دأب أمين منصور، وهو طبيب أسنان فلسطيني من قرية عزون الفلسطينية، على استقبال مرضاه الإسرائيليين في عيادته.

ولكن منذ أن قام فتى فلسطيني بطعن أحد مرضاه الإسرائيليين خارج عيادته في أوائل سبتمبر، لم يعد أي منهم إلى العيادة. في أحد أيام الأحد مؤخرا لم يتواجد أي منهم في عيادته، التي كانت هادئة وخالية إلى حد كبير.

“الغالبية العظمى يقولون لي إنهم لن يتمكنوا من العودة”، كما يقول الطبيب البالغ من العمر 47 عاما، والذي تدرب في موسكو، وهو يحتسي القهوة السوداء في مكتب الاستقبال في عيادته، ويضيف “عادة يمثلون (الإسرائيليون) حوالي 20% من مرضاي. حوالي 17-18 منهم يأتون عادة كل شهر، ولكن في الشهر الأخير لم يفعل ذلك سوى اثنان منهم”.

بحسب منصور، فإن العديد من المرضى الإسرائيليين ألغوا مواعيدهم، في حين أبلغه آخرون بأنه لم يعد بإمكانهم الحضور الى عيادته.

ويقول “يقولون إنهم يخشون السفر الى هنا بسبب ما حدث. البعض يقول إنه من المستحيل الحضور”.

في 7 سبتمبر، قام فتى فلسطيني بطعن يوسف بيرتس وابنه ليبار (17 عاما) – بعد أن سألهما عما إذا كانا يهوديين – عند مدخل عيادة منصور.

واستذكر منصور قائلا “سمعتهما يصرخان في الأسفل. قفزت على من قام بطعنهما وأمسكن بيده وأسقطت السكين منها”، وأضاف “بعد ذلك أخرجته من مكتبي قبل أن يفر”.

أمين منصور (47 عاما)، طبيب أسنان من قرية عزون، يقف عند مدخل عيادته في 20 أكتوبر، 2019، حيث واجه فتى فلسطينيا قام بطعن أحد مرضاه وابنه في سبتمبر. (Adam Rasgon/Times of Israel)

بعد لحظات، كما يروي منصور، قام بتضميد جراح يوسف وليبار لمنع فقدانهما للدم، وقال إن شخص آخر من سكان عزون أراد نقلهما الى مستشفى في قلقيلية، ولكنه أوقف مركبته الى جانب مجموعة من الجنود الإسرائيليين صادفهم في طريقه. وقال إنه أبلغ الجنود بما حدث، حيث قام هؤلاء باستدعاء سيارة إسعاف لنقل الأب وابنه إلى مركز “مئير” الطبي في كفر سابا.

في غضون ذلك، قام أفراد عائلة منفذ الهجوم بتسليمه لقوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، والتي لا تزال تحتجزه.

وأكد يوسف بيرتس، وهو من سكان بلدة أوفكيم في جنوب البلاد، رواية منصور. ولقد نجا هو وليبار من الهجوم، لكنه قال أن ابنه كان لا يزال يعاني من آلام في الأسابيع الأخيرة.

وأضاف إنه التمس العلاج عند منصور في المقام الأول بسبب الأسعار المنخفضة التي يقدمها مقارنة بتلك التي في إسرائيل.

وقال يوسف، الذي كان في صدد إجراء 24 عملية زرع أسنان، “سمعت عن أمين من أحد جيراني، وقررت الذهاب إليه لأنه يستطيع إجراء عمليات زراعة الأسنان بتكلفة زهيدة للغاية”، وأضاف “إن عمليات زرع الأسنان التي أجريتها عنده كانت ستكلفني ثلاث أضعاف السعر هنا [في إسرائيل]”.

في حين يغطي نظام الرعاية الصحية في إسرائيل معظم تكاليف طب الأسنان للأطفال، فإن ذلك لا ينطبق على عدد كبير من علاجات الأسنان بالنسبة للبالغين.

بحسب منصور، فإن تكلفة زراعة الأسنان لديه تبلغ ما بين 1,500-2,000 شيكل لكل سن، في حين يكلف هذا الإجراء في إسرائيل 3,000-4,000 شيكل، وقال إن علاجات أخرى يوفرها مثل معالجة لب الأسنان وخلع الأسنان أقل تكلفة بشكل كبير في عيادته مقارنة بإسرائيل.

قوات الأمن الإسرائيلية تجري عمليات تفتيش في أعقاب هجوم طعن وقع في قرية عزون بالقرب من قلقيلية بالضفة الغربية، 7 سبتمبر، 2019. رجل إسرائيلي وابنه أصيبا في الهجوم الذي نفذه فتى فلسطينية في القرية بينما كانا يقومان بزيارة طبيب أسنان. (Nasser Ishtayeh/FLASH90)

بحسب ليئور كتساب، رئيس نقابة أطباء الأسنان في إسرائيل، فإن تكلفة عمليات زرع الأسنان في إسرائيل تتراوح ما بين 2,000 و10,000 شيكل لكل سن.

