في 1 أبريل، ستصبح “دولة فلسطين” رسميا عضو في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. ولكن في حين أن البعض قد يرون بهذه الخطوة حدثا تاريخيا، فهي لا تغير شيئا تقريبا في العلاقة الجدلية بين رام الله وإسرائيل.

من دون شك، هذه الخطوة التقنية البحتة قد تثير جولة أخرى من علاقة “الواحدة بواحدة” بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والتي قد تتطور، في أسوأ السيناريوهات، إلى موجة من العنف. مع ذلك، لا يرغب أي طرف حاليا بالتصعيد. بدلا من ذلك، بالإمكان أن نتوقع تبادل اتهامات وتهديدات وربما حتى خطوات مؤقتة وقابلة للتغيير مثل قيام إسرائيل بإعادة تجميد عائدات الضرائب الفلسطينية وتهديد من قبل الفلسطينيين بإلغاء التنسيق الأمني.

التغيير الحقيقي في قواعد اللعبة حدث قبل أربعة أشهر، في 31 ديسمبر، 2014، عندما وقع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على وثيقة أعلن فيها أن الحكومة تقبل بالسلطة القضائية للمحكمة “لغرض تحديد ومحاكمة والحكم على” جناة “جرائم الحرب” التي ارتُكبت في أراضي فلسطين المحتلة.

بعد أسبوع من ذلك، اعترفت المحكمة الجنائية الدولية رسميا بإنضمام الفلسطينيين إلى نظام روما الأساسي، الوثيقة التأسيسية للمحكمة، ما يمهد الطريق لمحاكمة الإسرائيليين في لاهاي.

بعد أسبوع آخر، في 16 يناير، فتحت المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، تحقيقا أوليا “في الوضع في فلسطين”، ليس بالضرورة لأنها اعتقدت بأن ذلك سيؤدي إلى فتح تحقيق شامل وإدانات في نهاية المطاف، ولكنها قامت بذلك “كمسألة مبدأ”، كما وضحت. هناك خلاف بين الخبراء حول ما إذا كان هناك أي احتمال بأن يؤدي التحقيق ضد إسرائيل إلى إدانة. ولكن الجميع يتفقون على أن التحقيق الأولي سيستغرق سنوات على الأرجح، وأن تحقيقا كاملا، إذا تم فتح تحقيق كهذا، سيستغرف فترة أطول.

إذا ما الذي تغير في الواقع في 1 أبريل؟ أولا، ستصبح فلسطين عضوا مصوتا في جمعية دول الأطراف، التي تقرر في جوانب كثيرة للمحكمة. ولكن كدولة واحدة من أصل 124، يظل تأثيرها ثانويا.

الأهم من ذلك، هو أن فلسطين ستكون قادرة على تقديم ما يُسمى بإحالات دولة، التي تحمل وزنا أكبر لإحالات كيانات غير عضو. في الممارسة العملية، يعني ذلك أنه عندما تقدم فلسطين الدولة العضو شكوى حول جرائم ارتُكبت على أرضها، سيكون على المحكمة أخذ الإحالة بجدية أكثر مما فعلته في السابق.

ومع ذلك، الفروقات الفعلية بين شكاوى قبل وبعض العضوية ليست بفروقات كبيرة، كما يقول عدد من المسؤولين الإسرائيليين ، الذين تحدثوا جميعهم شريطة عدم الكشف عن أسمائهم بسبب حساسية الموضوع.

أحد المسؤولين قال، “إن ذلك يغير الإجراء في مرحلة معينة، ولكنها خطوة إجرائية ثانوية ذات تأثير صغير”.

على سبيل المثال، قيام دولة بتقديم إحالة تتطلب فتح بحث أولي فوري في القضية المحالة. ولكن المدعية العامة أطلقت أصلا بحثا “في الوضح في فلسطين” قبل ثلاثة أشهر ونصف. مع ذلك، إذا قررت إغلاق الملف، بإمكان فلسطين الدولة العضو الإعتراض وأخذ الملف إلى ما يُسمى بغرفة المحاكمة، التي تضم ثلاثة قضاة، الذين سينظرون في المسألة.

(يجري حاليا بحث أولي مغلق في قضية مافي مرمرة، التي أحالتها جزر القمر للمحكمة. في نوفمبر، أغلقت المدعية العامة القضية، معللة ذلك أن الحادثة التي وقعت عام 2010 – والتي قتلت فيها قوات كوماندوز تابعة للبحرية الإسرائيلية 9 مواطنين أتراك على متن سفينة متوجهة إلى غزة مسجلة في جزر القمر – تفتقر إلى “الخطورة الكافية”. ولكن محامين يمثلون الجزيرة الصغيرة، وهي عضو في المحكمة الجنائية الدولية، طلبوا منها إعادة النظر في القضية في يناير.)

وبالتالي، فإن أهمية دخول عضوية فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية يوم الأربعاء، تعتمد بشكل كبير على الخطوات التالية التي ستقوم بها القيادات السياسية في إسرائيل ورام الله. إذا تقدمت فلسطين بتقديم شكوى فورا بعد أن تصبح دولة عضو في المحكمة، تتهم فيها إسرائيل رسميا بجرائم حرب، سيتجه الطرفان نحو مواجهة.

