سلسلة من الإنفجارات هزت قرية القاع، على الجانب اللبناني من الحدود السورية-اللبنانية، واخترق صوت إطلاق النار الهواء. انتحاريون، ينتمون كما يبدو لتنظيم “داعش”، حاولوا مهاجمة أهداف للجيش اللبناني، الذي كان يعمل في المنطقة بالتنسيق مع حزب الله في 26 يونيو. 8 محاولات لتنفيذ هجمات إنتحارية في غضون 24 ساعة، وتم القبض على أحد المسلحين على قيد الحياة.

العدد الكبير الذي لا يمكن تصوره يظهر الوضع الأمني الجديد الذي على “حزب الله” التعامل معه في السنوات الأخيرة، إلى جانب الطريق الطويلة التي قطعها منذ نهاية حرب لبنان الثانية في صيف عام 2006.

10 أعوام مرت منذ أن أعلنت اليافطات في الضاحية، معقل “حزب الله”، في بيروت عن “الإنتصار من عند الله” بعد أن وضعت الحرب أوزاها، و”حزب الله” لم تعد نفس المنظمة. بالنسبة لها، التهديد الأمني الرئيسي هو “داعش” (وجماعات سنية متطرفة أخرى كتنظيم “جبهة النصرة”). لم تعد أهم جبهة الحدود الجنوبية مع إسرائيل، بل هي سوريا، إلى جانب المخاوف المستمرة من وصول “داعش” وجماعات مشابهة إلى داخل لبنان.

الإنتحاريون في القاع كانوا نقط ققط في محيط من منفذي الهجمات، بعضهم نجح بينما حاول آخرون ضرب أهداف شيعية داخل لبنان وكذلك في معقل “حزب الله”، ما يُسمى “المربع الأمني” في الضاحية الجنوبية، التي تقع جنوبي العاصمة الببنانية، حيث تقع مكاتب ومقر “حزب الله”. “حزب الله”، الذي بدأ العمل في سنوات الثمانين كمنظمة مسلحة متخصصة في الهجمات الإنتحارية، عليه التعامل الآن مع نفس التهديد الذي قام هو بإستيراده إلى الشرق الأوسط.

منذ ذلك الوقت مر “حزب الله” في العديد من التجسيدات. حيث ركز على حرب العصابات ضد القوات الإسرائيلية في سنوات التسعينات. بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في مايو 2000، اعتمد أسلوب عمل جديد: الحفر تحت الأرض جنوبي لبنان (في مناطق محمية تحت غطاء “محميات طبيعية”) والحصول على صواريخ لردع إسرائيل.

أشبع “حزب الله” رغباته أحيانا في مهاجمة القوات الإسرائيلية من حين لآخر في محاولة لحشد تضامن معه في صفوف اللبنانيين والفلسطينيين حتى الحرب في عام 2006، التي اندلعت مع اختطاف وقتل جنديين إسرائيليين. حسّن “حزب الله” سلح نفسه بكمية هائلة من الصواريخ المتنوعة . يعتقد البعض أن المنظمة تملك 150,000 صاروخ في ترسانتها. لقد قامت بوضع الصواريخ والقذائف في مناطق سكنية شيعية وقرى وبلدات في جنوب لبنان وفي مناطق مثل القاع، التي أصبحت موقعا لـ”مخازن طوارئ”. كان الهدف التحضير لجولة أخرى من القتال مع إسرائيل، والتي يعتقد الكثيرون بأنه مسألة وقت فقط.

تداعيات الحرب الأهلية السورية

لكن عندها اندلعت الحرب الأهلية في سوريا. شهر مارس في عام 2011 شهد التظاهرات الأولى في منطقة درعا وحوران والتي سرعان ما تحولت إلى موجة اضطرابات عبر البلاد تأثرت من الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن.

