في السنوات الأخيرة تم افتتاح عشرات الخمارات والمقاهي الإريترية والسوادنية في الأحياء الجنوبية لمدينة تل أبيب، من قبل مهاجرين وطالبي لجوء أفارقة. المفهوم العام في أماكن التسلية والترفية في المنطقة هو واحد: يجلس الزبائن في صفوف أو حول طاولات ويدخنون النرغيلة ويشاهدون مبارايات كرة قدم من دوري أبطال أوروبا والدور الإنجليزي الممتاز، التي تُبث باللغة العربية وتُعرض على شاشة كبيرة.

إذا كان المقهى سودانيا، يتم تقديم القهوة للضيوف (وأحيانا الإسبرسو) والشاي والمشروبات الخفيفة فقط. في حين أن الخمارة الإريترية تقدم مشروبات روحية للضيوف أيضا. الدفع يكون بحسب قدرة الزبائن، وبأسعار أقل بشكل كبير من الأسعار التي سيكون عليهم دفعها في مركز المدينة.

في مطعم البيتسا “فاميلي” على سبيل المثال، الذي يقع وراء محطة الحافلات المركزية في تل أبيب، تُباع صينية البيتسا (مع إضافات) بسعر 30 شيقل. عند طلب إضافة الببروني، يتضح أنه ليس على القائمة، والأمر لا يتعلق باعتبارات طعام “كوشر”، وإنما السبب في ذلك هو أن سعر المواد الخام هو سعر مرتفع مقارنة بمستوى الأسعار في الأحياء الجنوبية لتل أبيب. المنافس الوحيد في المنطقة هو مطعم بيتزا في منطقة قريبة في الشارع ذاته، والذي يبيع صينية البيتسا بسعر 25 شيقل.

في حانة هاييلت وتساغاي، تُباع زجاجة الجعة من علامة تجارية عالمية أو إسرائيلية بعشرة شواقل، ووفقا لتعليمات الشرطة للمحلات التجارية في المنطقة، التي تحظر استخدام الأكواب الزجاجية، يتم صب الجعة في أكواب بلاستيكية.

في إريتريا، كان هذان الشابان ناشطين في المعارضة. بحسب ما يقولانه فإن المصلحة التجارية التي قاما بتأسيسها تهدف إلى مكافحة التسكع والإدمان على المخدرات بين صفوف أبناء مجتمعهما. في نهاية كل أسبوع تُنظم في المكان ورش عمل ومحادثات مع أبناء المجتمع والأسر، ولكن في ليالي الأسبوع يمكن رؤية رجال في الأساس.

ويقول هاييلت: “كل الأشخاص الذين تراهم هنا يذهبون للتسكع في الشارع، الأمر كله يتعلق بالمخدرات التي أصبحت متاحة أكثر من اللازم، مثل ’حغيغات’ وأعوذ بالله. نحن نمكنهم من المجيء والجلوس هنا، لقاء أشخاص واحتساء شيء ما، وحتى إن لم يكن لديهم المال، وبالمناسبة، ليس فقط للاجئين بل لكل من يمر من هنا”.

مكان ترفيه في جنوب تل أبيب، في خمارة إريترية تُقدم المشروبات الروحية للزبائن أيضا. (Hadas Parush/Flash 90)

مغامرات جيمي

لم تنجح محاولات كل مهاجري العمل واللاجئين في إقامة مصالح تجارية في المنطقة. جيمي (23 عاما) جاء إلى البلاد من السودان في سن 13 ودرس في مدرسة داخلية، ولم يكمل 12 سنة دراسة، واليوم – عندما بدأ يرغب بالالتحاق بمؤسسة أكاديمية لتعلم الزراعة في البلاد حتى يعود مع هذه المعرفة إلى وطنه – هو يشعر بالندم على ذلك.

منذ وصوله إلى إسرائيل عمل جيمي في وظائف عدة – مرتب بضائع في سوبر ماركت، نادل في مقهى للشيشة، بائع سمك وغاسل أطباق في المطاعم. في سن 17 وفر المال الكافي لافتتاح أول نشاط تجاري له:

حانة في شارع “لافاندا” في تل أبيب. ولكن مغامرته انتهت بعد أن خسر كل ما يملك.

ويروي جيمي: “لقد قامت الشرطة بمراقبتنا عن كثب، لأننا كنا نبيع المشروبات الكحولية، ومن يوم لآخر تم تشديد اللوائح، حتى وصلنا إلى وضع لم نعد قادرين فيه على الاستمرار في العمل”. لكن رجل الأعمال الطموح لم يشعر باليأس، وافتتح مؤخرا مقهى بنمط إسرائيلي-سوداني، مع شريك إسرائيلي. “أنا من نوع الأشخاص الذين يسمحون لأنفسهم بأن يخطئوا. أفضل ارتكاب الأخطاء على عدم القيام بشيء”، كما قال في محاولة لتفسير رهانه الجديد.

