في حين أن محادثات السلام لم تنته بشكل رسمي، تدل التطورات الأخيرة على أن الجهود الأخيرة بوساطة أمريكية لصياغة اتفاق وضع نهائي- أو مؤقت أو أطار أو أي نوع أخر من الاتفاقات- قد فشلت. حتى أن استمرار المفاوضات سيتطلب معجزة.

ولكن لا تتوقعوا أن يبدأ الطرفان بكتابة النعي للمفاوضات في الوقت القريب. بدلًا من ذلك، سيقوم الإسرائيليون والفلسطينيون بالاستعداد لتوجيه أصابع الاتهام على الجانب الآخر لفشل جولة أخرى من المحادثات.

لتبدأ لعبة إلقاء اللوم!

تحديد سبب فشل هذه الجولة من الحادثات ليس مجرد سؤال نظري أو اختصاص المؤرخين؛ يمكن أن يكون لذلك عواقب بعيدة المدى على مكانة إسرائيل في العالم.

إذا اعتُبرت إسرائيل بأنها الطرف المسؤول عن انهيار المحادثات، فإن المجتمع الدولي، الذي سئم من الصراع الذي طال أمده، سيكثف جهوده لعزل إسرائيل دبلوماسيًا، بينما يقوم بتعزير مكانة الفلسطينيين.

واعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالفعل بفلسطين كدولة غير عضو عام 2012، وقبل سنة من ذلك قبل اليونسكو بفلسطين كعضو كامل العضوية.

إذا انهارت المحادثات وعند حدوث ذلك، فإن الفلسطينيين سيتقدمون بطلب العضوية في 63 وكالة دولية وهيئة أممية، على مل يبدو فإن هناك احتمال كبير بأن يحققوا نجاحًا كبيرًا للغاية.

هذا لن يغير الكثير على الأرض بالطبع، ولكنه سيعزز قدرة الفلسطينيين على إيذاء إسرائيل- سواء كان ذلك نن خلال تقديم دعاوى قضائية في المحكمة الجنائية الدولية، أو عن طريق دفع مجموعة من القرارات المعادية لإسرائيل من منظمة الصحة العالمية أو برنامج الغذاء العالمي للأمم المتحدة.

من المرجح أن يقوم وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي لا يعرف الكلل، والذي بذل الكثير من الوقت والجهود في محاولة صياغة اتفاق، وتحمل الكثير من السخرية والازدراء على طول الطريق، بتحويل تركيزه إلى مكان آخر. نتيجة لخيبة أملها من سلوك إسرائيل خلال الأشهر الثمانية الأخيرة-بما في ذلك هجمات لم يسبق لها مثيل من قبل وزير الدفاع موشيه يعالون- فقد تخفف الولايات المتحدة من دعمها لإسرائيل في الساحة الدبلوماسية.

يمكن أن تعاني علاقات إسرائيل مع الاتحاد الأوروبي أيضًا إذا اتهمت القدس بانهيار المحادثات.

في وقت سابق من هذا العام قال سفير الاتحاد الأوروبي في إسرائيل، لارس فابورغ-أندرسن، “إذا انهارت المحادثات جراء إعلان استيطاني إسرائيلي، فسيتم وضع اللوم بشكل مباشر على عتبة إسرائيل.” إذا تسببت تصرفات إسرائيل بانهيار المحادثات، فتوقع لارسن أنه “من الطبيعي ومن المنطقي أن تُلام [إسرائيل].”

فما الذي أدى بالضبط إلى قتل المحادثات؟ هل كان ذلك النشاط الاستيطاني الإسرائيلي المتواصل وفشلها في إطلاق الأسرى الفلسطينيين؟ أو هل كان ذلك استئناف الفلسطينيين للخطوات الأحادية نحو إقامة دولة فلسطينية؟

يقول الفلسطينيون أن فشل إسرائيل في المضي قدمًا في إطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى الأمنيين الفلسطينيين، والتي كانت مقررة في 29 مارس، أعطاهم الإشارة بالمضي قدمًا وتقديم طلب انضمام إلى 15 اتفاقية ومعاهدة دولية. في يوليو 2013، وافقوا على الامتناع عن الانضمام إلى هيئات الأمم المتحدة فقط مقابل التزام إسرائيل بإطلاق 104 أسرى، بحسب ادعائهم.

وقال قسم شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية في بيان صحفي هذا الأسبوع، “بما أن إسرائيل لم تنفذ إطلاق المجموعة الأخيرة من الأسرى، فإن دولة فلسطين لم تعد مضطرة إلى تأجيل حقوقها في الانضمام إلى معاهدات واتفاقيات متعددة الاطراف.” وجاء في البيان أيضًا أن المفاوضات مع إسرائيل لن تتأثر بهذه الخطوة وستستمر حتى نهاية أبريل.

تقديم طلبات العضوية إلى هذه المعاهدات الدولية “لا علاقة له بالمفاوضات أو بالتوصل إلى اتفاق،” كما يقول الفلسطينيون.” من جهة أخرى، فإن التصرفات الإسرائيلية، بما في ذلك بناء المستوطنات بلا هوادة خلال عملية السلام هذه برمتها، قوضت الجهود الأمريكية والدولية.”

