حتى صباح الأربعاء، مر 81 يوما على آخر مرة دخل فيها الطعام فم ماهر الأخرس. يرقد الأخرس على سرير في مستشفى “كابلان” في رحوفوت. يقول إنه يسمع ضجيجا صاخبا في أذنيه، وأحيانا يضعف نظره فجأة؛ عندما يتكلم، يئن ويغمض عينيه من الألم جراء الصداع.

وكان الأخرس قد اعتقل في أواخر شهر يوليو. لأكثر من شهرين ونصف، أضرب عن الطعام احتجاجا على اعتقاله دون محاكمة من قبل السلطات الإسرائيلية، التي تتهمه بالانتماء إلى منظمة متطرفة. ومع ذلك، فقد أشارت السلطات أيضا إلى أنه من المحتمل أن يتم إطلاق سراحه بحلول نهاية نوفمبر، عندما تنتهي فترة اعتقاله الإداري.

في غضون ذلك، يشرب الأخرس الماء ويرفض العلاج، بحسب محاميته. الآن، وفقا لمنظمات حقوق إنسان والطاقم الطبي التابع للمستشفى، فإن صحته تتدهور بسرعة، وقد يكون على وشك الموت.

وقالت عنات ليتفين، من منظمة “أطباء من أجل حقوق الانسان – إسرائيل”، المتخصصة في حقوق السجناء: “إنه (الأخرس) في خطر فوري ومميت. إن الأشخاص الذين يبدأون في الإضراب عن الطعام ولا يشربون شيئا سوى الماء لأيام متتالية يبدأون بالموت في اليوم الخامس والسبعين تقريبا”.

ويقبع الأخرس رهن الاعتقال الإداري، الذي يسمح باحتجاز المشتبهين بالإرهاب إلى أجل غير مسمى دون محاكمة لمدة تصل إلى ستة أشهر قابلة للتجديد. في حين يمكن للمحتجزين تقديم اسئتناف على الاحتجاز نفسه لدى محكمة العدل العليا أو محاكم أدنى، فإن المشتبه بهم لا يحصلون على محاكمات كاملة ولا يمكنهم الوصول إلى الأدلة ضدهم.

وقال الأخرس لـ”تايمز أوف إسرائيل” إنه يريد رؤية “أطفاله يلعبون مع أطفال يهود ومسيحيين بحرية” ونفى عضويته الحالية في المنظمة، ويصر على عدم انخراطه في أي “نشاط أمني”، ويقول إن المسؤولين في جهاز الأمن العام (الشاباك) بالكاد استجوبوه بشأن تفاصيل محددة عن أنشطته.

وفقا للشاباك، المسؤول عن مكافحة الأنشطة المعادية لإسرائيل في الضفة الغربية، فإن الأخرس متورط في حركة “الجهاد الإسلامي”، وهي منظمة فلسطينية مسلحة تسعى صراحة إلى تدمير إسرائيل. نفذت المنظمة العديد من الهجمات ضد الإسرائيليين منذ تأسيسها في عام 1981.

قال الشاباك في بيان، “وردت معلومات استخبارية تفيد بأن [الأخرس] كان ناشطا بارزا في الجهاد الإسلامي، ومتورط في أنشطة تعرض السلامة العامة للخطر”.

فلسطينيون يتظاهرون تضامنا مع الأسير الفلسطيني ماهر الأخرس، المضرب عن الطعام في سجن إسرائيلي، في رفح جنوب قطاع غزة، 10 أكتوبر. 2020. (Abed Rahim Khatib / Flash90)

لكن النيابة العسكرية الإسرائيلية قررت عدم تجديد اعتقاله الإداري، الذي من المقرر أن ينتهي في 26 نوفمبر. وفي صباح الإثنين، رفضت محكمة العدل العليا الإفراج فورا عن الأخرس قبل الموعد النهائي. وبدلا من ذلك، عرضت حلا وسطا: يمكن للأخرس أن ينهي إضرابه عن الطعام الآن وأن يقضي بقية عقوبته، ولن يتم تجديد اعتقاله الإداري بعد ذلك ما لم تظهر معلومات جديدة.

رفض الأخرس اقتراح المحكمة، وتعهد بمواصلة الإضراب ما لم يُفرج عنه فورا ودون شروط. ردا على سؤال عما إذا كان خائفا من الموت قال الأخرس “الأمر بأيديهم”، في إشارة إلى السلطات الإسرائيلية. “إذا وافقت على العودة إلى المنزل بشروطهم، فهل يمكنني حقا العودة إلى المنزل؟ في أي وقت يمكن لأي ضابط في الشاباك أن يقرر اعتقالي مرة أخرى”.

