واشنطن – في خطاب استمر لأكثر من نصف ساعة في مؤتمر منظمة “إيباك” هنا صباح الثلاثاء، عرض رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو كل مهاراته في مخاطبة الجماهير في أداء مبهر أكد فيه عدم وجود منافس عندما يتعلق الأمر بالتحدث عن فضائل إسرائيل. ما أكد على عرضه الرائعة كانت رغبته أيضا للتأكيد على أنه لا غنى عنه في قيادة إسرائيل نحو نمو أكبر وقبول دبلوماسي عالمي وأمن على المدى الطويل.

وغني عن القول، لم تكن هناك أي إشارة للمشاكل القانونية التي تنتظره في البلاد. ولم يكن أيضا أي توقعات منه للقيام بذلك في صفوف النشطاء المؤيدين لإسرائيل بحماس والذين بلغ عددهم 18,000.

لم يترك رئيس الوزراء مجالا للشك بأنه يعتزم قيادة إسرائيل لفترة طويلة قادمة”. عند مناقشته جهود إيران المتواصلة لإنشاء وجود دائم لها في سوريا ولبنان تستهدف من خلاله إسرائيل قال “لن أسمح بحدوث ذلك” – إلتزام شخصي.

والهتافات والتصفيق التي لاقاها كل تصريح مليء بالثقة والبهجة حول برعة إسرائيل أكد، بالنسبة لمعظم الحضور، بأن الكلمات “بينيامين نتنياهو” و”رئيس وزراء إسرائيل” هي كلمات مرادفة ويجب أن تظل كذلك.

“نحبك يا بيبي” صرخت إحدى النساء في الشحد باتجاهه في لحظة معينة، في حال كان لأي شخص شك في ذلك، وهو ما رد عليه نتنياهو “هذا لطف منك. أحبك أيضا” – مثلما ردت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي على مشاعر مماثلة في الليلة السابقة. غير أن نتنياهو يتمتع بحضوره ذهني مذهل ليسأل: “من زرعها؟!”

السفيرة هايلي تُعتبر أيضا خطيبة ماهرة، وهي محبوبة على وجه الخصوص لدى إيباك التي تأثرت من الرد القوي الذي قادته ضد سنوات من الانحياز ضد إسرائيل في الأمم المتحدة. في العام الماضي كانت هايلي نجمة المؤتمر بلا منازع، وحظيت بردود فعل منتشية على ظهورها يوم الإثنين أيضا. لكن العرض الذي قدمه نتنياهو كان أكثر إثارة، والاستقبال الذي حظي به كان على مستوى آخر.

لم يتفاجأ أحد من افتتاحه الخطاب بالإشارة إلى لقائه الإثنين مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالجمهور الأمريكي المؤيد لإسرائيل سيكون سعيدا دائما بتذكيره بأن لرئيس وزراء إسرائيل باب مفتوح في البيت الأبيض الآن. وكانت لديه قبل ذلك أيضا جملة متوقعة قليلا ولكن لطيفة شكر فيها آلاف الطلاب على “التغيب عن محاضرات للتواجد هنا”، طالبا منهم التوجه إليه في حال احتاجوا إلى مذكرة لأساتذتهم.

ولكن قلة فقط توقعت أن يقوم نتنياهو بعد ذلك بالإشارة إلى فيلم الغرب الأمريكي “الطيب والشركي والقبيح” للممثل كلينت إيستوود وبناء خطابه بالكامل حول العنوان المعدل “الطيب والسيء والجميل”. الطيب طبعا تشير إلى عجائب إسرائيل؛ السيء تشير إلى أعدائها، ولا سيما إيران؛ أما كلمة الجميل تشير إلى التحالف “الأبدي” بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

نتنياهو ألقى خطابات مماثلة في عدة محافل مؤخرا – بما في ذلك أمام أحداث عامة ومجموعات صغيرة قام بدعوتها إلى مكتب رئيس الوزراء. وتضمن عرض شرائح لتوضيح موضوعاته الرئيسية، بما في ذلك الابتكار الإسرائيلي والاقتصاد المزدهر وتوسع حلقة حلفاء إسرائيل حول العالم وتقدم إيران الجشع في المنطقة.