لا يقبل الإسرائيليون بهذا المنطق. حقيقة أن القدس تأخرت ببضعة أيام في إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين لا تبرر الخطوة التي لا رجعة فيها والتي قد تغير المضمون القانوني والدبلوماسي للمفاوضات بين الطرفين، وفقًا لما قاله مصدر مقرب من المفاوضات.

يوم الجمعة، أطلق وزير المالية يائير لابيد الطلقة الاولى في ما يبدو أنه سيكون صراعًا طويلًا على الرأي العام، حيت كتب على صفحته في الفيسبوك أن قائمة المطالب الجديدة للفلسطينيين تبدو كأنها “استفزاز متعمد يهدف إلى نسف المحادثات.”

إسرائيل، من الناحية الاخرى، لم تنوي إلغاء إطلاق الأسرى، ولكنها سعت فقط للتأكد من أنها ستضمن استمرار المحادثات من دون انقطاع، وفقًا لمسؤولين. علاوة على ذلك، التهديدات الفلسطينية المستمرة بالتوجه إلى الأمم المتحدة فور انقضاء فترة التسعة أشهر الأولية، “سيصعب علينا كثيرًاإطلاق الأسرى.” حسبما قالت مصادر إسرائيلية مطلعة.

في الواقع فإن القدس كانت على استعداد للمضي قدمًا في إطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى، ولكن السلطة الفلسطينية طالبت بأن تشمل عربًا إسرائيليين، وهو ما رفضته إسرائيل. وبينما قام رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بإعطاء موافقته على اتفاق ثلاثي معقد من شإنه إنقاذ المفاوضات، مضى الفلسطينيون قدمًا بتقديم طلبات العضوية، وقاموا بنسف العملية، حسبما قالته هذه المصادر الإسرائيلية.

الإصرار الفلسطيني على عرب إسرائيل ورفضهم الالتزام بتمديد المحادثات أديا بالتساوي إلى تأجيل إسرائيل إطلاق الأسرى، حسبما أضاف المصدر. إذا كان الفلسطينيون معنيون حقًا بالمفاوضات، تتساءل إسرائيل، فلماذا يقومون بخطوات أحادية لتغيير مكانتهم ومهاجمة إسرائيل في الهيئات الدولية؟

يدعي الفلسطينيون أن كيري وعد بإطلاق سراح العرب الإسرائيليين؛ بينما أكد الإسرائيليون بأنهم لم يقدموا أبدًا التزامًا من هذا النوع. فإما أن الفلسطينيين يكذبون، وإما أنه يجب إلقاء اللوم على كيري لقيامه بإعطاء وعد لأحد الأطراف من دون التأكد من أن الطرف الآخر مستعد لتنفيذ هذا الوعد. على الرغم من ذلك فإن الإسرائيليين والفلسطينيين مستمرون بتوجيه أصابع الاتهام إلى بعضهم البعض.

وماذا يقول العالم الخارجي؟ الأمريكيون، في الوقت الراهن، يحملون الطرفين المسؤولية بالتساوي، على الأقل علنًا. قال المتحدث باسم البيت الابيض جاي كارني يوم الخميس أن تأخير إسرائيل في إطلاق الأسرى “خلق تحديات،” ولكن ماري هارف من وزاة الخارجية الأمريكية وضحت لاحقًا أن “الطرفين قاما بخطوات غير مفيدة. بالتأكيد قام الإسرائيليون بذلك، كما فعل الفلسطينيون… ولكننا لا نضع اللوم على جانب واحد هنا. قام الطرفان بأمور غير مفيدة ونعتقد أن على الطرفين اتخاذ قرارات صعبة.”

عندما وافق نتنياهو عام 2013 على الإفراج عن فلسطينيين قاموا بقتل إسرائيليين بوحشية- كتنازل لاستئناف المحادثات- قد يكون فعل ذلك أملًا منه في ان يساعده ذلك في لعبة إلقاء اللوم التي ستأتي بالتأكيد بعد الانهيار المحتمل للمحادثات.

شدد نتنياهو مرارًا وتكرارًا على طلبه بأن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة يهودية- لأنه اعتقد على الأرجح بأنهم سيرفضون ذلك- ومن المرجح أنه امل في تسليط الضوء على عدم التزامهم الجلي بالتوصل إلى سلام حقيقي.

قد يكون نتنياهو قد خطط ليقول فور بدء العالم بالبحث عن سبب وصول عملية السلام، مرة أخرى، إلى طريق مسدود، “اتخذنا خطوات مؤلمة لحملهم على الحضور إلى طاولة المفاوضات، ولكنهم لا يريدون حتى الاعتراف بحقنا في الوجود هنا.”

ولكن وفقًا لآخر ما وصلت إليهاالأمور، يبدو أن المجتمع الدولي غير راغب بتقبل هذه الرواية. إذا كانت الولايات المتحدة تحمل الطرفين المسؤولية بالتساوي، فيمكن الافتراض أن بقية العالم سيقوم، كما قال سفير الاتحاد الاوروبي، بوضع اللوم “بشكل مباشر على عتبة إسرائيل.”