ولكن على عكس آخرين، رفض بشار الأسد الإستسلام والتنازل عن السلطة. وهكذا تحولت سوريا إلى ميدان قتل لم يسبق له مثيل، وعندها تدخل الحرس الثوري الإيراني لمساعدته، وضم إليه “حزب الله” للتطوع في مساعدته في حربه ضد مواطنيه الذين ضاقوا ذرعا بالنظام السوري، وبعد ذلك ظهرت جماعات متطرفة أخرى كثيرة على الأراضي السورية.

في المرحلة الأولى، على الأقل، اقتنع “حزب الله” بإرسال بضعة مئات من جنوده المقاتلين إلى سوريا، في الأساس إلى مواقع إستراتيجية في محيط دمشق. ولكن سلسة من الهجمات المروعة التي نفذتها جماعات سنية متطرفة ضد أهداف تابعة “لحزب الله” في الضاحية السورية، ضف إلى ذلك انتصارات تنظيم “داعش” الأولى في العراق، دفعت بالمنظمة إلى إدراك أنها إذا لم تأخذ معركتها ضد خصومها السنة إلى سوريا، ستجد نفسها تحارب “داعش” وآخرين مثله في ضواحي بيروت. وهكذا وُلد القرار الذي غير اتجاه “حزب الله”.

استثمر “حزب الله” موارد هائلة في القتال في سوريا، لكنه لم يحقق إنجازات هائلة بإسستثناء الإبقاء على الأسد حيا (وهو ما لم يكن ليحدث كما يبدو من دون تدخل الروس). يعتقد مسؤولون إسرائيليون أن ثلث القوة القتالية لحزب الله تتواجد على الأراضي السورية. يمكن فقط تصور اللوجستية المطلوبة للحفاظ على قوة كهذه: الطعام والملابس والمعدات والأسلحة. كان على “حزب الله” تحويل كل هذه الأمور على مدى سنوات من لبنان إلى سوريا – وهي مسافة تمتد إلى مئات الكيلومترات. وحدات “حزب الله” المتعددة تترك الجبهة من حين لآخر لزيارة الوطن في لبنان، ويتم إرسال وحدات أخرى لتحل محلها، ما يتطلب وسائل نقل عسكرية هائلة.

نضج “حزب الله” خلال الحرب الأهلية في سوريا، وحول نفسه من مجرد تنظيم مسلح إلى جيش بكل الطرق الأساسية. ولكن إلى جانب الحسنات، فإن قرار إستثمار كل هذه الجهود في سوريا انتزعت منه ثمنا باهظا. أولا، لاقى نحو 1,500-1,600 من مقاتلي حزب الله مصرعهم في الحرب، وعدد المصابين يقدر بالآلاف. بعبارة أخرى، ثُلث آخر تقريبا من القوة القتالية لـ”حزب الله” خارج الخدمة بسبب الحرب. هذه الأرقام آخذة بالإزدياد، وtي كل مرة يتم إرسال مقاتلين لحزب الله إلى لبنان داخل نعوش مغطاة بأعلام صفراء، وتُجرى لهم جنازات رسمية.

بالإضافة إلى التكلفة الإقتصادية والخسائر البشرية، هناك أيضا تداعيات سياسية، التي تُعتبر حاسمة لـ”حزب الله” وقائده. عندما تم تعيين نصر الله أمينا عام للحزب (بعد أن قامت إسرائيل باغتيال سلفه، عباس الموسوي، في عام 1992) وفي سن 33، قرر أن “حزب الله” سيدخل السياسة اللبنانية. نبع قراره من الرغبة بالسيطرة على مراكز القوة في لبنان التي تم بعد ذلك إنتخابه من داخلها من قبل الجمهور الذي أحبه أيضا.

