ظهر يوم الأربعاء. الصور الأولى من عامونا تُنقل ببث حي ومباشر في عدد من وسائل الإعلام وتثير هنا في أم الحيران الكثير من الغضب.

“انظر كيف يتعاملون معهم برفق”، يقول لي سليم أبو القيعان، من سكان القرية. “كنت أتمنى لو أتوا إلينا بهذه الطريقة. نحن حولونا إلى أعداء”، كما قال في إشارة منه إلى أحداث الليلة الدامية التي وقعت قبل أسبوعين.

هذه الأحداث التي تركت ندبة عميقة هنا، بدأت بحسب أقوال سليم، في مداهمة قام بها المئات من عناصر الشرطة المسلحين على منازل القرية. قناصة وقفوا على أسطح المنازل وضباط الشرطة حذروا بواسطة مكبرات الصوت الشرطيين بأخذ الحيطة والحذر خشية وجود أسلحة في المكان.

نسي أحدهم أن يذكر أن الكثيرين من أبناء هذه القرية، أم الحيران، يخدمون في الجيش الإسرائيلي. بعض السكان الذين تنتظر منازلهم تنفيذ أوامر الهدم كانوا ضباطا في الوحدات القتالية للجيش.

مستوطنون اسرائيليون يشتبكون مع قوات الامن خلال اخلاء بؤرة عامونا الاستيطانية في الضفة الغربية، 1 فبراير 2017 (Hadas Parush/Flash90)

مستوطنون اسرائيليون يشتبكون مع قوات الامن خلال اخلاء بؤرة عامونا الاستيطانية في الضفة الغربية، 1 فبراير 2017 (Hadas Parush/Flash90)

بعد وقت قصير من ذلك، في ساعات الصباح الأولى، خرج يعقوب أبو القيعان، قريب عائلة لسليم، من منزله المقرر هدمه وبدأ بقيادة سيارته.

حتى الآن لم يتضح ما إذا كان يعقوب قد خطط لتنفيذ هجوم دهس أو أن النار التي فُتحت عليه هي التي تسببت في إصابته ودخوله في حالة ذعر أدت إلى زيادة سرعة السيارة والإصطدام عن طريق الخطأ أو بشكل متعمد بالشرطي إيرز ليفي والتسبب بقتله.

وبالفعل لا مفر من المقارنة بالبؤرة الإستيطانية في الضفة الغربية. لماذا لم تُبذل في أم الحيران جهود مشابهة لتلك التي بُذلت في عامونا للتوصل إلى اتفاق مع السكان؟ صحيح أنه تم طرح عدد من اقتراحات التسوية على سكان أم الحيران، إعادة توطين، لكن لديهم أسباب مقنعة تفسر عدم إسراعهم إلى الموافقة عليها.

وقبل ساعات قليلة فقط من وقوع الأحداث أجريت مفاوضات بين الشرطة وبين السكان حول إمكانية إعادة توطين أم الحيران في منطقة أخرى. لماذا كانت هناك حاجة إلى مئات رجال الشرطة المسلحين، الذين تم تجهيزهم لإمكانية  وجود “مسلحين في القرية”، وتحولوا عمليا إلى “المسدس الذي يتم إبرازه في المعركة الأولى”،في حين أن في عامونا تم إعتماد نهج ودي أكثر، ومتسامح أكثر؟

يمكن فقط تصور ما الذي كان سيحدث لو أصيب العشرات من عناصر الشرطة جراء أعمال عنف من قبل البدو في أم الحيران، كما حدث في عامونا. ما كانت الحادثة ستنتهي  بإعتقال شخصين فقط.

ولماذا يشعر مدير عام سلطة توطين البدو بهذه العجلة في معالجة أم الحيران وعتير، على الرغم من أن الحديث يدور عن قريتين يخدم جزء من سكانهما في الجيش الإسرائيلي ويصوت عدد كبير منهم للأحزاب الصهيونية؟

يعقوب موسى أبو القيعان (Courtesy)

يعقوب موسى أبو القيعان (Courtesy)

دكتور ثابت أبو راس من جمعية “صندوق إبراهيم”، يتساءل بصوت عال عن المنطق وراء ذلك؟ “حتى قبل ثمانية أعوام صوّت كل السكان هنا وفي عتير للأحزاب الصهيونية. تغيرت الأمور منذ ذلك الحين. ربما على الدولة أن تقوم بفحص ما حدث؟ كيف تغيرت الأمور؟ الجميع هنا كانوا في الماضي أعضاء في حزب أريئيل شارون، ’شلومتسيون’. لكنهم يشعرون بالعار من ذلك اليوم. بالنسبة لهم هذه فضيحة. لذلك لم نرى عرب الشمال يتدفقون إلى هنا للتعبير عن تضامنهم. بالنسبة لهم هؤلاء الأشخاص خدموا الدولة فليتفضلوا إذا وليدفعوا الثمن”.