مقهى جيمي في جنوب تل أبيب. (تصوير: عيدو دغان)

نشأ جيمي في بلدة كسارة في شمال السودان ويقول: “منذ أن كنت طفلا حلمت بأن أكون مليونيرا. حلمت بالانتقال إلى بلد آخر، أكثر تطورا، يمكنني به أن أتعلم وأدخل عالم الأعمال. بدأت العمل في غسل السيارات في سن مبكرة. كنت الصبي الذي أراد الجميع أن يكون معه لأنه كان يملك المال دائما”.

عندما هاجر مع والديه إلى إسرائيل كان سعيدا بذلك. “في البداية شعرت بالحماس، ولكن عندما أدركت أين أنا ومن ضد من، شعرت بخيبة أمل كبيرة”. وكما يقول، فإن خيبة الأمل والسخط الذي واجهه هو ما دفعه إلى محاولة النجاح بكل ثمن. “لم أصغي لأحد، لطالما كانت لدي الرغبة في إثبات قدرتي”.

في المدرسة الإسرائيلية تعرف جيمي على الثقافة الإسرائيلية، التي انضمت إلى افتخاره بأصوله الثقافية، وهو يعتبر نفسه من مرتادي الحفلات والحانات الأكثر شعبية في المدينة.

والآن، يحاول جيمي أن يجلب لأبناء مجتمعه جزءا من مشهد الترفية في تل أبيب. عندما يُسئل جيمي عن سبب عدم قيامه بترتيب الكراسي بالصورة التي تُرتب بها في باقي الحانات في المنطقة، يجيب ببساطة: “لقد قررنا أن يكون محلنا أكثر احتراما، مع أسلوب، وأن لا يجلس الناس فيه في صفوف مثل الكراسي في السينما”.

المكان مصمم على طراز غربي، مع نارجيلة وكشك فواكه، وفي الخلفية تُسمع موسيقي أفريقية وموسيقى بوب لاتينية. ويتم تقسيم الفضاء في المكان لزوايا حميمة على مستويات مختلفة، وهي ملائمة لمناسبات صغيرة ومجموعات وأزواج. جمهور الزبائن يشمل في الأساس أفراد من مجتمع المهاجرين وطالبي العمل، ولكن هناك إسرائيليون من الحي أيضا يرتادون المكان لتدخين النرجيلة.

“عندما قمت بافتتاح المحل، لم تسر الأمور بشكل جيد. الناس لم تعرف المقهى وحطم ذلك توقعات الجميع بأن يكون المكان مكتظا بالناس فور افتتاحه. ولكن كنت أدرك أن الأمور لا تسير بهذه الصورة. بدأنا بنشر إعلانات على فيسبوك، وفي الشهر الثاني بدأ المكان بالازدهار. الشهر الأخير كان شهرا جيدا، ولكن المحل لم يصل بعد إلى ذروته. أعتقد أن ذلك سيحدث فقط في الربيع والصيف. حتى أنا، وأنا من مرتادي الحفلات، أخرج أقل في فصل الشتاء”.

مقهى محمد

حانة محمد في قلب الحي تأثرت اقتصاديا هي أيضا خلال فصل الشتاء، وهو يدرس مواصلة نشاطها. يقول محمد أن ديون ضريبة “الأرنونا” وصلت إلى 17 ألف شيقل، وباستثناء ما بين 10-15 من الزبائن المخلصين، الذي حولوا الحانة إلى مكان لقائهم الرئيسي، لا توجد حركة في المكان.

يعزو محمد، وهو من أول اللاجئين الذين وصلوا إلى إسرائيل من السودان، وواحد من القلائل الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية قبل عشر سنوات، ضعف الحركة في المكان إلى قلة مباريات كرة القدم المعروضة في هذه الفترة.

ويقول: “في الشتاء هناك عدد أقل من المباريات الهامة، لذلك لا يأتي الناس كثيرا. في أيام كهذه لا أنجح في إنهاء اليوم مع 1000 شيقل في الخزنة اليومية، ولا حتى 700 شيقل. وبالتالي فأنا أخسر”.