لكن عرضه في مركز واشنطن للمؤتمرات، على شاشات عملاقة، كان لديه تأثير قوي بشكل خاص. ونتنياهو بذكائه عزز هذا التأثير، في وقت مبكر من خطابه، بتركه لمركز المنصة والمشي ذهاب وإيابا عليها. ملمحما إلى احتمال وجود مخاوف أمنية بشأن خطوة كهذه، قال نتنياهو بداية لجمهوره المأخوذ بكلامه بأنه لم يرغب حقا بالوقوف وراء المنبر، وبعد ذلك، وكأنه يقوم باتخاذ قرار ارتجالي، قال “ما المانع، أنا رئيس الوزراء”، وانطلق للتواصل بصورة أقرب من الجمهور، مثيرا تصفيقا حارا.

مرتاحا تماما في محيطه، كان نتنياهو لامعا وواضحا ومقنعا – في تناقض صارخ مع آخر من تحدث هنا من الراغبين في منصب رئيس الوزراء، رئيس حزب “العمل” آفي غباي، الذي أدلى بخطاب معقول جدا يوم الأحد – بالنسبة لشخص لغته الإنجليزية ليست اللغة الأم وجد نفسه في حدث بهذه الضخامة.

إذا كان العرض ماهرا، فإن المضمون في خطاب نتنياهو كان مثيرا أكثر للإعجاب. حتى عندما انحرف لفترة وجيزة إلى استخدام مصطلحات، إلا أنه استغل ذلك لصالحه. متحدبا جمهوره لفهم كيف أن التكنولوجيا الحديثة تحدث ثورة في الصناعات القديمة وتخلق صناعات جديدة، مع إسرائيل في الطليعة، جهز نتنياهو الجمهور لما قال إنه سيكون تفسيرا معقدا: إن الأمر كله يتعلق، كما قال، ب”التقاء بين بيانات كبيرة وتواصل وذكاء اصطناعي”. وبعد تحذيره كما ينبغي، ظل الجمهور في القاعة معه، وصفق له عندما عرض الفكرة مع مثال من مجال الزراعة الإسرائيلي لطائرات مسيرة متطورة، بالتنسيق مع أجهزة استشعار، التي تقوم بدورها بتفعيل الري، حتى يتم إيصال المياه “إلى كل نبتة” بحسب احتياجاتها. واختتم شرحه بالقول إن الزراعة الإسرائيلية هي الآن “زراعة دقيقة”. نادرا ما يمكن أن يحظى شرح عن زراعة المحاصيل بهذا الحماس من قبل جمهور لا علاقة له بالزراعة.

بالنسبة للإسرائيليين في القاعة، لا شك بأنه كان من الممتع الاستماع إلى نتنياهو وهو يشيد بالجنود بخلفياتهم المتنوعة: السود والبيض والمثليين والمغايرين؛ والاستماع له وهو يشرح عن كيف أن عصر الابتكار “أطلق العنان لشرارة العبقرية لدى شعبنا”؛ ومشاهدته وهو يوضح أن العالم “يصبح لونه أزرق” في إقامته علاقات مع دولتنا الصغيرة؛ وفي تصريحه بأنه في حين أن إسرائيل كانت معزولة، لكن “قريبا جدا، ستكون الدول التي لا تربطنا علاقات معها معزولة”، وأن “أولئك الذين يتحدثون عن مقاطعة إسرائيل – سنقوم نحن بمقاطعتهم”. بالنسبة للأمريكيين، لا شك بأن هذا الخطاب كان ملهما.

بحلول الوقت الذي انتقل فيه نتنياهو من “الطيب” إلى “السيء”، أصبحت القاعة التي كانت متجاوبة دائما تواقة للاستماع إليه. لقد قام بتذكيرهم بحسن نيته في معارضته للاتفاق النووي الإيراني من البداية، مشير إلى وجود إثبات مروع لمزاعمه في سلوك إيران العدائي بشكل متزايد في المنطقة، وتصاعد التهديد الذي تشكله على الحدود الشمالية، وسعيها الدؤوب للوصول إلى قنبلة. وأكد على الإعتراف بأن ترامب، على النقيض من سلفه السابق الذي وقع على الاتفاق ولم يأت على ذكر اسمه، يشاركه إصراره على إصلاح الاتفاق أو إلغائه. وعندما أعطى تعهده الشخصي بوقف إيران، لم يكن في الجمهور الكثير من الأشخاص الذي رأوا أن رئيس وزراء آخر كان سيتعامل مع المسائل بصورة أفضل.