دكتور أبو راس كان عضوا في فريق التفاوض الذي أجرى مفاوضات على مستقبل السكان في هاتين القريتين. “لقد وافقوا على أن يكونوا جزءا من البلدة اليهودية التي سيتم إقامتها هنا، ولكن المدير رفض.

اشتباكات بين عناصر الشرطة الإسرائيلية ورجل بدوي خلال مظاهرات ضد هدم منازل في قرية ام الحيران البدوية غير المعترف بها، 18 يناير 2017 (AFP/AHMAD GHARABLI)

اشتباكات بين عناصر الشرطة الإسرائيلية ورجل بدوي خلال مظاهرات ضد هدم منازل في قرية ام الحيران البدوية غير المعترف بها، 18 يناير 2017 (AFP/AHMAD GHARABLI)

إن البلدة التي سُتقام هنا معدة لمجموعة متدينة، واضعي الكيباه. ولمن لا يعرف، في الماضي في عام 2009 أوصت لجنة برئاسة تلما دوحان على الإعتراف بهاتين القرينتين. ولكن حكومة نتنياهو قررت في عيد الأضحى في عام 2010 عدم تبني التوصيات”.

على عكس عامونا، سكان أم الحيران لم يقيموا على أرض خاصة. فلقد تم نقلهم إلى هنا من قبل الدولة. “كان ذلك في عام 1955″، كما يقول سليم أبو القيعان. “الآن يريدون نقلنا إلى حي 12 في الحورة. وافقنا على ذلك أيضا ولكن أردنا أن يتم ربط المنازل هناك بشبكة الكهرباء.

“فقط عندها كنا سنوقع على الإتفاق وننتقل إلى هناك. لكنهم لم يوافقوا. أرادوا إنتقالنا فورا. لقد فقدت الثقة بالدولة. بالشرطة. بالنسبة لي، انتهى الأمر”.

الشرطي ايريز ليفي (34) الذي قُتل في هجوم الدهس المفترض في ام الحيران، 18 يناير 2017 (Courtesy)

الشرطي ايريز ليفي (34) الذي قُتل في هجوم الدهس المفترض في ام الحيران، 18 يناير 2017 (Courtesy)

في أعلى التل تقيم مريم أبو القيعان. زوجها خدم في لواء “غيفعاتي” في الجيش الإسرائيلي، وهي حاليا تنهي رسالة الماجستير في الإدارة العامة وأم لأربع بنات. “ما زلت أؤمن بأنهم سيبقين معنا”، كما تقول.

“أريد أن أرى بناتي يكبرون هنا. من جهتي أنا سأبقى هنا حتى لو قاموا بهدم منزلي. هناك أزمة سكن في الحورة. إنها مدينة، وأنا لا أريد السكن في مدينة. ويوجد هناك الكثير من التوتر بين العائلات المختلفة.

“وانظر من حولك، انظر. ألا يوجد هناك ما يكفي من مساحات الأرض حتى يصمموا على بناء البلدة اليهودية هنا بالذات؟ وقلنا لهم – اسمحوا لنا أن نكون جزءا من البلدة اليهودية. لكنهم لم يوافقوا على ذلك. صحيح أنه يوجد هنا أشخاص يخدمون في الجيش، لكن أنا لا أوافق على ذلك. لماذا؟ سيرسلوننا للقتال من أجل دولة تتعامل معنا كمواطني درجة (ج)؟ كأعداء؟ دخلوا هذه القرية مع قوات ما كانوا سيدخلوا بها إلى قطاع غزة. وأنا أقولها لك، إذا أرادوا الهدم، فليهدموا المنزل فوق رأسي”.

في أسفل التل توجد هناك حاويتين جديدتين تم تجهيزهما للسكن. وهما أيضا في انتظار تنفيذ أمر هدم. وفي المكان الذي كانت عليه منازل يعقوب أبو القيعان وزوجاته، بقيت فقط خيمة عشوائية وعليها صور المشاركين في برنامج “غول ستار” التلفزيوني.

“أين هي حقوق الإنسان؟”، يتساءل سليم. “حقوق أبناء يعقوب؟ هل من المفترض أن يعيشوا هنا في البرد مثل الحيوانات. ولكننا لا نريد مواجهات، ولا نفكر بأمور أكثر تطرفا. كل ما نريده هو أن نعيش هنا بهدوء؟ ما الذي يفكر فيه أبناء يعقوب؟ لا أدري. ما رأيك أنت؟”