. ولكن إذا كان هناك أحد منهم يرغب بالعودة إلى السلطة، عليه إيجاد مرشح ملائم لرئاسة الحكومة. شخص مزراحي يتحدث المزراحيت والإنجليزية، مع هالة أمنية وسكين بين أسنانه، ولكنه يرغب أيضا بالسلام ويؤمن به، سيكون اختيارا جيدا. في هذه الأثناء، لا يظهر مرشح كهذا في الأفق. في هذه الأثناء، الدولة تريد بيبي.