في حين يراقب العالم بقلق المعارك الدائرة في كوباني، البلدة الكردية التي تقع على الحدود بين تركيا وسوريا، بين القوات الكردية وداعش، تنجح إيران وببطء إستكمال عملية إستيلاء مثيرة للإعجاب على اليمن. يوم الثلاثاء إستولى المتمردون الحوثيين على المدينة الساحلية الإستراتيجية في اليمن، حديدة، التي تقع غرب العاصمة صنعاء. خلال اليوم نفسه إحتلوا أيضا المطار الذي يقع جنوبي المدينة. وذلك بعد أن نجح الحوثيون في 21 سبتمبر بالإستيلاء على العاصمة صنعاء. يتمتع الحوثيون، وهو يزيديين شيعة (إحدى الطوائف الشيعية)، في السنوات الأخيرة من مساعدات مكثفة من الحرس الثوري الإيراني وجيش القدس، المختص في الساحات الدولية. من المفترض أن تثير هذه الخطوة طبعا الكثير من المخاوف في إسرائيل. تسيطر اليمن، نظرا لموقعها الجغرافي، على ممر مائي استراتيجي بالنسبة لإسرائيل، الخروج من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي. أو بكلمات أخرى، باب المندب. وجود عناصر الحرس الثوري في الممر المائي مصيري بالنسبة لاقتصاد إسرائيل، حيث تستطيع الوصول من هناك ليس فقط إلى المحيط الهندي بل أيضا لوجهات أخرى مثل إيران بنفسها، وبإمكانهم التسبب بمشاكل ليست بقليلة للسفن الإسرائيلية التي تمر في المقطقة. في بداية سنوات ال-70 هاجمت منظمات فلسطينية سفن إسرائيلية مرت من باب المندب. قد يتبع الإيرانيون طرقا مماثلة من خلال الحوثيين.

ولكن فضلا عن الزواية الإسرائيلية، فإن الأحداث في اليمن في الأسابيع الأخيرة وعمليا منذ بداية “الربيع العربي” هناك، هي بمثابة مثال كلاسيكي على الرمال المتحركة في الشرق الأوسط. في نوفمبر 2011 إستقال رئيس اليمن علي عبد الله صالح من منصبه، بعد 33 عاما. لقد كان واحدا من أقدم الرؤساء في الشرق الأوسط، ربما على غرار معمر القذافي، حاكم ليبيا. الإثنان في نفس السن تقريبا، وإعدام القذافي من دون محاكمة في أكتوبر 2011، كان كما يبدو واحدا من الأسباب التي دفعت بصالح إلى الإستقال بإرادته. حل مكانه الرئيس عبد ربو منصور هادي.

ولكن بالنسبة للحوثيين، هذا التغيير للشخص لم يكن كافيا. فقد أرادوا جزءا أكبر من كعكة السلطة وكما يبدو بتشجيع إيراني، سعوا وما زالوا يسعون إلى الإستيلاء على البلاد. في الأشهر الأخيرة حقق الحوثيون انجازات عسكرية هامة، أهمها الإستيلاء على صنعاء. نجحوا في الاستيلاء على مكاتب حكومية ومنشآت استراتيجية وغير ذلك، ووافقوا على وقف القتال، فقط في حال تم تشكيل حكومة جديدة، مركبة من تكنوقراطيين. وافق الرئيس هادي، بوساطة الأمم المتحدة، على ذلك. ولكن عندما حاول في الأسبوع الماضي تعيين أحد مقربيه، أحمد عواد بن مبارك، رئيسا للحكومة، قوبل برفض من الحوثيين. في هذه الأثناء، لم يكن السنة المتطرفين الذين يعملون في جميع أنحاء اليمن، وخاصة عناصر القاعدة، سعيدين برؤية الشيعة اليزيديين، الذين يشكلون 30% من سكان البلاد، يرفعون رأسهم. ويوم الخميس الماضي، خلال مظاهرة للحوثيين ضد تعيين بن مبارك، فجر إنتحاري نفسه داخل الحشد الذي سار في صنعاء، مما أدى إلى مقتل 47 شخصا. فدفعت هذه التطورات بالرئيس هادي إلى التراجع عن نيته تعيين بن مبارك ويوم الاثنين فقط (13 أكتوبر)، وافقت كل الأطراف على تعين مندوب اليمن السابق لدى الأمم المتحدة، خالد بحاح، رئيسا للحكومة. ولكن الأحداث التي وقعت في اليوم التالي (احتلال حديدة) خلطت الأوراق من جديد. وكأن كل هذا لا يكفي، في اليوم نفسه أُجريت في المدن الجنوبية في اليمن، وخاصة في عدن، مظاهرات لإنفصاليين جنوبيين، الذين يطالبون بالإستقلال عن اليمن وإقامة “الجمهورية الشعبية لجنوب اليمن” من جديد.

