ألغى رئيس الوزراء البولندي مشاركة بلاده في قمة لدول وسط أوروبا من المقرر أن تُعقد في القدس، واصفا تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي، الذي قال إن البولنديين “يرضعون معاداة السامية مع حليب أمهاتهم” بال”عنصرية”.

وقال رئيس الوزراء ماتيوس مورافسكي لوسائل الإعلام البولندية إن “كلمات وزير الخارجية الإسرائيلية عنصرية وغير مقبولة… من الواضح أن وزير خارجيتنا (جاسيك) تشابوتوفيتش لن يسافر إلى القمة”.

واستدعت بولندا في وقت سابق السفيرة الإسرائيلية لديها، آنا أزاري، لتوبيخها – للمرة الثانية في أربعة أيام – وذكرت تقارير أيضا أنها تدرس امكانية استدعاء سفيرها إلى الدولة اليهودية.

ونقل موقع “واينت” الإخباري عن مصدر مقرب من موارفسكي قوله: “إننا ندرس استدعاء السفير البولندي من إسرائيل. هناك اجماع في بولندا على أن ما حدث خطير جدا ولا يمكن تجاهله”.

وزير المواصلات يسرائيل كاتس في المؤتمر القدس السنوي ال16 لمجموعة ’بشيفاع’، 12 فبراير، 2019. (Hadas Parush/Flash90)

يوم الاثنين، قال رئيس الوزراء التشيكي، أندريه بابيس، إن القمة ستتكون الآن من مناقشات ثنائية، وإنه سيتم تغيير موعد المؤتمر لوقت لاحق من العام، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز” للأنباء.

يوم الأحد ألغى موارفسكي رحلته إلى إسرائيل للمشاركة في القمة رفيعة المستوى التي من المقرر عقدها هذا الأسبوع، مع استمرار الأزمة الدبلوماسية بسبب تصريحات أدلى بها نتنياهو في الأسبوع الماضي حول تواطؤ البولنديين مع النازيين. وكان من المتوقع أن يصل وزير الخارجية جاسيك تشابوتوفيتش بدلا منه لحضور قمة ما تُسمى ب”مجوعة فيشغراد” لدول وسط أوروبا.

وأدلى يسرائيل كاتس بهذا التصريح في مقابلة تلفزيونية أجريت معه الأحد، بعد تعيينه في وقت سابق من اليوم قائما بأعمال وزير الخارجية من قبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وقال كاتس في مقابلة للقناة 13 يوم الأحد: “أنا ابن ناجين من المحرقة وحتى أنني وُلدت وترعرعت في مجتمع مكون من ناجين من المحرقة. إن ذكرى المحرقة هي أمر لا يمكننا المساومة عليه، إنه شيء واضح ولن ننساه أو نسامح (عليه)”.

وأضاف: “في الدبلوماسية تحاول ألا تسيء، ولكن لا يمكن لأحد تغيير الحقيقة التاريخية للقيام بشيء من هذا القبيل. لقد تواطأ البولنديون مع النازيين، بكل تأكيد. كما قال [رئيس الوزراء الأسبق] يتسحاق شمير، إنهم يرضعون معاداة السامية مع حليب أمهاتهم”.

صباح الإثنين قال كاتس للإذاعة الإسرائيلية إن “البولنديين شاركوا في إبادة اليهود في المحرقة. لقد أصبحت بولندا أكبر مقبرة للشعب اليهودي”.

سفير إسرائيل لدى بولندا، آنا أزاري. (YouTube screenshot)

ليلة الأحد، علق السفير البولندي لدى إسرائيل، مارك ماغيروفسكي، على أقوال كاتس في تغريدة كتب فيها “إنه لأمر مدهش حقا أن يقوم وزير خارجية إسرائيل المعين حديثا باقتباس مثل هذا التصريح المخزي والعنصري. غير مقبول على الإطلاق”.

وظهرت الأزمة بعد سؤال وجهه تايمز أوف إسرائيل في وارسو حول الاتفاق المثير للجدل بين إسرائيل وبولندا لإنهاء الجدل حول قانون مررته وارسو يجرم تحميل الأمة البولندية مسؤولية جرائم المحرقة.

نتنياهو نفى المزاعم ضده بالتماشي مع التحريف التاريخي وقال: “ها أنا أقول إن هناك بولنديين تواطئوا مع النازيين. أنا أعرف التاريخ ولا أقوم بتبييضه. أنا أفتح الموضوع”.

وأضاف أن “عددا غير قليل” من البولنديين تواطئوا مع النازيين وقال: “لا أعرف شخصا تمت مقاضاته لقوله ذلك”.

رئيس الوزراء البولندي متايوس مورافسكي، من اليسار، ونظيره الإسرائيلي بينيامين نتنياهو، في قمة حول السلام والأمن في الشرق الأوسط في واسو، بولندا، 14 فبراير، 2019. (AP/Michael Sohn)

في تقرير لصحيفة “جيروسالم بوست” (تم تصحيحه في وقت لاحق) نُقل خطأ عن القائد الإسرائيلي قوله إن الأمة البولندية تواطأت مع النازيين. وفي بعض التقارير الإخبارية، نُقل عن نتنياهو قوله إن “البولنديين تواطئوا مع النازيين”. في وقت لاحق وضح مكتب نتنياهو إنه لم يستخدم “ال التعريف” في حديثه، ونشر للصحافيين تسجيلا لتصريحاته تأكيدا لذلك.

