قبل أن يصبح شمعون بيريس رجل السلام الذي أشاد به زعماء العالم لتفانية من أجل التعايش، كان رجل دفاع وأمن، حيث كان له دور رئيسي في بعض من أهم إنتصارات إسرائيل العسكرية وأصولها الإستراتيجية.

بالنسبة للكثيرين، بيريس هو اسم مرادف لإتفاق أوسلو الذي تم التوصل إليه في عام 1993، والذي حاز بفضله على جائزة نوبل للسلام، و”مركز السلام” على إسمه، الذي يدعو إلى الحوار وتوفير فرص لإسرائيليين وفلسطينيين. ومع ذلك، قلة قليلة من الأشخاص في إسرائيل ساهموا أكثر منه في قدرات الدولة العسكرية.

بعد حرب الإستقلال، ساعد بيريس في بناء سلاح الجو الإسرائيلي وتحويله إلى القوة الماحقة المعروفة ذات الشهرة العالمية الذي هو عليه اليوم، ويُزعم أيضا بأنه أعطى إسرائيل القدرة على صناعة أسلحة نووية، التي منحت الدولة، بحسب تقارير، قدرات الضربة الثانية في حال وقوع هجوم.

شمعون بيريس صمم طابع وقيم وزارة الدفاع لقد “قاد تعزيز وبناء قوة الجيش الإسرائيلية وقدراته الإستراتيجية”، كما جاء في بيان صادر عن وزارة الدفاع.

وأضافت الوزارة في بيانها، “لقد طور العلاقات الأمنية مع بلدان أخرى في العالم ولعب دورا مركزيا في إنشاء صناعات الدفاع الإسرائيلية”.

بعد فترة قصيرة قضاها في تنظيم “الهاغاناه” والجيش الإسرائيلي الوليد، كان بيريس على رأس وفد من وزارة الدفاع قام بزيارة إلى الولايات المتحدة في عام 1950 وبعد وقت قصير من عودته تم تعيينه نائبا للمدير العام للوزارة في عام 1952.

بعد عام من ذلك أصبح المدير العام للوزارة وفي هذا المنصب وضع الأساس لتحويل الجيش الإسرائيلي الغير ناضج وغير المجهز إلى القوة التكنولوجية التي أصبح عليها الجيش الإسرائيلي.

في بداية سنوات الخمسين، بدأ بيريس علاقة مع الحكومة الفرنسية التي يُزعم بأنه نتج عنها إنشاء ترسانة إسرائيل النووية وكذلك شراء طائرات مقاتلة وقاذفات قنابل لتحل محل طائرات الجيش الإسرائيلي القديمة من فترة الحرب العالمية الثانية، والتي سيكون لديها أثر فعال في إنتصار إسرائيل في حرب الستة أيام في عام 1967.

مع دخوله المنصب في سن الـ -29، لا يزال بيريس أصغر مدير عام لوزارة الدفاع في تاريخ إسرائيل. ولكن سنه الصغير وعدم خبرته لم يمنعاه من تأسيس علاقات إسرائيل الدفاعية مع فرنسا بمفرده بشكل أساسي، بحسب غاي زيف، أستاذ مشارك في كلية الخدمة الدولية في الجامعة الأمريكية.

وكتب زيف في مقال له في عام 2010 نُشر في مجلة “التاريخ المعاصر”: “ما يجعل من هذا الحالة ساحرة بشكل خاص ليس مجرد أن شخص واحد نجح في تحقيق تأثير غير متكافئ بين البلدين، ولكن أيضا أن هذا الشخص لم يكن من أحد كبار صناع القرار”.

خلال أوائل سنوات الخمسين، حاولت وزارة الخارجية ومسؤلون إسرائيليون كبار من دون جدوى إقناع الولايات المتحدة ببيع مدفعية وطائرات وأسلحة ودبابات للدولة اليهودية الوليدة.

بيريس، الذي حاول جاهدا وفشل في شراء أسلحة من الولايات المتحدة في 1950، توجه بدلا من ذلك لفرنسا، “الدولة الأكثر ودية”، كما أشار إليها في اجتماع في وزارة الدفاع في عام 1954.

كان على بيريس الشاب إقناع وزيري الدفاع في ذلك الوقت، بينحاس لافون ودافيد بن غوريون، بأن “الإتصال الفرنسي”، وليس الأمريكي، هو الطريق الصحيح، بحسب زيف.

وكتب بيريس في كتابه “مقلاع داوود”: “كان من الطبيعي أن يشعر الشعب في فرنسا بعد الحرب، الذي ذاق هو بنفسه مرارة الفظائع النازية، بصلة قرابة مع ضحايا النازية الذين عانوا ن خسائر أكبر”.

من خلال علاقة بيريس مع الفرنسيين، قامت إسرائيل بشراء كميات كبيرة من الأسلحة، بما في ذلك مدافع ودبابات ومعدات رادار. ولكن أبرز ما قامت بشرائه كان طائرات “داسو ميستير الرابعة” و”داسو أوراغان” المقاتلة في عام 1955، و”داسو سوبر ميستير بي 2″ في عام 1956 و”داسو ميراج الثالثة”، إحدى أكثر الطائرات المقاتلة تطورا في ذلك الوقت، في عام 1962.