مقهى محمد. “في الشتاء هناك مباريات مهمة أقل، لذلك لا يأتي الناس كثيرا”. (Hadas Parush/Flash 90)

ومع ذلك ومن أجل انقاذ المصلحة التجارية، يدرس محمد تحويل محله إلى خمارة وإضافة الكحول إلى القائمة. الحسابات التي أجراها أظهرت له أنه حتى بعد الزيادة في رسوم ترخيص العمل بسبب بيع المشروبات الكحولية، فإن هذه الخطوة قد تؤتي ثمارها. “عليّ التوجه للبلدية، لإلغاء شيء ما، ربما النرجيلة، وإدخال الجعة. البلدية لا تمنح تصريح لمصلحة تجارية تقدم النرجيلة والمشروبات الكحولية، إما هذا أو ذاك. حتى أتمكن من إدخال الجعة والمشروبات الكحولية للقائمة ينبغي علىّ أن أدفع للمهندس 4 آلاف شيقل على الأقل، وعليّ أيضا الحصول على تصريح من الشرطة. قد أقوم بطلاء المكان قبل الصيف. سنتمكن بإذن الله من تغطية الخسائر ونبدأ بتحقيق الأرباح”.

وهناك قيد آخر ينطبق على المصالح التجارية في جنوب تل أبيب، وهي التعليمات بإغلاق المصالح التجارية هناك عند الساعة 23:00 ليلا بدلا من منتصف الليل.أصحاب المصالح التجارية يعتقدون أن السبب في ذلك هو الرغبة في الحفاظ على النظام في الحي.

مثله مثل أصحاب المحلات الآخرين، فإن محمد لا يعتقد أنه سيلتزم بهذه التعليمات في الصيف القريب، قائلا: “نحن نعمل هنا بحسب ساعات المباريات: في الدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا، تنطلق المباريات عادة في الساعة 22:00 أو 23:00، وتنتهي في منتصف الليل. إذا قمت بطرد زبائني ما بين الشوطين لن يعودوا إليه – وفي النهاية سأضطر لإغلاق المحل”.

الأماكن التي يرتادها اللاجئون. (Hadas Parush/Flash 90)

يقول مسؤول في الشرطة إن الأوامر لإغلاق المحلات التجارية في الجزء الجنوبي من المدينة في الساعة 23:00 ليست شاملة، وإنما محددة وتعتمد على الفوراق. بحسب أقواله فإن “الخمارات هي مكان يرتاده الأجانب، الذين يعانون أصلا من الضغوطات في حياتهم. عندما يثملون يبدأ العنف. معظم المشاجرات، 99.9% منها، تحدث داخل الخمارات أو بالقرب منها، والعبوات الزجاجيىة تلعب دورا أساسيا في هذه المشاجرات. هناك حوادث طعن بشكل يومي، وعادة من دون سبب حقيقي، وإنما بسبب شرب الكحول والثمالة فقط. عندما نلاحظة وجود تجمع لأشخاص ثملين نحرص مسبقا على أن لا تتدهور الأمور إلى حوادث طعن”.

وأضاف المسؤول: “من الضروري إدراك أن معظم هذه الخمارات تعمل من دون ترخيص، ومع عيوب شديدة في السلامة، وهذا يعرض حياة الناس للخطر. لقد وصل ممثلي وحدة الترخيص وتأمين المحلات التجارية، وهي الوحدة التي تمنح التراخيص للمحلات التجارية، لكل الخمارات وكل المحلات التجارية وأغلقوا كل محل تجاري يعمل من دون ترخيص ويعاني من عيوب سلامة خطيرة”.

ومع ذلك، تدرك الشرطة إن لهذه الخمارات التي يديرها طالبو لجوء معان أخرى. “نحن ندرك أن الحديث يدور عن خمارات يستخدمها أشخاص في بعض الأحيان للمبيت فيها، ونحاول التغاضي ولا نقوم بإغلاق المحل تماما. بدلا من ذلك نقوم بتحديد ’قواعد أساسية’، ينبغي عليهم الحفاظ عليها من أجل الاستمرار في العمل، مثل تحديد ساعات العمل وساعات بيع المشروبات الكحولية واستخدام العبوات الزجاجية”.

“اذا لاحظنا أن المكان يُستخدم للمبيت، لا نقوم بإخلائه مع المعدات، لأنه أين سيسكن بعد ذلك؟ في الشارع؟ نبلغه فقط بأنه لن يكون قادرا على إدارة مصلحة تجارية في المكان وبيع مشروبات كحولية وتشغيل موسيقى كما في المقهى. ونقوم أيضا بعمليات تفتيش، تماما مثل الإجراءات التي تُنفذ في المصالح التجارية في وسط يافا. من مصلحتنا أن تكون لديهم رفاهية اقتصادية، لأنه في اللحظة التي تشتد عليهم فيها الأمور يتحولون للجريمة”.

من بلدية يافا-تل أبيب جاء أنه بناء على طلب الشرطة الإسرائيلية، تقرر في عام 2011 تحديد ساعات عمل المحلات التجارية في محطة الحافلات المركزية القديمة، وذلك بهدف تقليص مدى الجريمة في المنطقة. وجاء من البلدية أيضا أنه لا توجد تعليمات بشأن العبوات الزجاجية في الحانات في حي “نافيه شئنان”.