في الماضي، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عام 2006 قائلا: “كأنه عام 1938 وإيران هي ألمانيا”.

من هذا المنطلق، كان خطاب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يوم الإثنين، والذي أصر فيه على أن إيران شرعت في “تحول استراتيجي جوهري”، والذي يذكرنا بمؤتمر الدار البيضاء عام 1943، حيث أعلن الرئيس الأمريكي فرانكلين دي روزفلت أنه طالب بما لا يقل عن “استسلام غير مشروط” من قوى المحور.

يعرف الجميع كيف انتهت الحرب العالمية الثانية: استسلمت كل من ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية دون قيد أو شرط بعد عامين من ذلك.

نهاية المواجهة الأمريكية مع إيران ما زالت مفتوحة. ويجادل مؤيدو الموقف المتشدد الجديد للإدارة الأمريكية بأن العصا فقط هي التي ستجعل نظام آية الله خامنئي يغير طرقه الشريرة. ويتساءل آخرون عما إذا كانت هناك خطة بديلة في حالة رفض طهران مطالب واشنطن المتطرفة وفشل العقوبات الجديدة في إحداث التأثير المطلوب.

في إسرائيل هناك توافق تام بشأن دعم متطلبات بومبيو وتهديده بفرض “أقوى عقوبات في التاريخ” على إيران – بما في ذلك التخلي كليا عن برنامجها النووي، انهاء الدعم لحزب الله، إيقاف رعايتها للعنف وتهديدها بتدمير إسرائيل، وسحب جميع قواتها من سوريا.

“نعتقد أن هذه هي السياسة الصحيحة. نعتقد أن هذه هي السياسة الوحيدة التي يمكن أن تضمن في نهاية المطاف أمن الشرق الأوسط والسلام في منطقتنا”، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مساء الاثنين في القدس، بعد لحظات من القاء بومبيو كلمته في مؤسسة التراث في واشنطن.

أشاد وزير التعاون الإقليمي تساحي هنغبي بتصريحات بومبيو ووصفها بأنها “غير عادية ورائعة”. حتى مشرع المعارضة يئير لبيد قال إن نهج الدبلوماسي الأمريكي البارز كان “صحيحا”، مشيدا بخطاب بومبيو بشروطه الإثني عشر لإيران بأنها “حادة وواضحة”.

وفي خطوة نادرة للغاية، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية نصا كاملا لخطاب بومبيو على موقعها الإلكتروني.

وقال السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل دان شابيرو، الذي أيد الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 وعارض قرار الرئيس دونالد ترامب الأخير بالانسحاب من الاتفاق، أنه يوافق كل طلب من طلبات بومبو.

“واجهة أنا والكثيرون من المتاعب في فهم ما هي الاستراتيجية لتحقيق كل هذه الأهداف الجديرة بالاهتمام”، قال شابيرو. “إصدار المطالب؟ تم ذلك. عقوبات أشد؟ حسنا، حتى إذا اضطررنا إلى معاقبة حلفائنا على القيام بما يُسمح لهم بالقيام به بموجب خطة العمل المشتركة الشاملة”.

وهدد بومبيو في خطابه الذي ألقاه يوم الإثنين بأن “ضربة العقوبات ستكون مؤلمة إذا لم يغير النظام مساره من الطريق غير المقبول وغير المنتج الذي اختاره”.

وزير الخارجية مايك بومبيو في واشنطن، 21 مايو 2018 (Win McNamee/Getty Images/AFP)

لكن شابيرو قال إن الإدارة “قللت من مدى صعوبة فرض عقوبات ثانوية لها تأثيرات فعالة عندما يسعى آخرون إلى تجنبها”، مشيرا إلى الحظر المفروض على دول أخرى للتعامل مع إيران. وقد أعلن كل من الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا بوضوح أنهم يعارضون أي شيء يمكن أن يضر بمصالحهم الاقتصادية.

مايكل ماكفيل، السفير الأمريكي السابق لدى روسيا، أشار إلى أن وعد بومبي بفرض “أقوى عقوبات في التاريخ” ليس مجديا بعض الشيء طالما أن الشركاء التجاريين الرئيسيين لإيران يرفضون الانضمام إليه.

“النظام الإيراني شرير، وسرعان ما ذهب من هذا العالم، كان ذلك أفضل”، على حد قول شابيرو، ولكن ببساطة مطالبة طهران بالتوقف عن القيام بالأفعال السيئة و”الضغط عليهم قليلا بمساعدة متوسطة من الحلفاء، أو الوعد بالعلاقات الطبيعية إذا قاموا بالالتزام ودعوة الناس إلى النهوض” من غير المحتمل أن يؤدي إلى النتيجة المرجوة.

سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل دان شابيرو في الكنيست، 17 يناير 2017 (Miriam Alster/Flash90)

“لذلك أنا منفتح على سماع الحجة، المرتبطة بتقييم واقعي لقدراتنا. بين موظفي إدارة أوباما وداعمي الخطة الشاملة المشتركة (ما زلت أعتقد أن الانسحاب منها كان خطأ)، لن يجد بومبيو مستمعًا أكثر انفتاحًا مني، مستعدًا لدعم استراتيجية مع فرصة للعمل”، كتب شابيرو. “حتى الآن، لا أسمع ذلك، وأنا لا أرى كيف سيحدث كل ذلك”.

اعترف بومبيو نفسه بأن “بعض التغييرات في السلوك الإيراني التي نسعى إليها قد تبدو غير واقعية”، لكنه أوضح أنه قبل توقيع الاتفاق الإيراني عام 2015، كانت مطالبه مقبولة بشكل واسع من قبل المجتمع الدولي.

“ليس من الحلم أن نطلب من القيادة الإيرانية أن تتصرف كدولة عادية ومسؤولة. إن طلباتنا بسيطة”، كتب عبر تويتر.

ومن المؤكد أن القادة الإيرانيين لم ينتظروا كثيرا لمهاجمة خطاب بومبيو، مما جعل من الواضح أن طهران لا تنوي الإذعان.

ليست هناك تهديدات عسكرية صريحة

ما برز في خطاب بومبيو الحربي هو عدم وجود تهديد واضح بالرد العسكري.

مثلما فعل ترامب في 8 مايو، عندما أعلن قراره التخلي عن الصفقة الإيرانية، قال فقط إن النظام “سيكون لديه مشاكل أكبر من أي وقت مضى” إذا فشل في الامتثال لمطالب الإدارة الأمريكية.

صباح يوم الثلاثاء، أشاد وزير الاستخبارات الإسرائيلي كاتس ببومبيو بسبب موقفه من إيران، بما في ذلك “تهديده بفرض عقوبات اقتصادية قاسية واستخدام القوة العسكرية” إذا كان النظام سيعيد تجديد برنامجه النووي.

وقال كاتس في مدحه لقرار ترامب: “كما ثبت في حالة كوريا الشمالية، فإن الطريقة الوحيدة للحد من الأنظمة الدكتاتورية العاقدة التي تسعى للحصول على أسلحة نووية هي فرض عقوبات صارمة وإبداء استعداد لاستخدام القوة”.

ولكن هل أصدر بومبيو تهديدا حقيقيا باستخدام القوة العسكرية؟

تعهد “بالعمل عن كثب مع وزارة الدفاع وحلفائنا الإقليميين لردع العدوان الإيراني”. ووعد بكفالة “حرية الملاحة على المياه في المنطقة” لمواجهة “النشاط السيبراني الإيراني” و”سحق” ناشطون إيرانيون ووكالات حزب الله في جميع أنحاء العالم”.

وزير الخارجية مايك بومبيو في واشنطن، 21 مايو 2018 (Win McNamee/Getty Images/AFP)

ومع مخاطبة القادة الإيرانيين بشكل مباشر، تعهد بشكل غامض بأن أنشطتهم “ستقابل بحزم شديد”.

حتى باراك أوباما الذي يكره الحرب، والذي يحظى صناع الاتفاق الأمريكيين والإسرائيليين باللوم لقيامهم بتشجيع السلوك العدواني لطهران، كان أكثر توافرا عندما تعهد بأن كل الخيارات كانت على الطاولة لإحباط محاولة إيران لبناء سلاح نووي.

“لقد أمرت بإجراء عسكري في سبعة بلدان. هناك أوقات تكون فيها القوة ضرورية، وإذا لم تلتزم إيران بهذه الصفقة، فمن المحتمل ألا يكون لدينا بديل”، قال أوباما خلال خطاب ألقاه في أغسطس 2015 في الدفاع عن الاتفاقية النووية.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما في البيت الأبيض بعد تحقيق الاتفاق النووي مع إيران، 14 يوليو 2015 (ANDREW HARNIK / POOL / AFP)

مضيفا: “يبقى جيشنا بمثابة الدعم الأخير لأي اتفاق أمني نقوم به”، مشيرا إلى أن ميزانية الدفاع الأمريكية تزيد 40 مرة عن ميزانية إيران.