تم إستخدام جميع هذه الطائرات الحربية في حرب الستة أيام في عام 1967، حيث قضت على قوات سلاح الجو المصرية والسورية والعراقية والأردنية، ما ساعد في تمهيد الطريق لإنتصار إسرائيلي غير متوقع. ولكن نجم حرب عام 1957 كانت طائرة “ميراج”، التي تُعرف في إسرائيل بإسم “شاحاك”، التي قامت بشن غارات جوية وشاركت في معارك جوية، حيث أسقطت حصة الأسد من طائرات العدو.

ظلت طائرة “ميراج” في الخدمة حتى عام 1986، وتم إستخدام تصميمها لصنع طائرتي “نيشر” و”كفير” المقاتلة من قبل “صناعة الفضاء الإسرائيلية”، وظلت الأخيرة منها قيد الإستعمال حتى عام 1996.

ولكن في حين أن هذه الطائرات لعبت دورا هاما للغاية في الإنتصار العسكري في عام 1967، فإن علاقة بيريس مع الحكومة الفرنسية غيرت بكل جذري أيضا إستراتيجية إسرائيل الأمنية وموقعها، مع إنشاء مفاعل ديمونا النووي في النقب.

التسلح بالنووي، كما يُزعم

في أواخر 1956، إلتقى ممثلون من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، من ضمنهم بيريس، لثلاثة أيام سرا في فيلا في سيفر الفرنسية، لمناقشة تأميم الرئيس المصري جمال عبد الناصر لقناة السويس.

في الإجتماع، تم إتخاذ قرار بأن تقوم إسرائيل بخلق صراع مع مصر وأن تقوم بريطانيا وفرنسا بإرسال قوات لوقف الحرب ظاهريا، ولكن في الواقع لإحتلال المنطقة وضمان مرور السفن عبر القناة.

الإتفاق السري في حينها أصبح يُعرف بإسم “بروتكول سيفر”. وتم إطلاق الحملة في 29 أكتوبر، 1956، عندما غزت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء. واستمرت العملية لمدة 9 أيام.

ونجحت القوات الإسرائيلية والبريطانية والفرنسية بداية في السيطرة على المنطقة، ولكن إدانات واسعة للحملة من الولايات المتحدة والرأي العام في بريطانيا وفرنسا أجبرهم على الإنسحاب ما حول الخطة السرية إلى إحراج عام لبريطانيا وفرنسا – لكن إسرائيل خرجت من ذلك من دون أضرار نسبيا.

على الرغم من أن ذلك لم يكن جزءا رسميا من “بروتكول سيفر”، خلال الإجتماع السري الذي تم التخطيط فيه للحرب التي كان مصيرها الفشل، وافق الفرنسيون على مساعدة إسرائيل في تطوير مفاعل نووي، بحسب مقال تم نشره في عام 1997 في مجلة “فورين أفيرز” لآفي شاليم، مؤرخ بريطاني-إسرائيلي.

وكتب بيريس في كتابه “الصراع من أجل السلام” في عام 1995، “هنا وضعت اللمسات الأخيرة مع هذين القائدين” – رئيس الوزرا الفرنسي آنذاك غي موليه ووزير الدفاع أنذاك موريس بورجيه مونوري – “إتفاقا لبناء مفاعل نووي في ديمونا، جنوبي إسرائيل”.

هذا المفاعل النووي في ديمونا، إلى جانب تزويد إسرائيل باليورانيوم، ساهما، كما زُعم، في صنع أسلحة إسرائيل النووية.

يوم الأربعاء، في أعقاب وفاة بيريس، أشادت لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية بالرئيس ورئيس الوزراء ووزير الدفاع الأسبق لدروه في إنشائها.

وجاء في بيان للجنة “ساهم بيريس بشكل أساسي في إنشاء مركز الأبحاث الذرية في النقب وإنشاء سياسات إسرائيل النووية. كان ذلك عنصرا أساسيا في ضمان الصمود القومي لدولة إسرائيل. ميراث بيريس سيقود لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية في أفعالها حتى في المستقبل”، كما جاء في بيان للجنة.

إسرائيل لا تزال ملتزمة بما يُسمى بسياسة “الغموض النووي”، حيث لا تؤكد أو تنفي حيازتها لأسلحة نووية.

مع ذلك، في عام 1998 قال بيريس لصحفيين في الأردن بأن إسرائيل قامت ب”بناء خيار نووي، ليس من أجل أن تكون هناك هيروشيما بل أوسلو”.

قدرات إسرائيل النووية المزعومة، على الرغم من أنها مثيرة للجدل، ولكن يُنظر إليها على أنها ضرورية لبقاء الدولة من قبل الكثيرين من المحللين الأمنيين.

الأستاذ في جاعة بوردو، لويس رينيه بيريس كتب في عام 2014 أن “إسرائيل تحتاج أسلحتها النووية. هذا التصريح الجريء هو حتى ليس مثيرا للجدل ولو بشكل صغير”.