هذه الإستراتيجية نجحت بدرجات متفاوتة على الأقل حتى عام 2006، وربما كذلك بنفس الدرجة في العام الذي تلا الحرب. ولكن عندها اتسع الصدع بين “حزب الله” وقوى “14 آذار”، وكذلك بين المنظمة ومجموعات عرقية أخرى: السُنة بطبيعة الحال وجزء من المسيحيين وبعض الدروز أيضا. بعد ازديات التوترات بين الأطراف المختلفة، لم يتردد “حزب الله” بإستخدام القوة العسكرية للسيطرة على الحي الذي يتواجد فيه مبنى الحكومة في بيروت في عام 2008، موجها رسالة للحكومة بأنه من هذه النقطة فصاعدا، لا يمكن القيام بأي خطوة من دون مباركته. منذ ذلك الحين، تحول “حزب الله” إلى دولة داخل دولة، وقراره التدخل في الحرب بالأهلية السورية زاد من الفجوة بين لبنان “حزب الله” ولبنان بقية اللبنانيين.

“حزب الله” يستفيد أيضا من الحرب السورية بالطبع. لقد اكتسب خبرة قتالية هائلة في ساحة المعارك هناك، وحسّن أساليب عمله وتعلم كيفية التوغل في أراض ومسح منطقة حضرية وإستخدام دبابات ومدفعية، وتحسنت قدراته التكنولوجية أيضا بفضل الجيشين السوري والروسي. للمنظمة أيضا أسطول من الطائرات بدون طيار، ولديها أيضا شبكة اتصالات منفصلة في لبنان تمنحها بعض الحرية من محاولات التجسس.

اليوم، “حزب الله” أقوى من الجيش السوري.  إذا نجح في شن هجوم مفاجئ على حدود إسرائيل الشمالية، فإن قدرته على التسبب بسقوط عدد كبير من الضحايا أو حتى السيطرة على بلدة واحتجاز رهائن أكبر بكثير مما كانت عليه في الماضي.

أجيال من القوات الإسرائيلية تدربت، بدءا من التدريب الأساسي، على السيطرة على “خبز سوري” – ثكنة محصنة فوق قبة عالية – إستعدادا لحرب محتملة مع سوريا. سيناريو آخر تحدث عن محاولة وحدة كوماندوز سورية التوغل إلى أراض في هضبة الجولان. يبدو أنه ستكون هناك حاجة إلى اعتماد هذه التدريبات الأساسية لإحتمال أنه في حالة وقوع حرب سيحاول حزب الله السيطرة على بلدة إسرائيلية وقتل سكانها.

رغم سقوطه في الخطيئة، لا يزال نصر الله في المقدمة

في مقابلة تلفزيونية أدلى بها مباشرة بعد حرب لبنان الثانية، أقر نصر الله بأن لو كان يدرك بأن ثمن اختطاف الجنديين الإسرائيليين، إلداد ريغيف وإيهود غولدفاسر، سيكون الحرب، لما كان حزب الله قام بالعملية. في حين أن تصريح نصر الله قد يكون زلة لسان، يبدو مرجحا أن الكثير من اللبنانيين كانوا سيطالبون بمساءلته على قراره بدخول الحرب.

وبالفعل، مثل “حزب الله””، لم يعد نصر الله شعبيا كما كان في السابق. تحول من كونه من أكثر القادة المحبوبين في الشرق الأوسط في نهاية حرب لبنان الثانية إلى أحد أكثر الشخصيات المكروهة في المنطقة، وبالتأكيد عند الدول السنية. يُنظر إليه باعتباره مغامرا متهورا يعتمد فقط على إيران وينفذ تعليمات طهران. تم التشكيك في مصداقيته أكثر من مرة، وتم حرق صوره خلال تظاهرات في العالم السني بسبب دوره فيقتل المدنيين السوريين السنة.