وعاد نتنياهو إلى إسرائيل في وقت لاحق يوم الجمعة وأوضح مكتبه مرة اخرى في بيان أصدره: “في إحاطة إعلامية، تحدث رئيس الوزراء عن بولنديين وليس عن الشعب البولندي أو دولة بولندا”، وأضاف البيان “تم نقل تصريحه خطأ أو تحريفه في التقارير الإعلامية وتصحيحه في وقت لاحق من قبل الصحافي الذي أصدر الخطأ الأولي”.

ومع ذلك، قامت وزارة الخارجية البولندية باستدعاء ازاري لتوبيخها بسبب القضية.

الرئيس البولندي أندريه دودا، من اليسار، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو، من اليمين، يتبادلات الحديث في صورة جماعية في ’القلعة الملكية’ في واسو، بولندا، الأربعاء، 13 فبراير، 2019. (AP/Czarek Sokolowski)

التقارير الأولية دفعت الرئيس البولندي أندريه دودا الى التهديد بمنع عقد القمة رفيعة المستوى في إسرائيل.

وكتب دودا على تويتر أنه اذا قام نتنياهو بالفعل بالإدلاء بهذه التصريحات، سيعرض استضافة بلاده لقمة مجموعة فيشغراد بدلا من عقدها في إسرائيل.

وقال دودا: “في هذا الوضع، إسرائيل ليست بمكان جيد للقاء”.

إلا أن السفارة الإسرائيلية في بولندا قامت بالاتصال بالقيادة البولندية ليلة الخميس وأوضحت أن نتنياهو “لم يقل أن الأمة البولندية ارتكبت جرائم ضد اليهود، ولكن فقط أنه لم تتم مقاضاة أحد بموجب قانون المحرقة لقوله إن ’بولنديين’ تواطئوا [مع النازيين]”.

وقال السفيرة أزاري إن نتنياهو “لم يذكر إطلاقا ’الأمة البولندية’ في هذا السياق… لقد قامت جيروزاليم بوست بتغيير تقريرها، وأشارت إلى أن النسخة الأولى لم تكن صحيحة – حدث ذلك بطلب من رئيس الوزراء نتنياهو”.

يوم الأحد، ذكر موقع “wPolityce” الإخباري البولندي إن مورافسكي أبلغ نتنياهو بأنه لن يحضر قمة فيشغراد في القدس في مكالمة هاتفية. وأضاف الموقع إن المحادثة بين الرجلين كانت ايجابية على الرغم من ذلك.

وزير الخارجية البولندي جاسيك تشابوتوفيتش يتحدث خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الروماني (لا يظهر في الصورة) في وزارة الخارجية الرومانية ببوخارست، 1 فبراير، 2018. (AFP Photo/Daniel Mihailescu)

وقال مسؤول دبلوماسي إسرائيلي كبير إن إسرائيل ستكون “سعيدة” باستضافة تشابوتوفيتش بدلا منه، وألمح إلى أن مورافسكي يخضع لضغوط محلية دفعته لإلغاء زيارته.

وقال المسؤول في بيان “نتوقع أن تحقق القمة نجاحا كبيرا. إننا نتفهم أيضا أن هناك انتخابات في بولندا”.

ومن المقرر أن تجري بولندا انتخابات عامة في العام المقبل.

وكان من المقرر أن تستضيف إسرائيل رؤساء وزراء الدول الأربعة في المجموعة – مورافسكي البولندي، أندريه بابيس التشيكي، بيتر بيليغريني السلوفاكي، وفيكتور أوربان المجري – في القدس في 18-19 فبراير.

ولا يزال من المقرر أن يحضر رؤساء الوزراء الآخرون القمة.

ويسعى نتنياهو للتقرب من بولندا ودول أخرى في أوروبا الشرقية في محاولة منه لبناء كتلة داعمة لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي.

القمة في القدس ستكون المرة الأولى التي يجتمع فيها الكونسرتيوم، الذي تأسس في عام 1991، خارج أوروبا.

وتم حل الخلاف حول قانون المحرقة البولندي في العام الماضي بعد قيام بولندا بالتخفيف من لغة القانون وتوصل نتنياهو ونظيره البولندي إلى اتفاق على الخروج بتصريح مشترك يؤكد على دور المقاومة البولندية في مساعدة اليهود. الاتفاق اعتُبر نجاحا دبلوماسيا بالنسبة لبولندا، لكن نتنياهو واجه انتقادات من مؤرخين في إسرائيل، من ضمنهم متحف “ياد فاشيم”، لموافقته على البيان الذي راوا أنه يحرف التاريخ.

وانتقد مؤرخون إسرائيليون بارزون بشدة البيان المشترك، وقالوا إنه يتبنى بشكل غير دقيق الرواية البولندية للمحرقة، ويبالغ في الجهود البولندية لإنقاذ اليهود ويقلل من حجم الفظائع المعادية لليهود التي ارتكبها بولنديون.

ساهم في هذا التقرير رفائيل أهرين، ميخائيل باخنر ووكالات.