وأضاف: “إذا تم حرمانها من أسلحتها النووية، سواء كان لا تزال غامضة أو تم الكشف عنها حديثا، ستخسر إسرائيل بشكل لا يمكن إصلاحه قدراتها المتبقية لردع عدائية الأعداء”.

عملية عنتيبي

في أواخر سنوات الخمسين، ترك بيريس عمله كموظف حكومي ودخل عالم السياسة، وانضم إلى حزب “مباي”، السلف الأساسي لحزب “العمل”.

بعد إنتخابات عام 1959، تم تعيين بيريس نائبا لوزير الدفاع، وهو منصب شغله حتى عام 1965.

في عام 1974، عاد إلى الوزارة لقيادتها، في حكومة رئيس الوزاء آنذاك يتسحاق رابين. من هذا المنصب ساعد بيريس في عام 1976 في التخطيط ل”عملية الصاعقة” الجريئة، أو ما تُعرف بـ”الهجوم على عنتيبي”.

في 27 يونيو، 1976، اختطف مسلحون فلسطينيون وألمان طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية كانت في رحلة من تل أبيب إلى باريس. بعد بضعة أيام، أطلق المسلحون سراح الرهائن غير اليهود، بإستثناء الطيارين وطاقم الطائرة، الذين رفضوا تركها.

في وقت سابق من هذا العام، قال بيريس خلال حدث شارك فيه بعض الناجين من الحادثة، “من اللحظة التي سمعت فيها عن الإختطاف أدركت أن علينا فعل كل ما هو ممكن لتحريركم وإعادتكم إلى الوطن”،

قام بيريس، إلى جانب من وصفهم بـ”فرع الخيال” في الجيش، بوضع الخطة لعملية الإنقاذ على الرغم من عدم توفر المعلومات الإستخبارتية الكافية.

وقال بيريس: “شكك الكثيرون في قدرة الجيش الإسرائيلي على تنفيذ المهمة، خشية أنه لم تكن هناك أي سابقة لعملية كهذه، ولكن كنت أعرف طوال الوقت أن الأمر ممكن”.

لا يمكن معرفة كم كان كان بيريس والحكومة الإسرائيلية على ثقة بنجاح خطة “ترك الأمور للظروف”؛ لكن، داليا رابين، التي حضرت الحدث، تذكرت حديث والدها عن العملية الخطيرة بقوله “غدا، إما سأكون ملكا، أو سيتم شنقي في ساحة المدينة”.

في النهاية نجحت العملية طبعا. تم إنقاذ معظم ركاب الطائرة ال106 بإستثناء ثلاثة منهم، بالإضافة إلى مقتل أحد عناصر قوات الإنقاذ الإسرائيلية، وهو يوني نتنياهو، قائد العملية وشقيق بينيامين نتنياهو.

وقال بيريس عن العملية: “إن عملية عنتيبي هي واحدة من أكثر العمليات المحسوبة وأهمية في تاريخ إسرائيل، وساهمت في رفع هيبة الجيش الإسرائيلي في العالم”.

ترك بيريس منصبه في الوزارة بعد وقت قصير من ذلك، وبقي بعيدا عنه لنحو 20 عاما.

في أعقاب إغتيال رابين في عام 1995، أصبح بيريس القائم بأعمال رئيس الوزراء والقائم بأعمال وزير الدفاع.

وبقي في هذا المنصب لسبعة أشهر فقط، لكن خلال هذه الفترة أشرف على عمليه “عناقيد الغضب”، التي شهدت هجوما على منظمة “حزب الله” في جنوب لبنان. خلال العملية، قام الجيش الإسرائيلي بقصف منشأة للأمم المتحدة في قرية قانا. جراء القصف قُتل 106 مدني لبناني وأصيب أكثر من 100 آخرين.

في تقرير لها، قالت الأمم المتحدة بأنه “من غير المرجح” بأنه تم تنفيذ القصف عن طريق الخطأ – وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وقال بيريس خلال اجتماع للحكومة بعد الحادثة “لم نكن على علم بوجود بضعة مئات من الأشخاص في هذا المخيم. شكل ذلك لنا مفاجأة مريرة”.

بعد مرور شهرين من ذلك ترك بيريس وزارة الدفاع، في يونيو 1996، ولم يعد إليها أبدا.

بعد عقد آخر في الكنيست، تم إنتخاب بيريس رئيسا للدولة، وهو منصب بقي فيه من عام 2007 وحتى عام 2014.

خلال ذلك الوقت ومنذ ذلك الحين، أشاد بيريس بالجيش الإسرائيلي وبأجهزة الأمن الإسرائيلية، ولكنه برز كوجه مبادرة السلام الإسرائيلية.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما قال الأربعاء: “كان شمعون بيريس جنديا لإسرائيل، للدولة اليهودية، للعدل، للسلام، وللإيمان بأن بإمكاننا أن نكون صادقين مع أحسن جانب فينا – حتى نهاية وقتنا على الأرض، وفي الميراث الذي نتركه للآخرين. على نعمة صداقته ومثال قيادته، توداه رباه (شكرا جزيلا)، شمعون”.