إلى أين تسير الأمور في اليمن؟ هذا غير واضح. ما يمكن فهمه في ظل الإعتداءات والمذابح التي ترتكبها داعش، فإن المحور الشيعي بقيادة إيران لا يرتاح للحظة. خلال مظاهرات الحوثيين في اليمن كان بالإمكان رؤية شعارات مأخوذة من معجم رجال الثورة الإسلامية في إيران: “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، الموت لليهود”. بالإمكان التكهن أن الكثيرين من المشاركين في المظاهرة لا يعرفون حتى مكان إسرائيل على الخارطة، ولكن التأثير الإيراني لا يقتصر على شعارات، وفي السعودية يراقبون بقلق كبير التطورات في الجنوب. تدرك الرياض أن الإيرانيين قاموا بإرسال وسائل قتالية إلى الحوثيين، وحتى أنها تحاول المساعدة في إحباط التهريب من إيران إلى شمال اليمن. اعتقل الجيش اليمني عناصر من الحرس الثوري خلال المعارك، وتخشى السعودية أن أن البعثة الإيرانية الجديدة ستحاول خلق جو من عدم الإستقرار في المناطق الشيعية عندها. وبذلك، في حين أن وسائل الإعلام الأمريكية (والإسرائيلية أيضا) مشغولة بشكل مهووس تقريبا في دراسة خرائط سيطرة داعش، تنجح إيران “المعتدلة” مع قليل من الضجة حول ذلك بالحصول على سيطرة لها في أراض أكبر وأكثر : لبنان، أجزاء من سوريا، أجزاء كبيرة من العراق والآن اليمن. في الشهر القادم ستنتهي ستة أشهر من المحادثات على البرنامج النووي الإيراني، وكما يبدو من دون تحقيق انفراج حقيق. في هذه الأثناء، يبدو أن الإيرانيين يستطيعون تدبر أمورهم من دون سلاح نووي أيضا.

داعش والتكتيكات المتغيرة

ومن المحور الشيعي إلى التهديد السني. داعش، بالرغم من الغارات الجوية التي تشنها الولايات المتحدة وحلفائها في التحالف الدولي، لا يتوقف . صحيح أن سرعة التقدم لم تعد كما كانت في “الأيام الخوالي” في الموصل ومع ذلك، يواصل التنظيم احتلاله وسيطرته على أجزاء من كوباني. كيف من الممكن أنه حتى القوة الجوية الهائلة لعدد من الجيوش وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تنجح في دحر داعش؟ يبدو أن الإجابة على هذا السؤال موجودة في المستوى التكتيكي. أدركوا في داعش أن قوافل مركبات “تويوتا” رباعية الدفع تشكل فريسة سهلة للطائرات من دون طيار والطائرات الأمريكية وغيروا من طرق تنقلهم. فهم ينجحون في الوصول إلى أهدافهم ولكن ليست بصروة مكشوفة بشكل كبير، بواسطة دراجات ومركبات خصوصية. وتركوا أيضا الفساتين السوداء في العراق مع أعلامهم. ثانيا، هم يقومون باستخدام طرق مختلفة لتتشويش قدرة الطائرات على العمل، مثل حرق مئات الإطارات مما يتسبب بدخان أسود كثيف فوق منطقة القتال. ثالثا، وهذه ربما النقطة التي تشكل المشكلة الأكبر للأمريكيين، منذ لحظة دخول عناصر داعش إلى الحيز الحضري، يجد الطيارون الأمريكيين صعوبة في تحديد الصديق من العدو من دون توجيه من الأرض، وخاصة عندما يدور الحديث عن طائرات مقاتلة (على عكس طائرات هجومية). وهذا ليس هو الهدف. إن قرار الرئيس أوباما الإمتناع عن “Boots on the ground”، مهما كان مفهوما من ناحية سياسية، فهو يصعب على عمل الطائرات الأمريكية في هذه المنطقة. من أجل رسم أهداف للهجوم هناك حاجة لمعلومات إستخباراتية. ومن دون وجود على الأرض لرجال مخابرات ووحدات خاصة، فيبدو أن هذه المعلومات الإستخباراتية غير كافية لوقف تقدم داعش.

ولا يمكن إنهاء الحديث من دون كلمة عن الحلفاء اللذين إختارتهم الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، قطر وتركيا البلدان يمولان حماس والدوحة على الأقل، بطريقة أو بأخرى، ساعدت عناصر داعش في الماضي. من الصعب تصديق ذلك، ولكن الإدارة الحالية في واشنطن إختارت هذين البلدين كشريكين لها في إطار سياسة التقرب من الدول العربية والإسلامية بشكل عام. هذا الأسبوع أشادت مسشتارة الأمن القومي سوزان رايس بموافقة أنقرة على السماح لطائرات التحالف إستخدام المطارات في تركيا لمهاجمة أهداف داعش. نفت أنقرة ذلك على الفور. أكثر من ذلك، يوم الإثنين (13 أكتوبر)، هاجمت طائرات تركية أهدافا كردية في جنوب شرق تركيا. والمكان الوحيد الذي يمكن من خلاله ايصال امدادات للأكراد المحاصرين في كوباني هو الحدود التركية، ولكن أنقرة ترفض هذه الإمكانية تماما. يبدو أن إنقاذ “إخوتهم” في غزة أكثر إلحاحا.