لكنه يقول إنه ينبغي على الإسرائيليين التوجه لأطباء أسنان في إسرائيل: “من المهم أن يتوجه الإسرائيليون الى أطباء أسنان في إسرائيل لأنهم بهذه الطريقة يمكنهم التأكد من أنهم سيحصلون على رعاية تتماشى مع المعايير الدولية”.

وفي حين قال بيرتس إنه كان راضيا عن عمليات زرع الأسنان التي أجراها منصور له، لكنه أضاف أيضا إنه لن يعود الى عزون لاستكمال العلاج.

وقال “طلب مني مسؤولو الأمن عدم العودة الى هناك الى حين انتهاء الإجراءات القانونية المتعلقة بعملية الطعن”، وأضاف “أنا راض جدا عن العمل الذي قام به أمين من أجلي، ولكن للأسف لن أكون قادرا على العودة في أي وقت قريب”.

منصور، أحد قادة حركة “فتح” في منطقة قلقيلية ونائب رئيس مجلس عزون المحلي سابقا ومسؤول كبير سابق في نقابة أطباء الأسنان المحلية، هو رجل متزوج وأب لأربعة أبناء، وقال إنه كان قد تعرض لإطلاق النار خلال تظاهرة في عام 2002 وقضى أكثر من ثلاث سنوات في السجن الإسرائيلي بعد أن أدانته محكمة عسكرية في عام 2003 بتهمة التحريض، وهي تهمة ينفيها.

ولم يعلق الجيش الإسرائيلي على الفور على طلب لتأكيد رواية منصور.

ويقول منصور إنه بدأ بتقديم العلاج للإسرائيليين في أواخر التسعينيات بعد التوقيع على اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي نتج عنه إنشاء السلطة الفلسطينية.

يوسف بيرتس (60 عاما) من بلدة أوفكيم، أصيب هو وابنه (16 عاما) بجروح في هجوم طعن وقع في قرية عزون الفلسطينية بالضفة الغربية في 7 سبتمبر، 2019. (Screenshot from Walla News)

وقال “أشخاص من المستوطنات المجاورة، وخاصة الروس في نيفيه مناحيم وآخرون من روش هعاين كانوا يقومون بالتسوق وزيارة أطباء الأسنان في بلدتنا. قدمت لهم نفس السعر والخدمة التي أقدمها لأي شخص من هنا، ولكن بعد بدء الانتفاضة الثانية، توقفوا عن المجيء”.

خلال الانتفاضة الثانية، التي اندلعت في عام 2000، قامت فصائل فلسطينية بتنفيذ هجمات إنتحارية وهجمات إطلاق نار وعمليات أخرى ضد إسرائيليين.

وقال منصور إن الإسرائيليين عادوا لزيارة عيادته في 2009 بعد أن قابل لحسن حظه أحد سكان أوفكيم في عزون والذي قدم له العلاج لاحقا.

“بعد أن جاء يوني، أخبر آخرين في أوفاكيم عن عيادتي الذي أخبروا المزيد من الأشخاص”، في إشارة منه إلى الرجل الذي قابله من أوفكيم، وأضاف “في النهاية بدأت أقدم العلاج لعدد كبير من المرضى من إسرائيل، ولكن كل ذلك انتهى بعد ما حدث قبل بضعة أسابيع”.

ورفض عدد من مرضى منصور الذي قاموا كما قال بإلغاء المواعيد معه في أعقاب هجوم الطعن التعليق.

وأكد يوني بأن العديد من أولئك الذين كانوا على اتصال بمنصور لم يعودوا يشعرون بالأمان في السفر الى عزون.

وقال يوني “يعجبهم السعر والعمل الذي يقوم به لكنهم يشعرون بالخوف بعد عملية الطعن”.

وقال كتساب إنه لا توجد معطيات حول عدد الإسرائيليين الذي يذهبون إلى الضفة الغربية لتلقي العلاج لأسنانهم لأن هذه المعاملات غير مسجلة في إسرائيل.

لافتة معلقة خارج عيادة أمين منصور في 8 سبتمبر، 2019، تعلن عن خدمات طب الاسنان التي يقدمها باللغتين العربية والروسية، ومع أخطاء إملائية باللغة العبرية. (Screenshot: Kan Public Broadcaster)

بحسب منصور فإن هذه الظاهرة موجودة في عدد من البلدات الفلسطينية الأخرى إلى جانب عزون، لكنه لا يعرف مدى انتشارها.

ويمكن العثور على لافتات لعيادات أطباء أسنان مع كتابة باللغة العبرية عليها في العديد من القرى والبلدات في الضفة الغربية. في سبتمبر أظهر تقرير لهيئة البث العام الإسرائيلية (كان) عيادة طبيب أسنان في بلدة الظاهرية في جنوب الضفة الغربية، يزروها الإسرائيليون، بحسب القناة التلفزيونية، لتلقي العلاج.

وقال منصور إنه يتمنى عودة مرضاه في النهاية.

“ما حدث كان فظيعا، لكنني راض بصدق لأنه لم يقتل أحد، وهو الشيء الأهم”، كما قال وأضاف “آمل أن أكون قادرا على تقديم العلاج لهم مجددا”.