الحكومة الإسرائيلية سترد على الأرجح من خلال تجميد عائدات الضرائب التي تقوم بجمعها للسلطة الفلسطينية، ما قد يدفع الفلسطينيين في المقابل إلى النظر – مرة أخرى – بوضع حد للتعاون الأمني مع إسرائيل.

بدأت إسرائيل بإحتجاز أموال الضرائب الفلسطينية قبل ثلاثة أشهر، لمعاقبة الفلسطينيين على محاولتهم الإنضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية. يوم الجمعة، أمر رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو بالإفراج عن الأموال المتراكمة “لمخاوف إنسانية وللإعتبار العام لمصالح إسرائيل في هذا الوقت” بحسب بيان صادر عن مكتبه.

ومن المقرر أن يشارك وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، في مراسم انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وهدد مسؤولون فلسطينيين مرارا وتكرارا بتقديم شكاوى حول جرائم إسرائيلية مزعومة في أقرب وقت ممكن. ولكن من غير المتوقع أن يقوم المالكي بإستخدام هذا الحق الجديد لفلسطين هذا الأسبوع. في الواقع، تقول مصادر إسرائيلية أنه تم التوصل إلى اتفاق سري بين إسرائيل ورام الله يربط بين تحرير إسرائيل لأموال عائدات الضرائب المجمدة، وبين تعهد فلسطيني بعدم إلغاء التعاون الأمني والإمتناع عن تقديم شكاوى في لاهاي.

يلائم هذا السيناريو الطرفين، بشكل أو بآخر: فالفلسطينيون حصلوا على أموالهم وهم يدركون أن هناك تحقيقا أوليا جاريا في جرائم إسرائيلية مزعومة إذا لم يقوموا بتقديم شكوى في الوقت الحالي. وهم يدركون جيدا أيضا أن بإمكانهم كدولة عضو رفع الرهان وتقديم شكوى كدولة لترسيخ قضيتهم في أية لحظة.

أما الإسرائيليين، الذين يدركون بمرارة أنهم غير قادرين على إبطال توجه الفلسطينيين إلى المحكمة الجنائية الدولية، بإمكانهم على الأقل تجنب مواجهة حول هذه المسألة، وتخفيف ضغوط متزايدة من المجتمع الدولي، وخاصة من الإدارة الأمريكية مؤخرا، حول الطريقة التي تعامل فيها إسرائيل الفلسطينيين.

مع ذلك، نفت مصادر فلسطينية وجود اتفاق من هذا النوع. فرضية أن فلسطين لن تتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية “مقابل إعادة عائدات الضرائب الفلسطينية المسروقة لا أساس له”، كما جاء في تغريدة على تويتر على حساب مرتبط بمنظمة التحرير الفلسطينية.

من جهة أخرى، منذ ظهور التقارير عن هذا الإتفاق السري، لم تكرر رام الله تهديدها بالمسارعة إلى تقديم شكوى بشأن الأنشطة الإسرائيلية في المحكمة الجنائية الدولية. إحدى مساعدي المالكي قالت لتايمز أوف إسرائيل أنها غير قادرة على تقديم أية معلومات عن رحلته إلى لاهاي، ورفضت نفي أو تأكيد عزمه تقديم إحالة دولة قبل عودته يوم الخميس.

ورفض عدد من المسؤولين الفلسطينيين إجراء لقاء لهذا التقرير، لذلك من الصعب التنبؤ بما سيحدث بعد 1 أبريل. لأسباب تكتيكية، قد تنتظر رام الله قبل القيام بتقديم أية شكاوى للمحكمة – قد يبدو ذلك انتهازية سياسية وليس كقلقا حقيقيا إذا قام الفلسطينيون بتقديم شكوى في أيامهم الأولى كدولة عضو. إذا انتظروا حتى إعلان إسرائيل عن توسع إستيطاني، أو تجدد تبادل إطلاق النار مع الفصائل المسلحة في غزة، على سبيل المثال، فقد تحظى قضيتهم بدعم دولي أكبر.

ولكن إذا اختار الفلسطينيون شجب إسرائيل على الفور، فستكون مضطرة للرد – على الأرجح من خلال تجميد عائدات الضرائب التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية مرة أخرى. وافقت إسرائيل على تحرير الأموال التي احتجزتها حتى الآن، ولكنها لم تتعهد بمواصلة تحويل الأموال في المستقبل، كما قال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى لتايمز أوف إسرائيل.

مثل هذه الأعمال العدائية الدبلوماسية قد تتصاعد بسرعة وتتطور إلى أعمال عنف. ولكن في الوقت الحالي لا يصب ذلك في مصلحة أحد، ورام الله تدرك أنه عاجلا أم آجلا، سيتم ممارسة ضغوطات على إسرائيل لتحرير الأموال المجمدة. في هذه الأثناء، تدرك إسرائيل أن الأوان قد فات لمنع المحكمة الجنائية الدولية من بحث الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وأنه ليس من المهم حقا إذا قام الفلسطينيون – أو بالأحرى عندما يقوم الفلسطينيون – بتقديم شكوى رسمية.