في تغير دراماتيكي ولكن غير معلن في سياستها إتجاه قطاع غزة، تقوم إسرائيل بتخفيف قيودها بشكل كبير على حركة البضائع والأشخاص إلى داخل وخارج القطاع الذي تسيطر عليه غزة في أعقاب عملية “الجرف الصامد”.

للمرة الأولى منذ سيطرة حركة حماس الإسلامية على القطاع الساحلي في صيف عام 2007، سمح منسق أنشطة الحكومة في الأراض الفلسطينية، فرع الجيش الإسرائيلي المسؤول عن الشؤون المدنية الفلسطينية، للمزارعين والصيادين من غزة بتسوق منتجاتهم في الضفة الغربية. وللمرة الأولى أيضا، تسمح إسرائيل بدخول آلاف الأطنان من مواد البناء إلى غزة لمشاريع إعادة الإعمار التي تُدار من قبل مقاولين من القطاع الخاص، وسُمح فقط للأمم المتحدة بإستيراد مواد كهذه.

مع قيام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بزيارة غزة يوم الثلاثاء، سمحت إسرائيل بإدخال 600 طن من الباطون، و400 طن من الحديد، و-2,000 طن من الحصى إلى القطاع عبر معبر “كيريم شالوم”، كما أكدت مصادر إسرائيلية وفلسطينية. على الرغم من أنه سيتم تسليم المواد إلى أطراف في القطاع الخاص، تم وضع آلية معقدة تشمل إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأمم المتحدة لضمان ألا يتم إستخدام هذه المواد لدعم الإرهاب.

في الأيام القادمة، ستسمح إسرائيل أيضا بتصدير 15 طن من المنتجات الزراعية من غزة إلى الضفة الغربية، بما في ذلك البطاطا الحلوة والتمور والأسماك. قبل عام 2007، كانت الضفة الغربية وجهة التسويق الرئيسية لغزة بعد إسرائيل، حيث شكلت الإثنتان 85% من سوق غزة. وقال متحدث بإسم مكتب تنسيق الأنشطة الحكومية في الأراضي الفلسطينية لتايمز أوف إسرائيل أنه سيتم السماح بتحرك هذه المنتجات إلى الضفة الغربية بناء على الطلب.

بالنظر إلى كل هذه التدابير الجديدة، فهي تُعتبر تحول كبير عن سياسة “الفصل” الإسرائيلية التي صدرت عام 2007 لعزل غزة – التي تُعتبر مرتعا للإرهاب والتطرف – عن الضفة الغربية الهادئة نسبيا عن طريق منع حركة الناس والبضائع من غزة إلى الضفة الغربية عبر إسرائيل.

ولكن شكك ضباط في الجيش الإسرائيلي خلال الصيف بالإضافة إلى مستشار الأمن القومي السابق لرئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، يعكوف أميدرور، والذي يُعتبر من الصقور، بفعالية سياسة الفصل الشبه محكم المفروضة على غزة، والتي تسببت بارتفاع كبير في نسب الفقر والبطالة في القطاع الساحلي.

كما تمت ممارسة ضغوط على إسرائيل من المجتمع الدولي الذي بدأ يفقد صبره. في مؤتمر المانحين في القاهرة يوم الأحد، وصف بأن غزة بأنها “برميل بارود” وبأن سكانها “بحاجة ماسة إلى رؤية نتائج في حياتهم اليومية”. وصرح يان إيغلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين: أن “الحصار يُعثر جهود إعادة الإعمار، ويحدد من حرية الأشخاص في غزة ويدمر إقتصاد غزة، مجبرا الناس على الإعتماد على المساعدات. على المجتمع الدولي أن يتخذ خطوات شجاعة لضمان رفع الحصار وحماية حقوق الإنسان للأشخاص على جانبي الحدود”.

بحسب منظمة “مسلك”، التي تعنى بالدفاع عن حرية الحركة للفلسطينيين من وإلى غزة، تم تخفيف القيود ليس على البضائع فقط، ولكن أيضا على الأشخاص الذين يغادرون غزة منذ نهاية عملية “الجرف الصامد” في أغسطس. حيث تم السماح ل-1,500 مسن من غزة بدخول إسرائيل بمناسبة عيد الأضحى في الأسبوع الماضي، وتم منح تصاريح لأطفال تحت سن ال-16 لزيارة أقربائهم في الضفة الغربية، بمرافقة أجدادهم، في حالات مرض أو مناسبات عائلية.

ورفض متحدث بإسم مكتب تنسيق أنشطة الحكومة في الأراضي الفلسطينية بوصف الإجراءات الجديدة على أنها تغيير في السياسة الإسرائيلية، وقال أنها مجرد خطوة لتخفيف المحنة الإنسانية في غزة.

بينما أثنت على التساهل الإسرائيلي الجديد واصفة إياه بأنه “بداية تحول في الإتجاه الصحيح”، قالت جمعبة “مسلك” بالرغم من ذلك أن هذه الإجراءات محدودة جدا لفطم غزة من الإعتماد على المساعدات الدولية. القطاع، كما تقول المنظمة، بحاجة إلى 300,00 طن من الحصى والإسمنت والحديد لتلبية النقص الموجود مسبقا في الإسكان والمدارس، بالإضافة إلى 3.5 مليون طن من المواد لإصلاح الأضرار التي تسييت بها العملية العسكرية.

وجاء في بيان نشرته “مسلك” يوم الثلاثاء: “يعني إعادة إعمار غزة إعطاؤها فرصة لوقف إعتمادها على المساعدات الخارجية والسماح لسكانها بأن يعيشوا حياة طبيعية”، وجاء في البيان أيضا: أن “المال هو المفتاح، وإعادة الإعمار سيكون مكلفا، ولكن إذا لم يتم إغلاق الفجوة بين الكلام الجميل حول الحاجة إلى إنهاء الحصار وتطبيقه الحقيقي على الأرض، فإن كلمات ’إعادة إعمار غزة’ لن تساوي أكثر من ورقة المؤتمر الراقي التي كُتبت عليها”.