حتى في الشأن الإيراني، خفف نتنياهو من موقفه المناهض للنظام من خلال إظهار التضامن مع الشعب. على إسرائيل، بحسب رأي نتنياهو، الدفاع عن نفسها، ولكنها تدرك كيفية التمييز بين أعدائها وضحاياهم. “إننا نقف إلى جانب من يقف في إيران مع الحرية”، كما قال، متوقعا سقوط نظام آية الله في النهاية، وعصر من الصداقة والسلام.

نتنياهو أكد كذلك على أن إسرائيل تسعى إلى السلام مع جميع جيرانها، بمن فيهم الفلسطينيون بكل تأكيد. لو توقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس فقط عن إنفاق ما زعم رئيس الوزراء بأنه يشكل 10% من ميزانية السلطة الفلسطينية على دفع رواتب للإرهابيين وعائلاتهم، فسيكون هناك أموال للمدارس والمستشفيات والمصانع، وحض عباس “توقع عن دفع المال للإرهابين”، لإن الرسالة التي تبعث بها هذه الدفعات للأطفال الفلسطينيين هي “اقتل اليهود واصبح غنيا”. وفي هذه الجزء قام نتنياهو بمهارة بإشراك الجمهور بعد أن حضه على “رفع أيديكم إذا كنتم تعتقدون أن على الرئيس عباس التوقف عن دفع الأموال للإرهابيين لقتل اليهود”.

الجزء الذي تحدث فيه نتنياهو عن “الجميل” كان قصيرا ولكن فعالا بشكل هادئ، حيث أشار فيه إلى القيم المتشركة التي تحفز الشراكة الأمريكية الإسرائيلية وتكتب اليوم “فصلا جديدا في قصتنا المشتركة”.

وبعد ذلك، مع دعاء لله لحفظ إسرائيل وأمريكا وحلفائهما، لوح بيده للجمهور لوداعه.

قلة من الناس لاحظت، في حالة النشوة التي أثارها خطابه، بأنه مع مشاكله القانونية، لم يكن هناك أي ذكر لبعض القضايا الساخنة التي تهم الجمهور – مثل اتفاق الصلاة المجمد في الحائط الغربي، والمخاوف بشان اعتناق اليهودية، واستياء بعض القطاعات من موقف إسرائيل بشأن عشرات آلاف طالبي اللجوء الأفارقة.

وفي حال لاحظوا ذلك، فإن قلة منهم فقط اشتكت من ذلك. لقد تجمعوا لأنهم يهتمون بأمر إسرائيل، ولأنهم يريدون أن تكون إسرائيل آمنة، ولأنهم يريدون أن يكون لديهم شعور بالرضا إزاء إسرائيل.

في تلبيته لهذه الاحتياجات، أثبت نتنياهو بأن لا نظير له. لو صوت له ال18 ألف شخص الذين صفقوا له بحرارة في الانتخابات الإسرائيلية، ما كان سيعاني من أي مخاوف بشأن مستقبله السياسي. وفي الواقع، كما تبدو الأمور الآن فإن استطلاعات الرأي في إسرائيل تشير إلى وجود عدد كاف من الناخبين الإسرائيليين الذين يشعرون بنفس الطريقة.

لقد قام رئيس الوزراء، كقائد في قمة لعبته، بفعل كل شيء لإظهار نفسه ليس كملهم وقيادي فقط، بل كقائد لا غني عنه أيضا. ولكن ليست إيباك هي التي ستحدد مصيرة، وفي الظروف الراهنة، لن يكون الناخب الإسرائيلي هو من سيحدد مصيره أيضا، بل سلطات فرض القانون الإسرائيلية.

مناصروه سيقولون بأنه كان ينبغي على هذه السلطات مشاهدته.