ألقي القبض على الأخرس (49 عاما)، وهو من سكان قرية سيلة الظهر بالقرب من جنين، خمس مرات بتهمة النشاط في الجهاد الإسلامي، بحسب الشاباك، وهو أب لستة أبناء ويمتلك أكبر مصانع الألبان في الضفة الغربية.

في عامي 2005 و2019، اعترف بالانتماء إلى منظمة محظورة، وفقا لصحيفة “هآرتس”، التي أضافت أن التسجيلات القضائية ذكرت أنه شارك في مسيرات للجهاد الإسلامي، بما في ذلك إلقاء خطب في بعضها، ونشر مواد متطرفة على “فيسبوك”.

يقول الأخرس إن القوات الإسرائيلية “أخذتني لمجرد إذلالي. كنت أعرف الضابط الذي اعتقلني [من اعتقالاتي السابقة] … وكان يعرفني. قالوا إنهم اعتقلوني لمجرد معاقبتي “.

أومأت زوجته تغريد وهي واقفة إلى جانب سريره موافقة. حصلت تغريد مؤخرا على تصريح من السلطات الإسرائيلية لزيارة الأخرس خلال النهار، قبل العودة إلى الضفة الغربية في كل ليلة.

في 6 أيلول، قضت المحاكم بأن الأخرس أضعف من أن يظل في سجن “عوفر”، حيث كان محتجزا. نُقل الأسير بعد ذلك إلى مركز كابلان الطبي، حيث يرقد هناك منذ ذلك الحين، وفقا لمحاميته أحلام حداد.

في حين ظل اعتقال الأخرس على هامش معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية، فقد احتل عناوين الصحف الفلسطينية – التي يهيمن عليها إلى حد كبير الفصيلان الحاكمان، “فتح” و”حماس”. ونُظمت عدة مظاهرات صغيرة متفرقة تطالب بالإفراج عنه في الضفة الغربية وغزة.

قد تؤدي وفاة الأخرس إلى إشعال المزيد من التوترات بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في كل من غزة والضفة الغربية.

وطالب كل من رئيس وزراء السلطة الفلسطينية محمد اشتية ورئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس خالد مشعل إسرائيل بإطلاق سراحه على الفور، وقام لعديد من أعضاء حزب “القائمة المشتركة” ذي الأغلبية العربية  بزيارته؛ مع مغادرة تايمز أوف إسرائيل الغرفة، دخل عضو الكنيست من القائمة المشتركة أسامة السعدي لإجراء محادثة مطولة معه.

وقال عضو الكنيست عوفر كسيف، النائب اليهودي الوحيد في القائمة المشتركة: “إذا مات الأخرس، فسيكون ذلك إعداما بدون محاكمة”.

نشطاء يساريون إسرائيليون يرفعون لافتة عليها صورة المعتقل الإداري الفلسطيني ماهر الأخرس خلال مظاهرة تطالب بالإفراج عنه بعد أن تدهورت صحته أثناء إضراب عن الطعام مستمر منذ 77 يوما ، أمام مركز كابلان الطبي حيث يرقد، في مدينة رحوفوت وسط إسرائيل ، 11 أكتوبر، 2020. (Ahmad GHARABLI / AFP)

يوم السبت، هددت “سرايا القدس” التابعة للجهاد الإسلامي، إسرائيل في حال وفاة الأخرس إثر إضرابه عن الطعام.

وقال المسؤول في الجهاد الإسلامي خالد البطش في بيان: “إذا حدث له أي شيء فإن الجهاد الإسلامي سيعاقب المسؤولين. ستدفع إسرائيل ثمنا باهظا. يجب على كل من يهتم بوقف إطلاق النار التدخل وإرسال رسالة واضحة – لن نترك أسرانا يتعفنون ويموتون في السجن”.

أداة قانونية غير شائعة ومثيرة للجدل

لو كان الأخرس مواطنا إسرائيليا مشتبها بمخالفة جنائية، لكان على الأرجح تم تقديم لائحة اتهام رسمية ضده بحلول هذا الوقت وكان قد مثل أمام محكمة مدنية.

لكن الأخرس، فلسطيني من سكان الضفة الغربية الخاضعة للقانون العسكري الإسرائيلي، محتجز رهن الاعتقال الإداري، الذي غالبا ما يُستخدم ضد فلسطينيين يُشتبه بتورطهم في “أنشطة إرهابية”. في بعض الحالات، يتم احتجاز الأسرى لسنوات دون توجيه تهم رسمية ضدهم.

ولطالما دافع المسؤولون الأمنيون عن الإجراء، بدعوى أن تقديم لائحة اتهام قد يجبرهم على الكشف عن معلومات أمنية حساسة. علاوة على ذلك، يُزعم أن مثل هذه الاعتقالات قد تكون الطريقة الوحيدة لمنع خطر فوري على الجمهور الإسرائيلي، في حالة الاشتباه في هجوم وشيك.