مع ذلك، لا يبدو أن مكانته تغيرت بشكل كبير في صفوف الطائفة الشيعية في لبنان أو داخل “حزب الله”. حيث أنه لم تبرز معارضة لنصر الله من داخل المنظمة، وحركة “أمل” الشيعية لا تشكل منافسة قوية. يدلي بكثير من المقابلات والخطابات، في محاولة واضحة لإقناع الشيعيين بعدالة قضيته. لا يكاد بمر أسبوع من دون ظهور نصر الله في خطاب مسجل هنا أو هناك، لإحياء ذكرى “شهيد” أو الإحتفال بأحد الأعياد. هو كان ولا يزال وجه “حزب الله” وكذلك صانع القرار الرئيسي فيه.

مع ذلك، من الصعب تصور قيام نصر الله بإتخاذ قرار يتعلق بـ”حزب الله” من دون مباركة إيرانية. إذا اعتقد الناس مرة أن ما يهمه أكثر من كل شيء هو لبنان، أصبح من الواضح بأنه أداة تستخدمها إيران، وهو ملزم بتنفيذ القرارت التي تتخذها طهران، يتفق مع معظمها، ولكن يعارض بعضا منها.

لا يزال نصر الله الشخصية الوحيدة في حزب الله. في حين أن نائبه، الشيخ نعيم القاسم، قد يكون يتمتع بمكانة معينة في المجتمع الشيعي، لكن من غير المتوقع أن يكون منافسا حقيقيا في المستقبل القريب. شخصيات بارزة أخرى، كالقائدين العسكريين عماد مغنية ومصطفى بدر الدين، تم اغتيالها (اغتيال مغنية نُسب لإسرائيل في حين أن اغتيال بدر الدين لا تزال ظروفه غامضة). وبما أن خلفائهم عديمو الخبرة نسبيا وأصغر سنا وغير معروفين من قبل الجمهور العام، فإن مكانة نصرالله كصانع القرار الرئيسي أصبحت أقوى فقط.

حرب أخرى مع إسرائيل؟ ليس بهذه السرعة

في أوائل شهر يوليو من عام 2006، كان من الصعب إيجاد محلل لبناني أو إسرائيل سيراهن على أن هناك حرب وشيكة بين إسرائيل و”حزب الله”. الإفتراض الشائع كان أن “حزب الله” لن يتجرأ على البدء بأي شيء قبل موسم السياحة في لبنان. جميعنا كنا مخطئين. هجوم متهور من قبل “حزب الله” في صباح 12 يوليو، 2006، بالقرب من “معلم 105” أدت إلى حرب استمرت 34 يوما. منذ ذلك الحين، حرص “حزب الله” على تجنب مهاجمة أهداف إسرائيلية بإستثناء الرد على هجمات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

على الرغم من الخطا الذي ارتكبناه نحن المحللون آنذاك، بإمكاننا المغامرة بالتكهن بحذر أنه لا توجد لـ”حزب الله” أي نية ببدء حرب هذا الصيف. قد يكون أحد الإعتبارات، كما كان في ذلك الوقت، المسألة الإقتصادية وموسم السياحة الذي يوشك على البداية في لبنان، التي تتمتع بمعدل 2.5 مليون سائح سنويا، على الرغم من أن الأرقام تشهد انخفاضا بسبب الوضع الأمني الصعب.  حرب مع إسرائيل بالتأكيد لن تعمل على تحسين هذه الأرقام.

ولكن على عكس حرب لبنان الثانية، هذه ليست النقطة الرئيسية. القضية الأهم هي عملية صنع القرار في “حزب الله”. ما دام الناس يحاربون ويُقتلون في الحرب في سوريا، من الصعب تصور انجرار نصر الله مرة أخرى إلى مغامرة حمقاء أخرى ضد إسرائيل. لديه القدرة على قصف أي نقطة في إسرائيل مع مخزن الصواريخ والقذائف التي بحوزته. ولكن حتى هو يدرك إنه في الواقع الجديد الذي يجد نفسه فيه، فإن فتح جبهة جديدة مع إسرائيل قد تؤدي إلى هزيمة عسكرية ليس فقط أمام الجيش الإسرائيلي ولكن أيضا أمام الجماعات السنية المتطرفة في سوريا.