“لقد ذكرت أن إيران لن يُسمح لها أبدا بالحصول على سلاح نووي، وقد فعلت ما هو ضروري للتأكد من أن خياراتنا العسكرية حقيقية. وليس لدي أي شك في أن أي رئيس يتبعني سوف يتخذ نفس الموقف”، قال أوباما.

إذا كان الأمر كذلك، لم يقل كل من ترامب وبومبي ذلك صراحة.

عندما طالب روزفلت باستسلام غير مشروط خلال الحرب العالمية الثانية، أرسل كميات هائلة من القوات إلى أراضي العدو. من ناحية أخرى، يريد ترامب أن تخرج القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، ومن المرجح أن يتردد كثيرا قبل القيام بأي شيء قد يجبر القوات الأمريكية على الدخول في صراع عسكري مطول مع إيران.

بحثا عن تغيير النظام

بدلا من إثارة شبح حرب أخرى مكلفة في الشرق الأوسط – وهو أمر من المؤكد أن تناهضه قاعدته السياسية – يبدو أن الرئيس الأمريكي يضع رهاناته على الحرب الاقتصادية، وهو ما من الواضح تماما أن خطاب بومبيو قد يؤدي إلى تغيير النظام.

كرست وزير الخارجية الأمريكية يوم الاثنين أجزاء كبيرة من خطابه للتحدث مباشرة مع الإيرانيين العاديين، تحدث عن كل شيء ما عدا حثهم على الإطاحة بحكومتهم القمعية.

“اليوم نسأل الشعب الإيراني: هل هذا ما تريدون أن تكون بلدكم معروفه به، التواطئ مع حزب الله وحماس وطالبان والقاعدة؟ الولايات المتحدة تعتقد أنكم تستحقون أفضل”، قال.

وقال إن المغامرة العسكرية للنظام في المنطقة، ودعم العنف في جميع أنحاء العالم، تكلف المليارات ولكن لا يفعل النظام شيئا لتحسين حياة الإيرانيين الذين يعملون بجد.

مضيفا: “يحصد النظام حصادا من المعاناة والموت في الشرق الأوسط على حساب مواطنيه. اقتصاد إيران راكد وبدون اتجاه وعلى وشك أن يزداد سوءا. شبابها يتذمرون تحت وطأة الطموحات المحبطة. إنهم يتوقون مواصلة الحريات والفرص في القرن الواحد والعشرين”.

إذا كانت إيران ترغب في إجراء تغييرات كبيرة، فإن الولايات المتحدة “منفتحة على خطوات جديدة” مع البلاد، كما قال، مع العلم تماما أن القيادة السياسية الحالية من غير المرجح أن تقوم بالتغييرات التي طلبها.

آية الله علي خامنئي يلقي خطاب في الذكرى 25 لوفاة المؤسس الراحل للجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني ، طهران 4 يونيو، 2014 AFP/ HO /Iranian Supreme Leader’s Website

وقال بومبيو إن آية الله علي خامنئي “لن يعيش إلى الأبد، ولن يلتزم الشعب الإيراني بالقواعد الصارمة للطاغية إلى الأبد”، مضيفًا أن الولايات المتحدة تأمل في أن جهودها الحالية سوف “تثمر من أجل الشعب الإيراني الذي عانى طويلا. نحن نتوق إلى أن نراهم ينعمون بالازدهار والانفتاح كما كان الحال في العقود الماضية، بل وفي الواقع في أي وقت مضى”.

سعت إدارة أوباما إلى تأخير سعي إيران للحصول على أسلحة نووية لعقد من الزمان، وأملت بهدوء في تغيير النظام ولكن بتهديد بشكل صريح بالعمل العسكري إذا حاولت طهران التسرع في استخدام قنبلتها وتجاهل أعمال النظام التقليدية العدوانية.

وتعالج إدارة ترامب حاليا مجمل الأنشطة الإيرانية الخبيثة، وتدعو صراحة إلى تغيير النظام، ولكنها تتجنب بهدوء التهديد بالعمل العسكري.

وسواء كان ذلك من خلال تغيير النظام أو القوة العسكرية، فإن إسرائيل سوف ترحب بأي شيء يجعل إيران تتخلى عن طموحاتها النووية وجهودها لتدمير إسرائيل.

ستوضح الأشهر القليلة القادمة ما إذا كانت خطة بومبيو ستنفذ.