في عام 2019، قال مسؤول أمني لتايمز أوف إسرائيل إن “الاعتقال الإداري هو أداة وقائية، وليس أداة عقابية، ويُستخدم فقط في الحالات التي لا يمكن فيها منع التهديد بطرق أخرى”.

لكن منظمات حقوقية فلسطينية ودولية تدين هذه الممارسة، وتقول إن إسرائيل تسيء استخدامها. يزعم الأخرس أنه “كا هو الحال الآن، يمكن لأي ضابط اعتقال أي فلسطيني ببساطة لأنه يرغب بذلك، من دون محاكم ومن دون قيام أي شخص بالدعوة للتحقيق”.

حتى نهاية شهر أغسطس، كان في السجون الإسرائيلية 335 فلسطينيا الذين تم احتجازهم بموجب أوامر اعتقال إداري، بينهم قاصران، وفقا لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسيلم”.

بينما تشرف المحاكم الإسرائيلية نظريا على الاعتقال الإداري، فمن النادر عمليا أن تلغي احتجاز المعتقل تماما. بحسب بتسيلم، من بين 3,909 أمر اعتقال إداري صدر بين يناير 2015 ويوليو 2017، ألغت المحاكم 1.2٪ منها فقط.

تقول ليتفين، من منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، “بموجب القانون الدولي، فإن الاعتقال الإداري هو أداة متطرفة. لكن إسرائيل تستخدمه على نطاق واسع ضد الفلسطينيين، وهو يمنع الكثيرين من التمتع بحياة طبيعية – فالناس يدخلون ويخرجون من الاحتجاز لسنوات، دون أي تهمة”.

ماهر الأخرس قبل اعتقاله 2020. (Screenshot: Roya News)

لم يُسمح لحداد، محامية الأخرس، الاطلاع على الأدلة ضده، حيث ان اعتقاله يستند على مواد سرية حصل عليها الشاباك وتم عرضها على محكمة عسكرية وراء أبواب مغلقة.

وقالت حداد: “يصبح محامي الدفاع شخصية هامشية في مثل هذه المحكمة، لأن المدعين فقط يتحدثون مع القضاة، والمعتقل يكون حتى أكثر هامشية لأنه لا يعرف ما التهم ضده”.

في الأسبوع الماضي، قدمت النيابة العسكرية شريط فيديو من مركز كابلان الطبي، زعمت أنه يظهر فيه الأخرس وهو يقول إنه عضو في الجهاد الإسلامي ويحث الفلسطينيين على “مواصلة النضال حتى لا يتبقى يهودي واحد”، وفقا لملفات المحكمة.

طلبت حداد الاطلاع على النص الذي استخدمته المحكمة، مشيرة إلى أن الفيديو قد تم بالفعل توزيعه على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. بعد بعض المشاحنات القانونية، قالت حداد إنه سُمح لها بالاطلاع على مقطع الفيديو.

النص، كما قُدِم لتايمز أوف إسرائيل وأوردته صحيفة هآرتس سابقا، لم يشر إلى الجهاد الإسلامي أو أي رسالة تحرض بشكل مباشر على قتل أو طرد اليهود؛ ولا الفيديو الذي استند عليه.

وقال الشاباك ردا على ذلك إن النص “غير ذي صلة ، لأن الملف الإداري لـ [الأخرس] بالطبع لا يستند إلى مقطع فيديو واحد تم التقاطه بعد اعتقاله”.

تقول ليتفين: “بعد ثلاثة أشهر في السجن، دون أن يدرك أحد ما الذي يقف وراء ذلك، ينبغي على إسرائيل أن تختار: إما تقديم لائحة اتهام أو إطلاق سراحه”.

ورفضت المحكمة العليا فرض الأمر، مؤكدة أن الأدلة على تورط الأخرس في حركة الجهاد الإسلامي، التي تم الكشف عنها للقضاة خلف الأبواب المغلقة، ملموسة بما يكفي لتبرير استمرار اعتقاله.

وكتب القاضي يتسحاق عميت في أواخر سبتمبر: “”نحن مقتنعون بأن هناك أساسا لما جاء … في ملف المدعى عليه ، والذي بموجبه فإن [الأخرس] ناشط بارز في الجهاد الإسلامي، ومتورط في أنشطة تنظيمية تهدد أمن المنطقة، وكما أنه يحرض على  التطرف ويعبّر عنه”. ولم تجد أي جلسة أجريت في وقت لاحق للمحكمة العليا ما يدعو إلى إلغاء الحكم.